انتهت الانتخابات، بكل ما حملته من مشاعر متباينة بين فرح وخيبة أمل وصراع و الغاء و مال سياسي وتوقعات متضاربة. ومع اكتمال تشكيل مجلس النواب، لم يعد الجدل حول النتائج مجديًا، بقدر ما أصبح السؤال الأهم: ماذا سيفعل هذا المجلس؟
ليس من حيث الشكل أو العدد، بل من حيث التشريع، والرقابة، والانحيازات الفعلية.

تركيبة واضحة
التركيبة العامة للمجلس باتت واضحة. الأغلبية موالية ومنظمة، تمتلك الكتلة الأكبر وتعرف كيف تدير المشهد تحت القبة. وفي القلب منها يقف مستقبل وطن كقوة عددية رئيسية.

لكن القراءة الدقيقة للأرقام تكشف عنصرًا لا يمكن تجاهله: نحو 105 نائبًا مستقلًا، وهي الكتلة الثانية عددًا بعد الحزب الأكبر.
هذه الكتلة لا يمكن التعامل معها باعتبارها هامشية، ولا يمكن افتراض سلوكها السياسي مسبقًا. فهي تضم:
- نوابًا كانوا في قلب الموالاة ثم خاضوا الانتخابات كمستقلين سواء باتفاق او خلاف
- نواب خدمات نجحوا بثقل محلي واضح
- نوابًا بلا انتماء سياسي معلن، لكنهم يمثلون دوائر حقيقية
وهنا يبرز السؤال: هل سيُعاد جذب هؤلاء تدريجيًا داخل الأغلبية ام سيكون للمعارضة موقف جاذب لهم؟ أم نشهد تحركات أكثر استقلالًا وفق مصالح الدوائر والناخبين؟
تحالفات معروفة.. واختبارات صعبة

تحالف الطريق الديمقراطي السياسي (العدل – المصرى الديمقراطى – الإصلاح و التنمية ) يمتلك وضوحًا في التوجه العام، ومساحة مشتركة في الرؤية السياسية. التحدي الحقيقي أمامه لن يكون فقط في مواجهة الأغلبية، بل في إدارة التنوع الداخلي، وتحويله إلى قوة ضغط تشريعي ورقابي حقيقية، لا مجرد حضور رمزي.
أما حزب الوفد، فهو أمام لحظة فاصلة.
إما استعادة دور سياسي واضح يعيد له ثقله التاريخي، أو البقاء في منطقة رمادية تضعف تأثيره وتربك جمهوره. المرحلة القادمة لا تحتمل التردد، لأن الشارع بات أكثر قدرة على التمييز بين المواقف.
السؤال الأكبر: ماذا ننتظر تشريعيًا؟
بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية المتتالية، لم يعد المواطن مهتمًا بتوازنات البرلمان بقدر اهتمامه بسؤال بسيط ومباشر:

هل سينعكس وجود هذا المجلس على حياته؟
وهنا تتفرع الأسئلة الحقيقية:
- هل نشهد تهدئة حقيقية في سياسات القروض؟
هل يتوقف الاعتماد المفرط على الاقتراض كحل شبه وحيد لإدارة الاقتصاد، أم يستمر المسار نفسه مع تغيير في الخطاب فقط؟
- هل نرى تشريعات تخفف الضغط عن الطبقة الوسطى؟هذه الطبقة التي تآكلت تدريجيًا، وتتحمل العبء الأكبر من الضرائب وارتفاع الأسعار، دون مظلة حماية كافية.
- هل تُراجع سياسات الضرائب والرسوم بما يعيد شيئًا من التوازن؟
ليس إلغاءً، ولكن عدالةً وتدرجًا وربطًا حقيقيًا بالدخل.
- هل تظهر قوانين تدعم الإنتاج الحقيقي، والصناعة الصغيرة والمتوسطة، والزراعة، بدل الاكتفاء بالإجراءات الشكلية؟
الأغلبية… هل ترى المواطن قبل الحزب؟
الاختبار الأهم لن يكون في عدد القوانين التي تُمرر، بل في طبيعتها. هل سنرى نوابًا من الأغلبية يضعون مصلحة المواطن قبل الالتزام الحرفي بتوجيهات الحزب؟
هل سيظهر داخل الأغلبية صوت عقلاني يدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بتوازن اجتماعي؟
البرلمان ليس مجرد غرفة تصديق، بل مساحة للتفكير والتعديل والمساءلة. والنائب، أيًّا كان موقعه، ليس ممثل حزب فقط، بل ممثل دائرة و مواطنين.

المستقلون ونواب الخدمات
نواب الخدمات، خصوصًا المستقلين، أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف دورهم. الناخب لم يعد يريد نائبًا ينجز طلبًا فرديًا ويصمت في القضايا الكبرى.
الشارع يريد نائبًا: يراقب الأداء الحكومي، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويتكلم حين يجب الكلام، ويدافع عن مصالح الناس داخل القاعة.
النجاح في معركة الخدمات لا يكفي وحده للاستمرار السياسي، لكن النجاح في الجمع بين الخدمة والموقف هو ما يصنع نائبًا حقيقيًا.
الرقابة..الغائب الحاضر
الرقابة البرلمانية ستكون المعيار الأوضح للحكم على هذا المجلس.
كم طلب إحاطة حقيقي؟
كم استجواب جاد؟
كم مناقشة عامة لا تنتهي بتوصيات محفوظة؟
غياب الرقابة لا يعني فقط ضعف البرلمان، بل يعني تراكم الأخطاء حتى تنفجر خارج المؤسسات.
و أخيرًا و ليس أخرًا
نحن أمام مجلس: تركيبةُ واضحة بشكل كبير، لكن مساراته ليست محسومة بالكامل، ومساحاته السياسية ما زالت قابلة للتشكّل.
السنوات الخمس القادمة لن تُقاس بعدد القوانين، بل بقدرتها على: تخفيف الأعباء، وإعادة التوازن ولو جزئيًا، وإقناع المواطن بأن صوته لم يذهب هدرًا، واقناع الناس انه برلمان يمثلهم برلمان حقيقي للشعب
الناس لم تعد تنتظر خطابات مطمئنة، بل تشريعات عادلة، ومواقف واضحة، ونوابًا حاضرين. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام البرلمان القادم.