محاولة قلب نظام الـ"حسام حسن"

يتهم حسام حسن منتقدي قيادته الفنية للمنتخب القومي، بأنهم "لا يحبون مصر"، أو بعبارة أخرى؛ وإن لم يقلها صراحةً، يعدهم خونة وعملاء وقلة مندسة وطابورًا خامسًا، والخوف؛ كل الخوف أن يُصنِّفهم أعضاءً في جماعة إرهابية محظورة.

أدلى حسام حسن بتصريحات بهذا المعنى، حين فاز بالمباراة الأولى من بطولة كأس أمم أفريقيا، وأدلى بمثلها بعد مباراة جنوب أفريقيا، وبعد الفوز على كوت ديفوار، لكنه عقب الخسارة من السنغال انفلت عن عِقاله بدرجة شديدة الفظاظة.

في المؤتمر الصحفي عقب المباراة، لم تعد اتهامات حسام مقتصرة على منتقديه المصريين، إذ أسرف في الحديث عن الذين يكرهون مصر، ويحقدون عليها من الشرق والغرب وبلاد تركب الأفيال، والسبب أن مصر قوية وعظيمة، ومنتخبها ظفر بكأس أمم أفريقيا سبع مرات، في إنجاز لن يحققه غيره حتى يرث الله الأرض وما عليها.

 

مكايدة لا تناسب سير المباراة

كان حسام وتوأمه إبراهيم، توجها نحو مدرجات الجمهور السنغالي فلوَّحا برقم سبعة، على سبيل المكايدة، وهي مكايدة رخيصة ومنفلتة أخلاقيًا، إن ارتكبها لاعب ناشيء تغدو محاسبته واجبةً على المسؤولين، ومن ثم ليس مستساغًا تحت أي ذريعة أن تصدر عن المسؤولين أنفسهم.

والأغرب من ذلك أن تلك المكايدة لا تناسب سير المباراة، إذ لا يجدر بفريق خسر للتو أن يكايد مديره الفني مشجعي فريق "مسح به الأرض".

لعب منتخبنا تسعين دقيقة من أسوأ ما يكون، كان الأداء رعديدًا جبانًا، لا جملة تكتيكية واضحة، ولا حُسن تحركٍ بالكرة أو بدونها، ولا أدنى تقارب بين الخطوط، وما من استغلال للمساحات الخلفية لدى المنافس رغم اندفاعه هجوميًا.

مع الدقيقة الثلاثين من الشوط الثاني، بدا جليًا أن ميزان اللياقة يميل لكفة لاعبي السنغال، والمنطقي؛ والحال كذلك، أن يُجري المدير الفني تغييرات لضخ الدماء في شرايين الفريق، بيد أنه لم يفعل؛ وقف على الخط يصرخ و"يتنطط" ويُحمِّس اللاعبين.

أي مشاهد يفهم بعشرة قروش في كرة القدم، كان متأكدًا من تصاعد سيناريو المباراة أن الهدف السنغالي قاب قوسين، ليس ممكنًا أن تحاصر فريقًا في منطقة جزائه وعلى حدودها، ولا يقع في أخطاء، خاصةً حين يكون المنافس بقوة أسود التيرانجا.

لكن حسام لم يرَ الحقيقة رغم وضوحها، كان يخطط على ما يبدو للعب وقت إضافي على شوطين، وصولًا إلى ضربات الترجيح، وقد يكون من حسن الطالع أن ذلك لم يحدث، فانخفاض اللياقة كان واردًا أن يفضي حينئذٍ إلى فضيحة كروية.. كانت الأقدام ثَقُلت و"التحميس" وحده لن يجدي نفعًا.

 

المنتخبات الأفريقية تتقدم.. ونحن محلك سر

 على مدى العقود الثلاثة الماضية، زاد الحديث عن التطور المذهل للكرة الأفريقية، بعد انتهاء المرحلة التي كان يقال فيها إن القارة السمراء تملك وفرة في الموهوبين، غير أنها لا تملك خططيًا و"تخطيطيًا" مقومات ارتقاء منصات التتويج.

اليوم نرى الفرق الأفريقية تملك الحُسنيين؛ المهارات الفذة والتخطيط السليم، ونحن نجتر أمجاد الماضي التليد.

في تشريح أسباب الخسارة يتبدى أنها ليست لفقر في المواهب، فقوام الفريق الوطني يضم محمد صلاح الذي لم يؤدِ مع المنتخب بهذه الروح القتالية من قبل، ومرموش الذي يسجل من أنصاف الفرص، فضلًا رأس الحربة؛ مصطفى محمد الذي لم يستغل حسام مثقال ذرة من إمكانياته، ناهيك عن خط الدفاع الذي أدى أداء رجوليًا، إن لم يكن فدائيًا.

لكن المدير الفني لم يعترف بذلك، لأنه ببساطة كدأب الخاسرين يمارس آليات الإنكار.

الحقيقة أن حسام فشل فشلًا ذريعًا، فجعل يمعن في التبرير اللزج والتحجج الرتيب: "لدينا محترفان وربع"، أو يهرف بأن القارة السمراء والحكام وعفاريت الإنس والجن متآمرون على مصر.

لماذا؟ لأن مصر "كايداهم"، ولأن مصر "ما حدش يقدر عليها"، ومصر العزيزة لي وطن، وهي الفريدة في الزمن، وعظيمة يا مصر يا أرض النعم، و"ما شربتش من نيلها"، ويا حبيبتي با مصر، وتحيا مصر ثلاثًا.

الإنجازات لا تتحقق بالهتافات الشوفينية والزعيق الإنشائي الأجوف، وتاريخنا ملئ بتحديات واجهناها بالأغاني الحماسية، فلم نحصد إلا خسائر من وراء خسائر، والمؤسف أننا لا نتعلم.

المثال الأبرز يتجسَّد في حرب الخامس من يونيو؛ خضناها ببيانات أحمد سعيد، ومنطق "الخطابة التي لا تقتل ذبابة"، كما يقول شاعرنا نزار قباني في ديوانه الانفجاري "هوامش على دفتر النكسة"، وفيه يقول أيضًا: "بالطبلِ والمزمار لا يحدث انتصارْ"، وعلى المستوى الرياضي هناك "صفر المونديال" الذي كان فضيحة بجلاجل.

خطاب شوفيني ينسحب على كل شيء

لو مددنا الخط على استقامته، سنجد أن خطاب حسام حسن، بكل صخبه الحماسي، لا يعدو إلا أن يكون استنساخًا متنطعًا للخطاب السياسي والاقتصادي وبالطبع الإعلامي المصري برمته، فمع كل كارثة تقع على رؤوس البلاد والعباد، ثمة مسؤول يصرخ: "المؤامرة الكبرى والخطط الخبيثة وأهل الشر والطابور الخامس"، ولا بأس من بعض الحديث عن عظمة مصر التي تستجلب حسد الحاسدين وحقد الحاقدين.

محض أكليشيات مكررة ومستهلكة، تعمل عمل ورقة التوت لستر عورات الفاشلين والفاسدين.

الحقيقة أن المنتخب أدى أداءً يفتقر إلى الحد الأدنى من الفاعلية، كان بلا لون ولا طعم ولا رائحة، لم يمتلك شخصية البطل وطموحه، لكن حسام كان دائمًا "يتنطط" على الخط صارخًا غاضبًا مشدود الأعصاب، يضرب كفيه بصلعته التي تلمع تحت الأضواء الكاشفة.

خططيًا؛ نستطيع وبغير افتئات على الحقيقة أن نقول إن المنتخب لم يحضر البطولة، لعبنا بحماس المدير الفني فحسب، والغريب أن ذاك الحماس كان دفاعيًا، ولم يتطور إلى شكل هجومي خططي.

كان المنتخب بغير أنياب ومخالب، لكنه امتلك صراخ حسام وصياح شقيقه إبراهيم وتشدقهما "بالروح والدم نفديك يا مصر".

الغريب أنه بعد الهدف السنغالي الذي زغرد في شباك الشناوي في الدقيقة الثامنة والسبعين، فيما تكاد المباراة تلفظ أنفاسها، ولاعبونا منهكون مستنزفون، رأينا لعشر دقائق منتخبًا آخر.

هاجم لاعبونا هجومًا أربك المنافس ارتباكًا واضحًا، وأوتيت للمرة الأولى فرصة التسديد على مرمى حارس السنغال الذي لم نر وجهه، إلا في الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع، فلماذا وكيف وبأي أمَارة إذن كنا سنفوز؟

لم يكن مستحيلًا أن نؤدي على هذا النحو منذ الدقيقة الأولى، كان المعلم حسن شحاتة -نسأل الله له الشفاء- كذلك يفعل، فحصد البطولة القارية ثلاث مرات على التوالي.

مفارقة تنفي كليًا أكذوبة ضعف قدرات اللاعبين المصريين، وتقوّض أسطورة أن حسام لعب بما يناسب المتاح من محدودي الموهبة.. ليس مقبولًا أن يسعى الفاشلون لإفحام منتقديهم على طريقة النساء السوقيات: "يا جارية اطبخي يا سيدي كَلِف".

فاز الفريق الأفضل والأكثر جاهزية، فالقاعدة أن الذي يصنع الفرص هو الذي يكسب، والمنطقي أن الذي يهاجم هو الذي يرتقي منصات التتويج، والخطط الدفاعية لا تقوم على تقفيل منطقة الجزاء دون ارتداد هجومي، وحين يحدث سيناريو آخر، فذاك الاستثناء الذي يثبت القاعدة.

خرافة تخاذل الإنسان المصري

 تحميل الأفراد مسؤولية فشل الرأس، والهرطقة بأنهم متخاذلون عاجزون عن الإنجاز، واستصغار قدراتهم المبدعة، يعد من أكبر الآفات في مصر، ليس في المجال الرياضي فحسب، والمؤسف حقًا أن ذلك يُشاع على نطاق واسع، إلى درجة أن كثيرين باتوا "ينهقون": "العيب في الشعب.. هذه قدرات المصريين، مستوياتهم متدنية في كل شيء، شعب لا ينتج ولا يبدع ويرفض أن يعمل".

كَبُرت كلمةً تخرج من أفواههم، فالحقيقة أننا لا نصدر سلعة واحدة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، باستثناء الإنسان المصري الذي يحقق إنجازات مبهرة، حين يجد البيئة الحاضنة.

يقول المثل الصيني: "السمكة تفسد من رأسها"، إنَّ الفساد الذي استوطن رأس الإدارة الفنية للمنتخب، أفسد حلم الملايين بالكأس الأفريقية الثامنة.

 

لا خطوة إلى الأمام في الرياضة وفي غيرها من المجالات، بغير التوقف عن تحميل الأفراد مسؤولية سوء التخطيط الفوقي، ولن نلحق بقاطرة التقدم ما لم نكف عن الخطابات الشوفينية، والاستغراق في نظرية المؤامرة الكونية.

حين نفشل لا بد من مواجهة الأسباب، لا أن نهرف بأننا الرواد العظماء أصحاب الحضارة والمجد العريق، على حين نتردى في الدرك الأسفل من الفشل والعجز وسوء التخطيط و"الفهلوة" والفساد.

الخسارة أمام السنغال ليست نهاية بل ينبغي أن تغدو بداية؛ بداية لتخطيط جاد علمي مدروس لتطوير منظومة كرة القدم، بغير ذلك سنخسر ثم نخسر ثم نخسر.

العيب في "سيستم التفكير"؛ العيب في الإدارة؛ العيب في آليات اتخاذ القرار؛ العيب في متخذي القرار الذين يرفضون المنهج العلمي، ويُصعِّرون وجوههم لأهل الخبرة، ويتجاهلون دراسات الجدوى، ويسمون الفشل إنجازًا والتخبط إصلاحًا، ويتشدقون ببلاهة الخائبين: "ليس في الإمكان أحسن مما كان"، أو "مش أحسن ما نبقى زي بنين والصومال".

لا بد من محاسبة حسام حسن، وكل حسام حسن في أي موقع، ولا مناص من إماطة اللثام عن السلبيات، وليس مقبولًا أن يُردُّ على ذلك بالاتهامات السائبة التي نخشى أن تصل إلى تهمة "خدش رونق المدير الفني للمنتخب" أو محاولة "قلب نظام حسام حسن".. بالمرة.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة