"دمج على ورق".. كيف تبيع المدارس وهم التعليم لأسر ذوي الإعاقات؟

ستون جسدًا صغيرًا تتدافع في حيز ضيق، صراخ وهمهات وحركات عشوائية تتداخل مع أصوات صرير المقاعد الخشبية المتهالكة، ورائحة الأنفاس المتلاحقة والرطوبة تملأ الهواء القليل المتاح.

لم يكن مثل الفصل الدراسي العادي، "كان زي علبة السردين" بحسب تعبير إيهاب ميخائيل - 55 سنة - لـ فَكّر تاني.

قرر إيهاب نقل ابنه من مدرسة نجع حمادي الابتدائية بمحافظة قنا، قبل أن يحضر فيها فصلًا واحدًا على الأقل.

"وقفت على باب الفصل لقيت العيال كتير ومفيش مدرس معاهم، عمالين يصرخوا ويزعقوا وبيتخانقوا مع بعض، ده وضع مخيف في العادي، ارساني ابني عنده توحد مش هيعرف يعيش وسطيهم، خدته في إيدي تاني ومشيت".

في اليوم الدراسي الثاني، رفض إيهاب أن يرسل ابنه "أرساني" الذي تم تشخيصه بأن لديه سمات توحد متوسطة، إلى المدرسة التي ساقتهم إليها نتائج اختبارات الذكاء كـ "مسار إجباري" للدمج، دون مراعاة لحالته.

"لقيت الوضع الحكومي مينفعش، قررت اوديه مدرسة خاصة".

بدأت رحلة البحث الشاقة، يقول إيهاب: "سألت فين أقرب مدرسة تقبل دمج، قالولي الغردقة، اضطرينا ننقل حياتنا كلها ونروح الغردقة، شغلي وشغل مراتي ومدارس عيالنا وكل حاجة؛ المدينة اللي عايشين فيها مفيهاش مدارس خاصة بتقبل دمج".

هروب اضطراري لا رفاهية

هذا المشهد المتكرر، تضع الدكتورة ياسمين مطر، مستشارة المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، يدها على جُرحه، مفسرةً سر "الهروب الاضطراري" للأسر نحو المدارس الخاصة رغم تكاليفها الباهظة.

الدكتورة ياسمين مطر

تؤكد لـ فَكّر تاني، أن الأمر ليس رفاهية، بقدر ما هو فرار من الإهمال الحكومي، بحسب تعبيرها، حيث تغيب الكوادر المتخصصة، وتنعدم الرقابة، وتطبق آليات الدمج بشكل مشوه: "المناهج مش متاحة، وكل واحد مش في مكانه الصحيح".

تنتقد "ياسمين" جوهر العملية التعليمية الحالية، وتعتبرها "فخًا" لبعض فئات الإعاقة الذهنية التي تحتاج مسارًا مهنيًا وليس أكاديميًا: "بيكونوا محتاجين طرق مبسطة وصور توضيحية، محتاجين تعليم مهني يفيدهم في حياتهم بدل التعليم الأكاديمي اللي بيخليهم في الآخر مبيعرفوش حتى يكتبوا اسماهيم.. الطرق التقليدية لبعض الحالات بتكون استنزاف مادي ع الفاضي".

وتحذر مستشارة "القومي للإعاقة"، ممن تسميهم "الدخلاء" على المهنة: "دلوقتي أي حد معاه مؤهل عالي - حقوق أو تجارة - بيشتغل مع الأطفال وهو مش متخصص! هيتعامل إزاي مع الحالات دي؟ الجهل هنا تمنه غالي أوي، لأنه بيضيع عمر الطفل". بينما تشير إلى أن المدارس الخاصة تستقبل أطفالًا في أماكن غير مؤهلة لهم، لتمارس عليهم دمجًا صوريًا: "بيتعاملوا معاهم إنهم مدمجين شكلًا بس، والمدرسة بتغسل إيديها من أي مسؤولية تعليم، وفي المقابل بيحصلوا مبالغ خرافية".

فواتير تلتهم الميزانية

المدرسة التي عثر عليها إيهاب في الغردقة كلفته 22 ألف جنيه للسنة الأولى، كان ذلك قبل 10 سنوات تقريبًا، إلى جانب تكاليف الانتقال التي تحملها في بداية دخول ابنه "أرساني" المدرسة.

"حاولت أوفر تمن الباص أبو 4 آلاف جنيه، وكنت بوصله في الأول، لكن لقيت مينفعش آخد وسيلة نقل عادية، الزحمة والصوت العالي حاجات ميتحملهاش أرساني".

الضجيج المستمر واحتكاك الركاب يثيرا نوبات "الاندفاعية الشديدة" التي يعاني منها الأشخاص المصابون بالتوحد، ما يضع ارساني في خطر التعرض للنظرات الفضولية والجارحة والتي تصل أحيانًا للتنمر.

"اضطريت على التاكسيات والعربيات الخاصة".

الآن يدفع إيهاب 50 ألف جنيهٍ، لابنه، الذي يدرس بالصف الثالث الإعدادي.

"التضحية جت على حساب إخواته، بنتي لما نجحت وجابت 90% في الثانوية، كان نفسها تدخل صيدلة مقدرتش أدخلها خاص، وابني التاني كان عاوز تجارة خارجية خاص، اضطريت أدخلهم كليات تانية، لأن المبلغ موفره لأخوهم".

راتب إيهاب بالكاد يكفي، يعمل هو وزوجته "ريهام" - اسم مستعار - بمديرية المساحة في البحر الأحمر. هي كاتبة وهو مسؤول لشؤون العاملين.

"احنا الاتنين موظفين حكومة، لكن معندناش اختيار تاني، لازم يتعلم هو كمان".

يتشارك إيهاب وزوجته ريهام، رعاية ابنهما ارساني: "مرتبها على مرتبي للبيت" لكنها بحسب تعبيره، تبذل المجهود الأكبر، فبجانب عملها ككاتبة في مديرية المساحة، من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا، تضطر أيضًا إلى اتباع نظام معين في المنزل يناسب أرساني.

"ده طبعًا غير مجهودها في رفع معنوياته طول الوقت، يعني أرساني معدل نومه قليل، وهي بتفضل سهرانة جنبه مهما كانت مشغولة أو نعسانة".

وإلى جانب ذلك، تطهو له نظامًا غذائيًا خاصًا.
"يعني طفل التوحد عنده انتقائية في الأكل، الأطفال كلهم ياكلوا الشوكولاتات، لكن ارساني لأ، ولا بياكل الجبنة، وبتضطر تعمله أكل مخصوص ليه وده أصلًا عبء كبير على البيت كله".

فاتورة الظل و"الشادو"

هذا الوضع تصفه الدكتورة ياسمين مطر بـ "النزيف المستمر" الذي تعيشه الأسر. تقول: "بتفضل الأم تدفع طول الوقت، وبتبقى عايزة تشتري رضا المكان عشان محدش يضايق طفلها".

ولا يتوقف النزيف عند المصروفات المدرسية، بل يتفاقم مع ما تسميه "فاتورة الظل"، إذ تضطر الأسرة لتعيين مرافق "شادو" داخل المدرسة وخارجها، والاستعانة بمعلمة الفصل في دروس خصوصية لضمان النجاح: "ناهيك عن تحويل جلسات التخاطب وتعديل السلوك داخل المدرسة إلى وسيلة للتربح".

هذا ما تعيشه بالفعل الزميلة الصحفية آية ياسر، التي دفعتها نتيجة اختبار الذكاء قبل ثلاث سنوات، إلى اللجوء للمراكز التعليمية التي تُطبق منهج الـ "مونتيسوري"، لتُلحق بها طفلها الذي كان يبلغ 8 سنوات، بعدما فقدت أي أمل في إلحاقه بأحد أقسام الدمج في المدارس، وهو أكثر ما تخشاه الآن.

تؤكد آية لـ فَكّر تاني: "القرار حرمنا من الدمج وكمان مُعرضين إنه يتصنف حالة تسرب من التعليم".

تدفع آية، 4 آلاف جنيهٍ إضافية كل شهر، فقط، ليحصل ابنها على جلسات التخاطب وتنمية المهارات وتعديل السلوك، الخدمات التي يجب توافرها وفق قانون الدمج.

"أنا بصرف دم قلبي علشانه كل شهر، علشان الإمكانات في المدارس الحكومية مش متناسبة مع قدرات الأطفال، مفيش إشراف، ولا مدرسين مؤهلين للتعامل مع الأطفال واحتياجاتهم المختلفة، ولا عندهم قدرة للتعامل مع الحالات الخاصة، فاضطريت أدور على المراكز الخاصة".

تبدأ المصروفات في المراكز التأهيلية الخاصة، من 3 آلاف وقد تصل إلى 20 ألف جنيهٍ شهريًا، حسب عدد ساعات إقامة الطفل، ويزيد هذا المبلغ سنويًا بنسبة تصل إلى 25%.
وتعتبر آية هذا "الاستنزاف المادي" نتيجة مباشرة لفشل المنظومة التعليمية المجانية، والتي، بحسب تعبيرها: "بيئة مش مناسبة لطفل مش مؤهل لرعاية نفسه، ومفيش عدد كافي من الإشراف هناك، زي ما موجود في مراكز الرعاية النهارية".

بيع "جواب السيارة" للعلاج

على الجانب الآخر، من لا يستطيع دفع هذه الفواتير الباهظة، يواجه مصيرًا أقسى.

تؤكد سامية جمال - 42 سنة -، والدة "منة"، الطالبة في الصف الثالث الثانوي، من ذوي متلازمة داون، وتدرس بإحدى مدارس الدمج في حي عين شمس بالقاهرة، في حديثها مع فَكّر تاني: "مفيش اهتمام خالص، ومفيش مناهج تعليمية تناسب قدرات الطلاب، وأنا مش عارفة أوصلها أي معلومات، وفي الآخر لقيت نفسي بشغلها برامج واقولها احفظي!! اضطريت اجيبلها مدرسين في البيت".

تتحمل سامية وأسرتها 2000 جنيهٍ إضافيًا كل شهر "بند مدرسين في البيت" بالإضافة إلى جلسات التخاطب وتنمية المهارات التي تكلفها 1000 إضافية تُدفع لدروس مؤمن أخو منة الأصغر.

كل هذا في حين أن معاش الأب المتقاعد بالكاد يكفي.

"معاش جوزي 4500 جنيه بس، واضطر يشتغل سواق بيطلع رحلات مدتها قصيرة للجيران والقرايب، وانا مبشتغلش خالص وكنت باخد معاش تكافل وكرامة بس وقف". وتوضح أن قرار الوقف جاء بعدما قاموا ببيع جواب استحقاق سيارة خاصة لذوي الإعاقات: "كنا محتاجين فلوس عشان نعملها عملية في ضهرها".

أما "ليلى" - اسم مستعار -، فلم يكن أمامها خيارات متعددة لابنها "رحيم" (توحد وكهرباء زائدة بالمخ)، وتظل المراكز التأهيلية الخاصة بالنسبة لهذه الأسرة رفاهية لا يستطيعون توفيرها. فالأب نجار باليومية والأم لا تعمل، وغير رحيم، هناك 3 أطفال آخرون، غير أن حالته الصحية تستدعي شراء 4 أنواع من الأدوية شهريًا، تُكلف تقريبًا ما يوازي دخلهم.

تقول ليلى: "المدرسة الخاصة مستحيلة، دانا كنت بوديه مركز لجلسات العلاج الطبيعي لوحدها في الشهر كانت بـ 1200 جنيه، وحتى دي بقت صعبة مبقيتش قادرة أدفع، معايا 3 غيره".

وكذلك الحال مع "عفاف" - اسم مستعار - والدة "سيف" (16 عامًا - متلازمة داون)، التي حاولت من قبل أن تدخله أحد المراكز الخاصة لكن غلاء الأسعار أعجزها عن التقديم.

وهم التعليم والأمية المقنعة

في ظل هذا النزيف المادي، يبقى السؤال الأهم: هل يتلقى هؤلاء الأطفال تعليمًا حقيقيًا؟

الإجابة تأتي صادمة على لسان "عفاف" - اسم مستعار - والدة "سيف" (16 عامًا) وهو من ذوي متلازمة داون.

تؤكد الأم أن المدرسة في كفر الدوار بمحافظة البحيرة، تفتقر إلى وجود تعليم من الأساس، وتلخص المشهد بعبارة مقتضبة: "ابني بيروح ينام".

لا يقتصر الإهمال على غياب التعليم فقط، إنما يمتد إلى غياب رعاية الأطفال ممن يعانون من صعوبة العناية بالنفس. تؤكد عفاف، أنها تقضي اليوم الدراسي مع ابنها: "لأن مفيش دادة في المدرسة، بنروح معاهم نفطرهم وندخلهم الحمام!!".

نفس المعاناة تتكرر مع "ليلى" في دمياط، التي ألحقت ابنها "رحيم" بمدرسة التربية الفكرية، لكن إدارة المدرسة واجهتها بقرار صادم.

"أصلًا قالولي هاتوه يومين بس في الأسبوع عشان مبيعرفوش يسيطروا عليه، لكن باقي الأطفال بتحضر كل يوم". والنتيجة كما تصفها الأم: "حالته بتتراجع ومبيتعلمش حاجة، غير كمان إنه مبينطقش".

أما "منة" (طالبة الثانوي في عين شمس)، فالوضع لا يختلف كثيرًا، إذ تقول والدتها "سامية": "لسة يدوب بدأت تقرأ من 3 سنين".

تحلم منة بالالتحاق بالجامعة، لكن والدتها تخاف عليها من التنمر ومن المستقبل المجهول.

"هي نفسها تدخل الجامعة بس مش عارفة هل مصيرها زي الثانوي والإعدادي يعني هتستجيب؟ هل هيكون في مساعدات ولا لأ؟ خاصة إني لسه بساعدها لو حبت تروح الحمام".

تتساءل سامية بمرارة: "ليه مفيش مدرسين مؤهلين للتعامل مع حالات زي بنتي؟ ليه متهمشين بالطريقة دي؟! ولما بعبر عن مخاوفي بيقولولي (متقلقيش هتنجح).. أنا مش عايزاها تنجح أنا عايزاها تتعلم، هي نفسها تدخل الجامعة وأنا عايزاها تاخد حقها الطبيعي".

شهادات التخرج.. إلى الأمية

هذا التعليم الصوري يُنتج في النهاية جيلًا يحمل شهادات لكنه "أمي" تمامًا. هذا ما عايشته "أم محمد" من المنصورة.

تقول لـ فَكّر تاني: "ابني عنده إعاقة ذهنية، عنده دلوقتي 28 سنة وخلص مدرسة من وهو عنده 16 سنة، لا قراية ولا كتابة ولا أي حاجة، زي ما دخل زي ما خرج!!.. ساعات بيجيب الكراريس يقعد يشخبط فيها، كان نفسه يتعلم".

وتؤكد "عزة" - اسم مستعار - نفس المأساة، فابنها "محمد" (17 سنة)، كان يذهب إلى إحدى المدارس في المرحلة الابتدائية بحي الأميرية في القاهرة، لكنه لم يتعلم أي شيء.

"جنب المدرسة، كنت بوديه درس خصوصي علشان حتى يعرف يقرا ويكتب، ويتعلم اسم الشارع بتاع بيتنا، لكنه لغاية دلوقتي مبيعرفش يكتب".

هنا يبرز شبح "التسرب من التعليم". فترك الشخص مساره التعليمي ولم يصل إلى نهاية المرحلة الثانوية - أو ما يعادلها - يُعد "خارجًا عن مسار التعليم".

وتشمل هذه الفئة من تسربوا في سنوات الابتدائي، أو أنهوا المرحلة الابتدائية وتوقفوا، وكذلك من تركوا الدراسة في الإعدادي أو أكملوها دون استكمال الثانوي، إضافة إلى من انسحبوا من المرحلة الثانوية قبل إتمامها، وذلك وفق تقرير "التسرب من التعليم.. الأسباب والتداعيات وسبل المواجهة" الذي نُشر في "دراية" (المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية) في ديسمبر 2022.

وتعد الأوضاع الاقتصادية وعلى رأسها مستوى ثروة الأسرة السبب الأبرز لعدم التحاق الأطفال ذوي الإعاقة بالتعليم، أو التسرب منه، يليها مستوى تعليم رب الأسرة، وتدني جودة التعليم تأتي ضمن أسباب التسرب، بحسب دراسة بعنوان "عدم المساواة في فرص التعليم قبل الجامعي المرتبطة بالإعاقة في مصر"، المنشورة في المجلة المصرية للسكان وتنظيم الأسرة، عام 2024، التي تؤكد أن الأطفال من ذوي الإعاقات الذهنية هم أكثر الفئات التي تعاني من غياب التكافؤ في فرص التعليم.

وتشير الإحصائيات إلى واقع مخيف؛ إذ بلغت نسبة الأمية لدى ذوي الإعاقة الذهنية 59.4% وفق بيانات المسح القومي للأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2022 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وتبين أن الفقر هو السبب الرئيسي في انتشار الأمية. ويُقدر أعدادهم في مصر بحوالي 12 مليون شخصٍ، منها 2.3% نسبة الإعاقات الذهنية من يعانون من صعوبة العناية بالنفس وصعوبات التعلم.

يُقصد بـ"الخروج عن مسار التعليم" ترك الدراسة قبل إتمام المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، ويشمل ذلك من تسربوا في الابتدائي أو الإعدادي، أو توقفوا بعد الابتدائي، أو انسحبوا من الثانوية قبل إكمالها، وفق تقرير "التسرب من التعليم.. الأسباب والتداعيات وسبل المواجهة" الصادر عن منتدى "دراية" في ديسمبر 2022.

خلل في "فلسفة الدمج"

يفسر الدكتور كمال مغيث، خبير المركز القومي للبحوث التربوية، هذا الفشل، مؤكدًا لـ فَكّر تاني، أن المدارس - في كل الأحوال - غير مستعدة لاستقبال الطلاب، فليس هناك آليات واضحة تضمن الدمج وعدم التعرض للتنمر، فيتم إقصاؤهم وتضطر الأسر لإلحاقهم بمدارس التربية الفكرية أو مراكز خاصة والتي تتطلب مصروفات باهظة.

الدكتور كمال مغيث
الدكتور كمال مغيث

ويقارن "مغيث" الوضع بالخارج قائلًا: "كتير من الدول الأوروبية عملت دراسات عن أصحاب الإعاقات الذهنية وعرفت إن مهما كانت إعاقة الإنسان بيبقى عنده إمكانية إنه يستجيب لأمر أو أمرين، فنقدر نستثمر في الإمكانية اللي عنده".

ويضيف أن مصر من أكثر الدول تراجعًا في دراسة الإعاقات الذهنية، مشيرًا إلى أن سياسة تطبيق قانون الدمج غير فعالة: "اتعمل لأن الهيئات الدولية دعت لتطبيقه، لكن من خلال متابعتي للمدارس والأصدقاء المُعلمين مفيش اهتمام حقيقي".

ويرى الكاتب الصحفي رفعت فياض، مدير تحرير جريدة "أخبار اليوم" المتخصص في شؤون التعليم، أن إشكالية نظام التعليم الدامج تكمن في دمج جميع الأطفال معًا: "ظالم على كل المستويات، سواء بالنسبة للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، أو الأطفال الآخرين، مستوى الشرح وكل التفاصيل بتختلف والأطفال عمومًا هم اللي بيتظلموا".

ويضيف فياض لـ فَكّر تاني، أنه لا يُحبذ فكرة الدمج داخل الفصل الواحد: "ممكن الوزارة توفر فصولًا خاصة بالطلاب ذوي الإعاقات وضروري مراعاة اختلافاتهم سواء في توفير متخصصين للتعامل معاهم، أو في المقررات والمناهج".

ويوضح: "مدارس التربية الفكرية بتعتمد على أن الطفل يعيش حياته التعليمية من خلال استخدام وسائل مختلفة، زي التركيز على الجانب العملي والتطبيق الجسماني، يشتغلوا بإيديهم ويشتركوا مع غيرهم بحيث يتعلموا فعلًا، الدمج من غير خطة ومتخصصين مش مضمون نتايجه".

صدّق الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الأسبق، على القرار رقم 252 لسنة 2017، استكمالًا للقرار الوزاري رقم 42 لسنة 2015. والذي يشترط للقبول في فصول الدمج الحصول على  درجات ذكاء لا تقل عن 65، ولا تزيد عن 84 باستخدام مقياس الذكاء ستانفورد بينيه، وتتضمن الإعاقة الذهنية جميع المتلازمات التي تندرج تحت الإعاقة الذهنية البسيطة. 

الوعود الحكومية "الوردية".. وأرض الواقع

في مقابل هذا الواقع المؤلم، ترسم التصريحات الرسمية صورة مغايرة تمامًا. فوفقًا لرؤية "مصر 2030"، وفي إطار حملات التوعية التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم الفني بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني، في بيان عبر الموقع الرسمي منتصف نوفمبر 2024، فإن الامتيازات والخدمات التعليمية المقدمة لدمج الطلاب ذوي الإعاقات بالتعليم العام والفني والخاص، تغطي حاليًا نحو 159 ألفًا و825 طالبًا وطالبة.

يؤكد البيان أن الوزارة تكفل لولي الأمر حرية الاختيار الكاملة بين إلحاق ابنه بمدارس التربية الخاصة -التي تخدم الإعاقات المتوسطة والشديدة- أو بنظام الدمج في المدارس النظامية المخصص لذوي الإعاقات البسيطة مثل: بطء التعلم، وطيف التوحد، ومتلازمة داون، والإعاقات الحركية والحسية، وذلك عبر باب تقديم يُفتح سنويًا من 1 يونيو وحتى 30 نوفمبر.

ولا تقتصر هذه الخدمات - نظريًا - على الجانب الأكاديمي داخل الفصول فحسب، بل تمتد لتشمل خدمات تأهيلية متخصصة في مراكز مثل "ريادة" و"التكامل الحسي" بالقاهرة وسيناء، إلى جانب دمج الطلاب في كافة الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، لضمان بيئة تعليمية شاملة تحقق مبدأ المساواة وتكسر حاجز العزلة.

في تصريح لـ عمرو محمد علي، رئيس لجنة الدمج التعليمي بوزارة التربية والتعليم، في نوفمبر 2024، ضمن حملة "المدرسة مكان لينا كلنا"، تحدث عن خدمات وتيسيرات تتنافى تمامًا مع شكاوى الأسر من غياب الرعاية.

قال: "في عندي تيسيرات أخرى، زي المُرافق القانوني والمُرافق التربوي. المرافق التربوي لحالات معينة، زي الشلل الدماغي والتوحد والعظم الزجاجي، والمرافق القانوني بجيبله حد أصغر منه في السن لحالات صعوبات التعلم المحددة، اللي عنده مشكلة في القراءة أو الكتابة، إنه يكتبله أو يقراله". وأوضح عبر هذا التصريح أن الوزارة توفر غرفًا مخصصة لذوي الإعاقة، بها وسائل تعليمية، واختبارات نفسية، ومجسمات تعليمية لتبسيط الدرس للطالب.

صمت الوزارة.. والقوانين "حبر على ورق"

أمام هذا التناقض، حاولنا في فَكّر تاني، التواصل مع المتحدث الإعلامي لوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، الكاتب الصحفي شادي زلطة، للحصول على تعقيب حول غياب الرقابة في مدارس الدمج والتربية الفكرية، وبالتحديد حول كثافة الفصول وغياب المناهج التعليمية التي تراعي قدراتهم كما جاء في القانون رقم 10 لسنة 2018 (باب الحق في التعليم)، الأمر الذي يدفع بعض الأسر ممن لديهم قدرة مادية لإلحاق أبنائهم بالمدارس الدامجة الخاصة أو مراكز المونتيسوري مما يشكل عبئًا ماديًا، أو يتسبب في تسرب الفقراء من التعليم، لكنه رفض الرد بأي تصريح.

يحدث هذا رغم أن المادة 11 من الباب الثالث في القانون رقم 10 لسنة 2018، تنص على أن تلتزم المؤسسات الحكومية وغير الحكومية بمختلف أنواعها بتطبيق مبدأ المساواة بين الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير فرص تعليمية متكافئة مناسبة لجميع أنواع الإعاقة ودرجاتها.

كما تنص المادة 80 من الدستور المصري على: "تكفل الدولة حقوق الأطفال ذوي الإعاقة وتأهيلهم واندماجهم في المجتمع". وتشدد مفوضية الأمم المتحدة، على المساواة وعدم التمييز وتحقيق التكافؤ في الفرص التعليمية.

إلا أن دراسة بعنوان "عدم المساواة في فرص التعليم قبل الجامعي المرتبطة بالإعاقة في مصر"، المنشورة في "المجلة المصرية للسكان وتنظيم الأسرة" عام 2024، تؤكد أن الأطفال من ذوي الإعاقات الذهنية هم أكثر الفئات التي تعاني من غياب التكافؤ. وباستخدام مؤشر الفرص البشرية وُجد أن العينة التي أجريت الدراسة عليها (21-29 سنة)، أقل تمتعًا بالمساواة في الحصول على فرص إتمام التعليم بنسبة تقارب 17 درجة.

وتوضح الدراسة أن تأثير غياب المساواة سينتج فوارق وتراجعًا حادًا عن التعليم، ما يؤثر سلبًا على جميع جوانب حياتهم (الصحي، الثقافي، الاجتماعي)، ويقلل فرص حصولهم على عمل ودخل مادي، مما يجعلهم عبئًا على ذويهم وعلى المجتمع.

كما تفيد دراسة أخرى بعنوان "تفعيل المشاركة المجتمعية في مدارس التربية الفكرية في مصر"، نُشرت عن "مجلة بحوث: العلوم التربوية" في مارس 2021، أن تلك المدارس تفتقر إلى وسائل مساعدة للعملية التعليمية، وتعاني ضعفًا في الأنشطة الطلابية، وقصورًا عامًا في الخدمات التعليمية والصحية والتأهيلية، وأيضًا غياب دور المسؤولين في مساندة الأسر.

مبادرات "واتساب" والحلول الممكنة

في ظل هذا العجز الرسمي، لجأت رانيا الهواري، الباحثة والمتخصصة في "طيف التوحد"، إلى الحلول البديلة. عبر مجموعات "واتساب"، أقامت مبادرة لدعم أسر الأطفال المصابين بالتوحد، حيث تنشر ما درسته حول المرض، وترسل لهم فيديوهات إرشادية ورسائل صوتية لمساعدتهم.

رانيا الهواري
رانيا الهواري

توسعت مبادرة "رانيا" لتجمع آلاف الأسر ممن يعانون من الإهمال أو الغلاء. تقول لـ فَكّر تاني: "احنا لسه موصلناش للمرحلة اللي مفروض نعتمد فيها على المدرسة، لأن التوحد مالوش مقياس، ممكن يكون شديد أو ضعيف".

وتضيف أن الأسر تحتاج إلى خدمات مجانية لتخفيف العبء المادي، وتوضح: "الطفل بيحتاج (شادو) ملازم له، شخص يكون فاهم حالته وبيعرف يتعامل معاه، وده بيكون مُكلف، وفي أسر بيقولوا هنقعده في البيت مش هنقدر نوفر شادو في المدرسة، خاصة إن بيكون غير تكلفة العلاج والجلسات". وتؤكد: "أنا بقدم الدعم ده بدون أي تكلفة مادية، بحاول أقدم خدمات لتأهيل الطفل في البيت، لحد ما نوصل لتحسن". وقد قوبل دعمها بإيجابية شديدة، وإقبال عدد كبير من الدول في الخارج للاستفادة من خبراتها.

ومن جانبها، ترى الدكتورة ياسمين مطر، أن الحل يبدأ بتدريب العاملين بمدارس التربية الفكرية، وثانيًا تقييم المناهج وتقديم برامج مناسبة: "ميبقاش دورها تعليمي فقط.. المفروض يكون في ترفيه وتأهيل مهني ليشمل تعليم حرفة، لتعيينهم بعد ذلك ضمن الـ 5%، واستخدام ملاعب التربية الفكرية في أنشطة ترفيهية". ويشير المسح القومي للأشخاص ذوي الإعاقة (2022) إلى أنه بنسبة 80% يلزم تأهيل المدرسين للتعامل مع ذوي الصعوبة.

أما النائبة البرلمانية نجلاء العسيلي، فتؤكد غياب الرقابة، مستشهدة بواقعة في محافظة أسيوط: "حصل مشكلة في المدرسة وملقتش تعاون من وكيل الوزارة ولا اهتمام!!". وترى أن ذوي الإعاقات الذهنية في حاجة إلى رؤى مختلفة ومتعددة. وبسؤالها عن تقديم أي مقترحات أو مشروعات برلمانية، اعترفت بوضوح: "لا مفيش أي سعي لأي حاجة، لو نفذنا نظام الدمج كويس هيبقى كويس".

البحث عن "مقعد آدمي"

لا يطلب هؤلاء معجزة، بل يبحثون عن مقعد آدمي وتعليم حقيقي لا يكتفي بمنح شهادات نجاح صورية لأطفال يخرجون من المدارس كما دخلوها بلا تعليم حقيقي. إن استمرار الفجوة الهائلة بين القرارات الوزارية والواقع داخل فصول الدمج والتربية الفكرية، تنذر بخلق جيل كامل من المهمشين داخل وطنهم.

الحل لن يكون في مزيد من التصريحات، بل في رقابة صارمة، ومناهج تحترم الاختلاف، حتى لا يصبح "الدمج" مجرد حبر على ورق ولافتة براقة تعلقها المدارس على الأبواب، بينما الحقيقة من الداخل هي فراغ يلتهم أعمار الأطفال وأموال ذويهم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة