الأحد, يناير 18, 2026
spot_img

لماذا يتوقع السادات “فوضى سياسية” في برلمان 2026؟

في قراءة استشرافية حذرة للمشهد السياسي القادم، أطلق السياسي البارز محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، تحذيرات واضحة مما وصفه بـ”حالة ارتباك وعدم سيطرة” قد تضرب المجالس النيابية في مرحلتها المقبلة، مرجحًا أن يتطور الأمر ليصل إلى حد “الفوضى السياسية” تحت قبة البرلمان.

السادات، في تصريحاته الخاصة لـ فَكّر تاني، يؤكد أن النتائج المعلنة للانتخابات لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة، إلا أن مكمن الخطر لا يكمن في الأرقام ذاتها، بقدر ما ستحمله من انعكاسات حادة ومباشرة على المشهد النيابي والسياسي برمته.

وفي تحليله لطبيعة الخريطة النيابية الجديدة، يرى أن تصدر حزب “مستقبل وطن” للمشهد بالحصة الأكبر من المقاعد، ومن خلفه في الترتيب أحزاب “حماة الوطن” و”الجبهة الوطنية” و”الشعب الجمهوري”، كان متوقعًا، فيما يذهب لأبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن حصيلة هذه الأحزاب كانت مرشحة لأن تكون “أكبر من ذلك بكثير”، لولا تدخل عامل “الضبط والسيطرة”.

ويوضح رئيس حزب الإصلاح والتنمية أن “الأحكام والإجراءات المرتبطة بالسيطرة والتنظيم” لعبت دورًا حاسمًا، لا سيما في “المرحلة الثانية” من الانتخابات؛ حيث شهدت العملية الانتخابية تشددًا ملحوظًا في عمليات المتابعة والرصد لأي خروقات أو تجاوزات، وذلك في ضوء “توجيهات مباشرة من الرئيس”، وهو ما ساهم في تحجيم التجاوزات وضبط إيقاع النتائج عند هذا الحد.

“مستقلون بجهود ذاتية”.. ودرس “الشيوخ”

في الوجه الآخر من الصورة، يرى السادات أن تلك الإجراءات والضوابط الصارمة التي حُجمت بها التجاوزات، قد فتحت – بقصد أو دون – نوافذ واسعة لأحزاب المعارضة والمستقلين، مما مكنهم من اختراق الحواجز وحصد ما يزيد عن 100 مقعد.

هنا يستعيد السادات توقعاته السابقة التي أدلى بها في حوار شامل مع فَكّر تاني بتاريخ 15 أكتوبر الماضي، حين استشرف بدقة خريطة المجلس الجديد قائلًا: “أتوقع أن نشهد، بين القوائم والمقاعد الفردية، ما لا يقل عن مئة نائب من صفوف المعارضة والمستقلين”.

ورغم وصفه لهذا التطور بأنه “إيجابي في حد ذاته” نظراً لحاجة الناس الماسة لسماع صوت مختلف ومعارض، إلا أنه يرى فيه بذرة التحدي القادم.

مكمن “القلق” أو “الفوضى المحتملة” في نظر السادات، لا يتعلق بالعدد المجرد، بل بـ”نوعية” هؤلاء النواب وطريقة وصولهم؛ إذ يشير إلى أن عددًا معتبرًا من المستقلين خاضوا معاركهم الانتخابية بـ”جهودهم الذاتية” البحتة ونجحوا دون ظهير حزبي يحميهم أو يوجههم.

هذه “الاستقلالية الشرسة” سيكون لها انعكاس مباشر وحاد على مواقفهم داخل القاعة، مما يجعل مسألة “السيطرة على الأداء البرلماني” – سواء من قبل أحزاب الأغلبية المهيمنة أو حتى من عقلاء المستقلين – تحديًا حقيقيًا وشاقًا.

ويزيد من تعقيد المشهد وجود قيادة جديدة للمجلس (رئيس ووكلاء جدد)، الأمر الذي سيتطلب وقتًا ليس بالقصير لضبط إيقاع الجلسات وإدارة هذا التنوع الصاخب بشكل متوازن.

وللتدليل عمليًا على صحة مخاوفه من “الانفلات التشريعي” أو التعثر، يستشهد رئيس حزب الإصلاح والتنمية بتجربة حديثة و”كاشفة” جرت وقائعها تحت قبة مجلس الشيوخ في الأيام الأخيرة.

الواقعة تتعلق بمشروع قانون قدمته الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون “الضريبة على العقارات المبنية” (رقم 196 لسنة 2008)، والذي قوبل بعاصفة رفض واسعة، حيث اعتبره النواب محاولة لتحويل الضريبة العقارية إلى “أداة جباية” لتحصيل أموال جديدة من جيوب المواطنين.

المفارقة التي يرصدها السادات هنا، هي أن وزير المالية، ورغم حضوره شخصياً للدفاع عن القانون، لم يتمكن من تمريره وتعثر المشروع.

ويتساءل مستنكرًا: “مجلس الشيوخ يُعرف عنه تاريخيًا (هدوء الأداء) والرزانة وعدم وجود مواقف صاخبة، ومع ذلك حدث هذا التعثر والرفض.. فإذا كان هذا قد وقع في (مجلس الحكماء)، فكيف سيكون الحال في مجلس النواب المنتخب حديثًا والمشحون بضغوط الشارع؟”. هذه الواقعة يعتبرها السادات “بروفة” مبكرة لما قد يواجهه البرلمان القادم من صدامات ومواقف سياسية كثيرة قد تخرج عن السيطرة.

مجلس النواب المصري
مجلس النواب المصري

“تكتل معارض” وأجندة ملغومة

بالنظر إلى ما بعد الجلسة الافتتاحية وأداء اليمين الدستورية، يرسم السادات سيناريو “الأشهر الستة الأولى” بوصفها الفترة الأصعب والأكثر سخونة؛ إذ يتوقع أن تشهد “حالة من التجاذبات السياسية الكبيرة”.

المحرك الرئيسي لهذه الحالة هو الحراك النشط لمحاولات تشكيل “تكتل معارض” جديد تحت القبة، يجمع شتات القوى الحزبية مع النواب المستقلين من أصحاب “الصوت الحر”.

ورغم أن السادات يقيّم هذا الطموح بواقعية، واصفًا إياه بأنه “أمر صعب التحقيق في الوقت الراهن” نظرًا لتباين الخلفيات، إلا أنه يؤكد أن الفكرة “ستظل قائمة كمحاولة” مستمرة قد تربك حسابات الأغلبية.

ويرى رئيس حزب الإصلاح والتنمية أن المجلس سيحتاج إلى وقت ليس بالقصير حتى يتم “ضبط إيقاع العمل البرلماني” بشكل يسمح بالتعامل السلس مع “تسونامي” التشريعات المنتظر.

فالأجندة التشريعية القادمة ستكون مزدحمة بملفات ثقيلة لا تحتمل التأجيل، تتصدرها قوانين ذات أولوية قصوى وحساسية شعبية، وفي مقدمتها: “قانون الإيجار القديم” المثير للجدل، و”قانون الأحوال الشخصية” الذي يمس كل بيت مصري، و”قانون المحليات” المؤجل منذ سنوات، بالإضافة إلى استحقاقات حقوقية ودستورية مثل “قانون حرية تداول المعلومات” و”قانون مفوضية عدم التمييز”.

ولا يتوقف “عبء العمل” عند حدود التشريع؛ إذ يشير السادات إلى أن النواب سيجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع القضايا اليومية الطارئة التي تتطلب تدخلاً فوريًا، مثل تكرار “حوادث الطرق”، وأزمات “الزراعة”، والملفات الاقتصادية الضاغطة وعلى رأسها “الدين العام” وبرامج “الحماية الاجتماعية”.

هذا الضغط الشعبي سيدفع النواب – خاصة المعارضة والمستقلين – لاستخدام أدوات رقابية خشنة، تشمل “البيانات العاجلة”، و”طلبات الإحاطة”، وربما التصعيد إلى “الاستجوابات”، سعيًا لإرضاء الرأي العام وتلبية تطلعاته، وهو ما يبشر بـ”حالة من الصخب والمناوشات السياسية” والصدامات المتكررة.

وإذا كان الداخل مشتعلًا، فإن الخارج لا يقل خطورة؛ حيث يلفت السادات النظر إلى أن البرلمان الجديد سيكون مطالبًا بالاشتباك مع مشهد إقليمي ودولي يصفه بأنه “شديد التعقيد والارتباك”.

وتتضمن خريطة التحديات الخارجية ملفات وجودية، على رأسها ملف “سد النهضة الإثيوبي”، والتوترات المتصاعدة في “البحر الأحمر”، وملف إقليم “أرض الصومال” (صومالاند)، إلى جانب اشتعال الجبهات في “غزة وإسرائيل”.

كما يمتد الاشتباك ليشمل التوجهات الإقليمية في ملفات استراتيجية تتعلق بالعلاقات مع “الإمارات”، والوضع في “ليبيا” و”السودان”، وصولًا إلى التطورات المرتبطة بـ”إيران” وانعكاساتها المباشرة على أمن المنطقة والخليج العربي.

مجلس النواب المصري
مجلس النواب المصري

“روشتة” السادات للإصلاح

وفي خطوة استباقية لترتيب الأوراق الداخلية استعدادًا لهذا المشهد المعقد، عقد السادات اجتماعًا موسعًا مع ممثلي وقيادات “حزب الإصلاح والتنمية” في مجلسي الشيوخ والنواب، يوم أمس السبت 10 يناير.

اللقاء كان أشبه ما يكون بـ”جلسة عمل استراتيجية” تطرق فيها إلى كل الملفات الشائكة المتعلقة بأداء البرلمان في المرحلة المقبلة. وحرص السادات خلال الاجتماع على وضع نواب الحزب أمام مسؤولياتهم، مناقشًا معهم تفاصيل “الخريطة الإقليمية المعقدة”، بهدف توعيتهم بحجم التحديات والأخطار المحيطة بالدولة المصرية، وضرورة أن يكون أداؤهم على قدر هذه اللحظة الفارقة.

والهدف الأسمى لهذا التحرك – كما يطرحه السادات – هو محاولة “ترميم الصورة الذهنية السلبية” المترسخة لدى الرأي العام عن المؤسسة التشريعية، وهي الصورة التي يرى أنها انعكست بوضوح في “ضعف نسب المشاركة الانتخابية” التي لم ترقَ للمستوى المأمول.

ويعرب السادات عن أمله في أن ينجح البرلمان الجديد في تغيير هذه القناعات الشعبية عبر أداء جاد ومختلف.

السادات مع نواب حزب الاصلاح والتنمية في اجتماع خاص بالاجندة البرلمانية - فيس بوك
السادات مع نواب حزب الاصلاح والتنمية في اجتماع خاص بالاجندة البرلمانية – فيسبوك

ولتحقيق هذا التغيير، يضع السادات “خارطة طريق” تشريعية، مؤكدًا في حديثه لـ فَكّر تاني، أن الأولوية القصوى خلال المرحلة المقبلة يجب أن تكون لـ”إعادة تنظيم العملية السياسية برمتها”. وهو يعدد ركائز هذا التنظيم في حزمة قوانين مفصلية تشمل: تعديل “قوانين الانتخابات”، ومراجعة قانون “مباشرة الحقوق السياسية”، وإصلاح “قوانين الأحزاب” وآليات عمل “لجنة شؤون الأحزاب”، وصولًا إلى ملف “الهيئة الوطنية للانتخابات”.

ويرى أن التعامل مع هذه الملفات الحساسة يتطلب قدرًا عاليًا من “العقلانية والذكاء السياسي”، لأنها المدخل الوحيد لاستعادة ثقة المواطن في وقت حساس تحتاج فيه الدولة إلى “قوة السلطة التشريعية”.

وفي القلب من هذه الإصلاحات، يشدد رئيس حزب الإصلاح والتنمية على مطلب يعتبره جوهريًا وغير قابل للتفاوض، وهو “إعادة بث جلسات البرلمان على الهواء مباشرة”.

ويؤكد السادات أن هذا المطلب الذي سبق وتقدم به ويتمسك به اليوم، هو “أداة المصارحة” الأهم مع الشعب؛ فالشفافية في نقل الجلسات لا يجب أن تكون محل تخوف أو قلق من السلطة، بل على العكس، هي الوسيلة الأساسية والوحيدة لاستعادة ثقة الناس في أداء نوابهم، وإشعارهم بأن صوتهم مسموع ومؤثر.

ويُغلّب السادات “الواقعية السياسية” على الخلافات، متمنيًا نجاح التجربة البرلمانية الحالية، بصرف النظر عن تحفظاته العميقة واختلافاته الجوهرية حول “النظام الانتخابي” وآلية “القائمة المطلقة” وما شابها من عيوب هيكلية، لأن “مصر لا تحتمل غياب سلطة تشريعية فاعلة” في هذا التوقيت، مشددًا على أن وجود أصوات مستقلة تعبر عن الشارع بصدق هو “ضرورة أمن قومي”، ومُعربًا عن أمله الأخير في أن يكون هذا البرلمان “مُعبّرًا بحق” عن الناس، وقادرًا على مواجهة القضايا الملحة والعاجلة التي تمر بها البلاد.

التعليقات

موضوعات ذات صلة