بين مقصلة العميد وهيبة العلم: القصة الكاملة لصمود الأستاذ الدكتور منار الطنطاوي

إن ما أسردُه في السطور ليس مجرد كلمات، بل هي شهادة موثقة على واقعةٍ اختلط فيها التعسف الإداري والاضطهاد الوظيفي الممنهج بالانتقام الشخصي، وضاعت فيها هيبة العالم و "الأستاذ" الجامعي خلف مكاتب الموظفين.

إنها قصة الأستاذة الدكتورة منار الطنطاوي التي نرويها هنا عبر ثلاث محطات متصلة: تبدأ بسابقة تحويل الأستاذ إلى موظف دون تحقيق، ومحاولة التنكيل تذرعا بالمرض، وصولاً إلى تعرية دور البطانة الإدارية التي أصبحت مطية للبطش في يد عميد تجاهل القانون والتقاليد الأكاديمية التي قام علي بنائها -علي مر التاريخ المصري- أساتذة عظام.

إليكم التفاصيل الكاملة كما عشناها أنا وزوجتي علي مدار عام تقريبا.

المحطة الأولى: تحويل الأكاديمي إلي موظف إداري

د.منار الطنطاوي
د.منار الطنطاوي

في مشهدٍ غريب على الأعراف الجامعية، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في الحياة الأكاديمية المصرية، تُكافأ الأستاذة الدكتورة منار الطنطاوي -أستاذ الهندسة الميكانيكية والتي تخصصت مبكرًا في الذكاء الصناعي- بعد 28 عامًا من العطاء، بتحويلها من "أستاذة" إلى "موظفة إدارية" مطلوب منها أن تمكث في المعهد لمدة 8 ساعات بلا عمل. وهذا لا لشيء إلا لأنها تمسكت بحقها القانوني وطالبت بتنفيذ ثلاثة أحكام قضائية نهائية تقضي بتعيينها الوزاري في درجتها الأكاديمية المستحقة.

إن ما تتعرض له زوجتي هو "انتقام إداري" ممنهج؛ فبدلًا من الانصياع لأحكام القضاء المصري، قررت إدارة المعهد محاربتها في رسالتها. لم يكتفوا بسلبها "جدولها الدراسي" ومنعها من دخول قاعات المحاضرات، بل امتد التعسف لمحاولة عزلها عن طلابها بنقل محاضراتها إلى قاعات في أدوار عليا، وهم يعلمون يقينًا أن حالتها الصحية في ذلك الوقت تمنعها من ذلك، في محاولة بائسة لتغييبها قسرًا وتهميش تاريخها.

لقد وقفت "منسقة القسم" -التي كانت يومًا طالبة تتعلم في صفوف زوجتي- لتعلن بكل صلف سحب جدولها بناءً على "مذكرات واهية"، منها ومن موظف الشئون القانونية بالمعهد دون أي تحقيق قانوني، أو مجلس تأديب ضاربةً عرض الحائط بأبسط قواعد التوقير الأكاديمي والتدرج الوظيفي.

إنني أضع هذه الجريمة أمام الرأي العام والأوساط الأكاديمية: هل أصبح تنفيذ أحكام القضاء "جريمة" تُعاقب عليها الأستاذة الجامعية بالنفي كموظفة إدارية ومنعها من ممارسة رسالتها؟ إن الأستاذ الجامعي هو قيمة وتاريخ، وليس مجرد موظف يُنقل بجرة قلم لإرضاء من لا يخشون إهدار القوانين وازدراء احكام القضاء. ولعل أكثر ما يؤلم، ليس فقط غدر الزملاء، بل رؤية تلك المنظومة التي جعلت من الطالب عابرًا، حيث يتم اقتيادهم كالهمل من قاعة إلى قاعة، في مشهد يكرس ضياع هيبة الأستاذ في محرابه.

باسم زوجتي، وبقوة الأحكام القضائية الثلاثة التي تحملها، أعلن أننا لن نتنازل عن كرامة "الأستاذ"، وإن سلبتموها "الجدول"، فلن تسلبوها "الأثر". نحن باقون، والقانون باقٍ، ورحيلها لن يكون إلا بقرارها هي.. ومنتصرة بإذن الله، وأعلموا أن حكم التاريخ والقضاء سيدين كل من شارك في هذا التعسف.

المحطة الثانية: حين يصبح المرض ساحة تنكيل

ما أصعب على الرجل من أن يرى رفيقة دربه، الأستاذة الجامعية التي أفنت عمرها في ردهات العلم، وهي تعاني مرارة الوجع مرتين؛ مرةً حين غافلها المرض ونهش في فقرات ظهرها، ومرةً حين استغل "عميد معهدها" هذا المرض ليجعل منه ساحة لتصفية حسابات قديمة، ضاربًا عرض الحائط بكل قيم الإنسانية وقواعد القانون، وكل ما استقر عليه المصريون من أن الموت والمرض يعطلان الخصومة إن لم يزيلاها.

هشام جعفر وزوجته الأكاديمية منار الطنطاوي التي دفعت ثمناً كبيراً في حريته - تصوير محمد الراعي
هشام جعفر وزوجته الأكاديمية منار الطنطاوي التي دفعت ثمناً كبيراً في حريته - تصوير محمد الراعي

لقد كنتُ شاهدًا على ليالٍ طوال، لم تكن فيها منار قادرة حتى على الحركة، حين أثبتت تقارير الرنين المغناطيسي إصابتها بانزلاقات غضروفية حادة وضغطٍ على الأعصاب.

وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه لمسة وفاء من مؤسستها، فوجئنا بـ "مِقصلة إدارية" جاهزة للبطش، يقودها عميدٌ قرر أن يتخطى كافة القوانين والأعراف لينكل بزوجتي، فقط لأنها تجرأت يوماً وطالبت بحقوقها ونالتها عبر ثلاثة أحكام قضائية نهائية.

المرض ليس "غيابًا".. والظلم ليس "إدارة". كيف يفسر لنا العقل والمنطق أن يتحول "طلب إجازة عارضة" سُلم باليد أمام شهود إلى سرابٍ لا وجود له؟ وكيف تتحول تقارير طبية رسمية من مستشفى جامعي إلى "غياب بدون عذر"؟

إن ما قام به العميد من إصدار أوامر بخصم ستة أيام من راتب وحوافز زوجتي دون حتى تكليف نفسه عناء سؤالها أو إجراء تحقيق قانوني واحد، هو فعل لا يمكن وصفه إلا بالانتقام الوظيفي الصريح. لقد صادر حقها في المرض، وصادر حقها في الدفاع، وصادر حتى موافقة مجلس قسمها الذي رتب أعباءها مراعاةً لحالتها.

إن ما حدث ليس مجرد خلاف إداري على أيام غياب، بل هو "فاتورة" يحاول العميد تحصيلها من زوجتي لأنها كسرت حاجز الصمت وحصلت على أحكام قضائية تُنصفها. يبدو أن العميد أراد استغلال لحظة ضعفها الجسدي ليوجه لها رسالة تهديد واضحة: "إما الصمت، أو التنكيل المستمر والتهديد بالفصل".

إنني بصفتي زوجًا قبل أي شيء، أضع هذه المأساة أمام السادة المسؤولين في مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي. إن زوجتي لم ترتكب جُرمًا، بل كانت أستاذة مخلصة حتى وهي في قمة ألمها حين حضرت لمتابعة طلابها في التدريب الصناعي وهي لا تقوى على الوقوف.

المحطة الثالثة: عندما يصبح الموظف مطية في يد الإدارة للبطش بقيمة العلم والعلماء

لا يمكن أن يكتمل مشهد الظلم بالنظر فقط إلى رأس الإدارة، بل يجب تعرية دور تلك "البطانة الإدارية" التي اختارت أن تكون الأداة المنفذة لهذا التنكيل. فخلف كل قرار خصم جائر، وكل استيلاء على عرق جبينها، تقف مكاتب وموظفون وقعوا ومرروا وباركوا هذا التعسف المالي والعلمي، متناسين أن كرامة العالم من كرامة الوطن، وأن الموظف العام خُلق لحماية القانون لا ليكون سيفًا للبطش بإس من رئيسه.

جامعة القاهرة
جامعة القاهرة

إن ما جرى من تصفير لراتب أستاذة جامعة ليصبح (2500 و3000 جنيه)، وحرمانها من "بدل الانتقال" و"علاوة غلاء المعيشة" وأجر عملها في الساعات الإضافية والكنترول والمناقشات، هو جريمة شارك فيها هؤلاء الموظفون بوعي كامل:

* أولًا: في أروقة الأمانة العامة والشئون المالية: تتحمل هذه الجهة مسئولية تنفيذ خصومات تخطت 80% من الراتب، في مخالفة صريحة للمادة (40) من قانون العمل التي تحظر المساس بأكثر من ربع الأجر. إن تمرير هذه المبالغ المهينة هو اشتراك في "إضرار عمدي" يهدف لمحاصرة الدكتورة مادياً ومنعها حتى من توفير نفقات علاجها أو انتقالها لعملها.

* ثانيًا: في دهاليز الشئون القانونية: لقد انحرفت الوظيفة القانونية عن مسارها حين تحولت لمصنع مذكرات خصم تفتقر لأبسط قواعد التحقيق والمواجهة، وحين شارك القائمون عليها في سلب "أجر عمل أُنجز بالفعل" (الساعات الإضافية والكنترول). هذا الفعل يضعهم تحت طائلة المادة (123) من قانون العقوبات بتهمة استعمال السلطة لوقف تنفيذ اللوائح والقوانين المنظمة للأجور.

* ثالثًا: في إدارة شئون أعضاء هيئة التدريس: إن حجب "مفردات المرتب" الرسمية، والمشاركة في سحب الجدول التدريسي ومنع أستاذة حاصلة على 3 أحكام قضائية نهائية بالأستاذية من ممارسة رسالتها، هو "تعطيل لمرفق عام" وجزء من مخطط التنكيل الوظيفي الذي يحاسب عليه القانون كل من وقع عليه أو تستر فيه بموجب المادة (113 مكرر) عقوبات.

كلمة لهؤلاء الشركاء: إن كرامة الأستاذة الدكتورة منار مصونة باحترامها لقيم علمها وتقاليد وظيفتها وقوة القانون، وحقوقها لا تُسلب بقرار إداري. أما أنتم، فلن يعفيكم من المسئولية قولكم "ننفذ الأوامر"، فالموظف الذي يشارك في قطع الأرزاق ومنع الحقوق الثابتة يصبح خصماً مباشرًا أمام منصة القضاء.

يا معالي وزير التعليم العالي.. إن هؤلاء الموظفين الذين تحولوا إلى "سيف للبطش" بدلًا من أن يكونوا "درعًا للقانون" هم من يهددون جودة العملية التعليمية واستقرارها، والسكوت عليهم هو ضياع لهيبة العلم والعلماء في مصر.

أختم فأقول، لن نسمح بأن يُهدر حق منار خلف مكاتب الإدارة، ولن يثنينا التهديد عن ملاحقة كل من تسول له نفسه استغلال سلطته للانتقام من أستاذة صامدة نالت حقها بكلمة القضاء. العدل لا يتجزأ، وكرامة الأستاذ الجامعي هي من كرامة الوطن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة