تعلمت في الخفاء.. هزمت الأمية من خلف الراديو في سن الـ 35

قبل أربعين عامًا، كان الحاج أحمد الصغير يقف أمام شباك بريد مركز قوص بمحافظة قنا، بخطواتٍ اعتادت هذا المشوار في التوقيت نفسه من كل أسبوع. يحمل في يده جوابًا مغلقًا بعناية، يعرف طريقه من البيت إلى البريد كما يعرف طريق العودة؛ مشوارٌ صار جزءًا من حياته الرتيبة، تكرارٌ صامت ينتظر أن يؤتي ثمارًا بعيدة.

على المظروف، كُتب العنوان: "القاهرة / كورنيش النيل / إذاعة الشعب / البرنامج التعليمي / عبد البديع القمحاوي/ عايدة شكري/ الشبكة الرئيسية".

أعلى المظروف كُتب بخط واضح لكنه غير واثق تمامًا، يتقدم بحذر، كلمة تجر ما بعدها، فاليد التي كتبته ما زالت تتعلم كيف تترك أثرها على الورق، كيف تثبت الحروف في أماكنها من غير أن ترتعش، ومن غير أن تعود إلى الخلف، ولذلك ظل الجواب بلا اسم، لا في أعلاه ولا في أسفله، غيابٌ مقصود ومحسوب، كأن الاسم لو كُتب لانكشفت الحكاية قبل أوانها.

كان الحاج أحمد يتأكد في كل مرة أن الطابع في مكانه المضبوط، مختومًا بختم البريد، وفي كل مرة ينظر فيها إلى المظروف ليتأكد، أن الخط ما زال كما هو، ثابتًا بما يكفي ليواصل الطريق، ومترددًا بما يكفي ليقول إن صاحبه في بداياته.

حين يصل دوره، يقترب من الشباك الزجاجي، يمد الجواب ويقول بصوتٍ هادئ: "عايز أبعت جواب". يأخذه الموظف، يختمه، ويختفي به خلف الزجاج، بينما يقف الحاج أحمد لحظة إضافية، ثم يمضي وهو يدرك أن هذا المشوار سيتكرر الأسبوع القادم، وأن جوابات أخرى ستسلك الطريق نفسه، بنفس الخط الذي يتعلم، وبنفس الصبر، حتى يصل واحد منها إلى القاهرة، ويُفتح في يوم خميسٍ منتظر.

موعد مع الحروف

في قرية "حجازة قبلي"، وعلى بُعد 15 كيلومترًا من مركز قوص، كان صوت البداية لبرنامج "يا أهل بلدي" يتسلل من خلف الباب الخشبي القديم، يتدفق في أنحاء الغرفة الصغيرة، يخترق الجدران المائلة والزوايا المكسورة، ويملأ المكان بنبرة موسيقية مألوفة وهي تنادي: "ياللي اتحرمتوا من التعليم.. الفرصة لسه قدامكم.. من غير ما تغرموا ولا مليم…".

صوت لا يعرف المسافات، ولا يدرك أن خلف الجدران قلبًا يتوق للكلمات بانتظاره. كانت الساعة تقترب من السابعة إلا ربع مساءً.. اللحظة التي تبدأ فيها الكلمات بالتسلل إلى عقلها، والضوء الخافت للمبة الجاز يلتقي بصوت الراديو، ليعلنا معًا بداية درسٍ جديد، تتحول فيه الغرفة الضيقة إلى فصلٍ دراسي، وتبدأ فيها الحروف رحلتها الأولى نحو قلبها.

هناك، جلست فوزية أحمد الصغير على "طبلية" خشبية، وعمرها بلغ الخامسة والثلاثين، لكنها بالكاد تتعلم الحروف، وكأن السنوات الطويلة لم تمحُ رغبتها في التعلم، بل جعلتها أشد إصرارًا.

بجلابيتها الداكنة الفضاضة وشالها الذي يغطي جسدها، وضعت أمامها كراسة، وأمسكت قلمًا في يدها اليمنى، ومرآة صغيرة أمام فمها لتراقب فيها مخارج الحروف، بينما الراديو الصغير الذي يعمل بـ "الحجارة"، يرسل صوت عبد البديع القمحاوي وعايدة شكري، وهما يهمسان لها بصبرٍ وبطء، كأنهما يمسكان يدها لتبدأ خطوة بخطوة.

صورة أرشيفية

تكرر فوزية الحرف مرة بعد مرة، تفتح شفتيها أمام المرآة؛ فكل حرفٍ جديد تنطقه هو انتصار صغير على سنوات الأمية. تحاول تقليد أصوات الحروف، تثبت كل واحدٍ في ذهنها قبل أن تنتقل للتالي، كل حرف هو عالم صغير، خطوة جديدة لحياة لم تعرفها من قبل. عيناها المشبعتان بالشغف والتركيز تلتقطان كل نبرة وكل توقف صغير، تحفظ البرنامج في قلبها، ولا يخرج منها إلا الصمت والتركيز الكامل، وهي ترى الكلمات التي حلمت بها طويلًا بدأت تصبح أخيرًا شيئاً ملموسًا على الورق.

ورغم التعب، كانت كل جلسة أمام الراديو مشهدًا من المقاومة الصامتة، تتعلم من الصفر في عمرٍ لم يكن أحد يتوقع أن تبدأ فيه، لكن إصرارها كان أقوى من الأعراف التي حرمتها. كان صوت البرنامج يشبه نورًا يقتحم عتمة الغرفة، يضيء الطبلية وتلك الخربشات الأولى في الكراسة، ويضعها على أول الطريق؛ حرفًا بعد الحرف، حتى تحولت الكلمات من مجرد أصوات إلى حياة حقيقية تتنفسها بعد عقود من الغياب.

وجود مؤجل

لم يسجل الحاج أحمد ابنته فوزية لحظة ميلادها في أي ورقة رسمية، لم يكن هناك تاريخ مكتوب ولا شهادة تثبت أنها جاءت إلى الدنيا في يوم ما. أُخفي ميلادها عمدًا لكي لا تطالب بها المدرسة حين تبلغ السن القانوني، فالتعليم لم يكن يومًا للبنات، وأحيانًا كانوا يقولون: "دول عميان.. مالهومش عازة في التعليم". وهكذا ظل وجود فوزية مؤجلًا، بلا رقم، وبلا تاريخ، وبلا اعتراف رسمي.. كأن الحياة نفسها لم تطلبها بعد.

تعلم أخواها حتى الصف السادس الابتدائي، بينما ظلت هي البنت الوحيدة خاضعة للقاعدة التي لا تستثني أحدًا: "البنت تتم عشر سنين تقعد في البيت"، وتُغلق خلفها الأبواب، لتبدأ مرحلة من الحياة لا تحتاج فيها إلى القلم والكراسة؛ لينحصر دورها بين العجين، والطبخ، والغسيل، والكنس.. ولا خروج بعد ذلك. تختصره فوزية في حديثها مع فكّر تاني: "سجن".

لم يعترف أحد بوجودها إلا في اللحظة التي تقرر فيها موعد زفافها، بعد أن ظل وجودها معلقًا بلا إثبات أو سند، فلجأوا إلى "التسنين"؛ ذلك الإجراء الذي يمنح الشخص عمرًا مكتوبًا لم يعشه. قدّر طبيب القرية عمرها بثمانية عشر عامًا، لم يكن عمرها الحقيقي، لكن أحدًا لم يحسبه من قبل، وهكذا، أخيرًا أصبح لفوزية وجودًا رسميًا.

بأطفال صغار، وعمر تجاوز الـ 35 عامًا، تعود فوزية مرة أخرى إلى بيت عائلتها، بقيت وأولادها في بيت العائلة لأربعة سنوات. حتى قررت ذات يوم أن تفتح شقًا صغيرًا في جدار عتمتها، بـ "طبلية خشبية ولمبة جاز وراديو يعمل بالحجارة".

حلم بحجم موجة

كانت فوزية وهي في العاشرة، تمر في شوارع القرية الضيقة، تمشي بمحاذاة البيوت الطينية فتخرج إليها أصوات الراديو من النوافذ المفتوحة، أخبارٌ وأغنيات وكلامٌ لا تفهم كل تفاصيله، لكنها كانت تدرك أن هناك عالم آخر يدور خلف هذه الجدران، عالمًا يصل للآخرين ولا يصل إليها. كانت تشعر بغيرة صامتة؛ لماذا تفتح تلك البيوت نوافذها على الدنيا، بينما يظل بيتها مغلقًا على نفسه؟ ظل هذا الإحساس يسكنها لسنوات، حتى تحول الحلم إلى حقيقة بعد خمسة وعشرين عامًا، باع والدها "معزة" ليشتري جهازًا ثمنه جنيهان وخمسون قرشًا، أحضره له جارٌ مسافر إلى مصر. لم يكن مجرد راديو صغير يعمل بالحجارة، بل نافذة كاملة فُتحت لها على العالم.

لم يتركها والدها وحيدة أمام هذا الصوت؛ فقد تلقى تعليمه لأربع سنوات في مدرسة جده، صار كأنه مشرفٌ عليها، يجلس بجوارها، ويردد معها الحروف، يصحح لها مسكة القلم، ويراقب ما تكتبه في الكراسة. كان يساعدها في تجميع الواجبات من درس إلى درس، ومن خميس إلى خميس، ثم يضع الأوراق في المظروف ويرسله بالبريد.

كانت فوزية تريد أن تكتب اسمها، أن تترك أثرًا يدل عليها فوق الورق، لكن والدها كان يمنعها بحزم: "عيب تكتبي اسمك.. يعرفوكي وييجوا". وهكذا، كانت ترسل واجباتها "مجهولة"، مكتفية بأن الحروف أصبحت تعرفها، وأن العالم الذي حلمت به وهي طفلة صار أخيرًا يجلس معها على الطبلية، حرفًا بحرف، دون أن يراها أحد.

الخميس المنتظر

كان الخميس، يوم الانتظار الطويل، تعرفه من عين فوزية المعلقة على الراديو، كأنها تخشى أن يمر الصوت دون أن تمسك به، فالخميس هو اليوم الذي تُفتح فيه الجوابات، يمد عبد البديع القمحاوي يده إلى رسائل الدارسين، يقرأ بعضها، ويترك أصحاب "الرسائل المجهولة" بلا نداء. كانت فوزية تدرك أنها المقصودة، فتنتظر، لا لتسمع اسمها، بل لتسمع صوت "فرد الورق" على الهواء، كأن حفيف المظاريف هو شهادتها الوحيدة بأنها تتعلم في الخفاء.

صورة أرشيفية

تجلس في مكانها المعتاد، وتستعد لسماع النداء: "أعزائي الدارسين والدراسات"، ثم يليه الطلب المتكرر: "من فضلكم، اكتبوا أسماءكم". كانت تسمع الجملة ولا تستجيب، تكتفي بالبقاء "مجهولة" لتبقى أكثر أمانًا.

وحين يفوتها درس، لا بسبب إهمال بل لأن "حجارة الراديو" نفدت فجأة، كانت تنتظر بلهفة من يطلب إعادة الدرس من الدارسين الآخرين. وحين يأتي الإعادة في الثانية عشرة إلا ربع ظهرًا، يكون البيت في ذروة حركته؛ وقت العجين والخبيز الذي لا يتوقف.

تقول فوزية: "كنت بعجن وأنا بسمع". يدها في العجين وعينيها على الراديو، تفرد الرغيف وتقربه من الفرن، ثم تتركه لحظة لتمسح يدها في طرف جلابيتها، وتعود للطبلية لتكتب الحرف سريعًا قبل أن يفوتها الشرح. كان يومها ينقسم بين "نار الفرن" و"نور الحرف"؛ لم تنتظر الظروف المثالية لتتعلم، بل انتزعت له مكانًا وسط الزحام.

عكس التيار

لم يردها أبوها عروسًا صغيرة، لم يشأ أن يسلمها للزواج وهي ما تزال طفلة، فاختار الانتظار. أرادها أن تدخل بيتها وهي تدرك ثقل المسؤولية، وقادرة على حملها. وحين أصبحت أم، جاءت هي الأخرى على مهل؛ أنجبت ولدين وبنتًا، لكنها لم تنجرف خلف ما اعتادته القرى من كثرة الإنجاب، كانت تعرف حدود قدرتها: "عشان أعرف أخلي بالي عليهم".

في المقابل، لم يكن زوجها متحمسًا لتعليم الأبناء، ولم يكن رفضه مقتصرًا على البنت وحدها، فحتى الولدان اللذان تسمح لهما العادات بما لا تسمح به لغيرهما، لم يرَ لهما طريقًا خارج حدود الأرض. أرادهما أن يكبرا بين "الخطوط المحروثة"، وتعرف أصابعهما ملمس الطين أكثر من ملمس الورق. 

لكن فوزية كانت ترى الأمر بمنظورٍ آخر، كان تحديها الشخصي الذي لا يقبل المساومة: "القلم أخف من الطرية أو ‘الفِلاحة‘"؛ رأت في المكتب ظلًا رحيمًا من شمس الحقول، وفي الوظيفة استقرارًا لا يتبدل بتبدل المواسم. لم تكن تزدرِي الأرض، لكنها كانت تعرف ثقلها، فرأت في التعليم "طريق نجاة" لا مجرد رفاهية.

جعلت فوزية من ابنتها "مشروع عمرها"، وسارت معها عكس التيار، وقفت في وجه العادات واعتراضات الأهل، ومضت في طريقها. واسمتها "نجاح"، كان وعدها الصامت الذي قطعته على نفسها،  كأنها لم تُسمِّ طفلة، بل كلمة كانت تبحث عنها طويلًا، اسمًا يخصهما سويًا، الابنة والأم معًا، وامتدادًا لطريقٍ لم يُيكن مسموحًا لفوزية أن تسير فيه لنهايته. 

أكملت "نجاح" الثانوية بنظام المنازل، ثم دخلت الجامعة، وحصلت في سنتها الأولى على منحة تفوق، وانتقلت للسكن الجامعي، حيث يتسع المكان للحلم، بينما كانت فوزية تراقب من بعيد، مطمئنة وهي ترى تعبها يتحول أخيرًا إلى المستقبل الذي تمنته.

ملجأ الكلمات

لم يتوقف ما بدأته فوزية عند تعلم الحروف، بل اتسعت الدائرة وحدها، دخلت الكتب حياتها بهدوء، ومعها كبرت الرغبة في الفهم. وجدت نفسها تميل للكتابة، تكتب شعرًا ونصوصًا قصيرة، كأن الكلمات صارت وسيلتها لترتيب ما تراكم بداخلها عبر السنين.تقول: "كنت ضايعة.. والتعليم لقاني".

الورق والأقلام لا يفارقونها، والفكرة لا يمكن تأجيلها، إذا خطرت لها وهي تعد الطعام، تترك ما في يدها وتدونها فورًا، تؤمن أن الفكرة إن لم تُمسك في لحظتها قد لا تعود: "الأكل بيتعوض، لكن الفكرة لأ"، حتى حين تذهب للنوم كانت تضع ثلاثة أقلام تحت رأسها، والراديو إلى جوارها صوته حاضرًا في الخلفية، تستمع وتكتب وتُرسل.

 لم تعد تختبئ خلف الورق. بدأت تُرسل واجباتها وكتاباتها باسمها كاملًا: فوزية أحمد الصغير، وتكتب عنوانها بوضوح، كأن الاسم الذي كان يومًا عبئًا صار حقًا.   

فوزية أحمد الصغير (تصوير منى أحمد)

ومع بلوغها الخامسة والسبعين، تحفظ حكايات أبلة فضيلة "عن ظهر قلب" تحكيها لأحفادها العشرة الذين يجلسون حولها، يسمعونها بعيون واسعة وقلوب متلهفة، ويستفيد بعضهم منها كما لو كانت مفاتيح صغيرة تفتح أمامهم أبوابًا للعالم.

ظلت القراءة رفيقها الثابت عبر السنوات، تقرأ أنيس منصور، ونجيب محفوظ، وجبران خليل جبران، وتقول بحماس: "أنا فتحت الشباك.. حتى ولو متأخر". تقول فوزية أن الصوت الذي دخل بيتها يومًا، لم يعلمها القراءة فقط، بل أعادها إلى نفسها، وجعلها تشعر أنها حية بين الأحياء، وأن التعليم ليس شهادة، بل حياة كاملة تُستعاد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة