لا يبدو رحيل داود عبد السيد حدثًا يصلح للرثاء التقليدي، ولا مناسبة لإغلاق تجربة أو إعلان اكتمالها. فعالم داوود عبد السيد السينمائي لم يُصمم يومًا ليُختتم، ولا عالمًا كان معنيًا بأن يقول كلمته الأخيرة. على العكس، كل ما في أفلامه يوحي بأن الاكتمال فكرة ملتبسة، وربما مضللة، وأن الطمأنينة ليست هدفًا مشروعًا للفن، وأن الشك -لا اليقين- هو الموقف الأخلاقي الأكثر صدقًا في مواجهة العالم.
منذ بداياته، تعامل داود عبد السيد مع السينما بوصفها طريقة تفكير قبل أن تكون وسيلة حكي. أفلامه لا تُشاهَد بقدر ما تُختبر، ولا تُستهلك بقدر ما تُعاد زيارتها. هناك إحساس دائم بأن ما نراه ليس سوى طبقة أولى من المعنى، وأن تحتها طبقات أخرى لا تنكشف إلا بالصبر، وبالاستعداد لتحمل القلق، وبالقبول بأن بعض الأسئلة لا تُجاب.
لم يكن مخرجًا غزير الإنتاج، لكن القلة هنا ليست نقصًا، بل دلالة. كل فيلم في مسيرته يبدو وكأنه نتيجة اشتباك طويل مع سؤال لم يُحسم، ومحاولة جديدة للاقتراب منه دون ادّعاء امتلاكه. من الصعاليك 1985، مرورًا بـالبحث عن سيد مرزوق 1990، والكيت كات 1991، وأرض الأحلام 1993، وسارق الفرح 1995، وأرض الخوف 2000، ومواطن ومخبر وحرامي 2001، ورسائل البحر 2010، وصولًا إلى قدرات غير عادية 2015، تتشكل تجربة متماسكة، لا بتكرار الموضوعات، بل بإصرار الأسئلة.
في هذه السينما، لا يكون السؤال تمهيدًا للإجابة، بل غاية في ذاته. الشخصيات لا تُكافأ بالوصول، بل تُختبر بالرحلة. والمعنى لا يُسلَّم، بل يُراوغ.
العالم قبل الحكاية: الإنسان في مواجهة السلطة
السلطة في سينما داود عبد السيد ليست مجرد جهاز أمني أو مؤسسة سياسية، رغم حضور هذه الأشكال بوضوح. إنها بنية أشمل، تتخفى في صور متعددة، وتعمل غالبًا بلا ضجيج. قد تبدأ كقوة قمعية مباشرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى منظومة معرفة، أو خطاب ديني، أو شبكة مصالح، أو حتى منطق سوق يفرض إيقاعه بهدوء، لكنه لا يقل قسوة.
في البحث عن سيد مرزوق، لا يواجه البطل خصمًا محددًا، بل يدخل متاهة بيروقراطية تتجاوز الأفراد، وتعمل بمنطق غامض لا يُمسك به. المدينة هنا ليست مكانًا، بل نظامًا، والسلطة لا تحتاج إلى عنف صريح كي تسحق الفرد؛ يكفي أن تُربكه، وأن تتركه يدور داخلها بلا نهاية واضحة. المشهد الأخير، حيث يتقاطع عجز المواطن مع حضور الشرطة في آن واحد، يظل من أكثر لحظات السينما المصرية كثافة: لا نعرف من سيُقمع، لكننا نعرف أن القمع قادم.

يتكرر هذا المنطق بأشكال مختلفة. في سارق الفرح، لا تكون السلطة سياسية مباشرة، بل اجتماعية واقتصادية. الفقر ذاته يتحول إلى قوة قاهرة، تحدد ما يجوز وما لا يجوز، وتسمح للفقراء فقط بأن يحلموا داخل حدود ضيقة. ومع ذلك، يصر الأبطال على سرقة لحظات صغيرة من الفرح، كأنهم يقولون إن الحياة لا تُؤجَّل بالكامل.
أما في أرض الخوف، فتبلغ فكرة السلطة ذروتها الفلسفية. هنا لا نواجه فقط سلطة الدولة، بل سلطة المعرفة المطلقة. الضابط الذي يدخل عالم الجريمة بمهمة رسمية، يبدأ وهو مسلح باليقين، وينتهي محمّلًا بالشك. المعرفة لا تنقذه، بل تعزله. وكلما فهم أكثر، ازداد ابتعاده عن إمكانية العودة.
في قدرات غير عادية، يصل هذا السؤال إلى لحظته الأوضح: سلطة تريد أن تعرف كل شيء، وأن تتحكم في كل شيء، وأن تُخضع حتى المعجزة لمنطق “المصلحة العامة”. السلطة هنا لا تكتفي بالقوة، بل تطمح إلى امتلاك الوعي نفسه.
المثقف، السحر، والقدرة على الرفض
وسط هذه الشبكة المعقدة من السلطات، يطرح داود عبد السيد سؤال المثقف بوصفه سؤالًا مفتوحًا، لا إجابة جاهزة. المثقف في سينماه ليس بطلًا نقيًا، ولا شريكًا في الجريمة، بل كائن ملتبس، يعيش على الحافة. يراقب أكثر مما يفعل، ويفهم أكثر مما يحتمل.
يتكرر هذا النموذج بأسماء مختلفة، أبرزها "يوسف" و"يحيى". يوسف في البحث عن سيد مرزوق هو المواطن الذي يستيقظ فجأة على عبثية الواقع، ويُدفع -غالبًا بالصدفة- إلى التمرد. ويحيى في أرض الخوف، ورسائل البحر، وقدرات غير عادية هو الباحث، المتأمل، الذي يريد أن يعرف. لكنه يكتشف أن المعرفة ليست محايدة، وأن السؤال ذاته قد يكون جريمة ناعمة.

في رسائل البحر، يصرخ يحيى في مواجهة البحر، لا طلبًا للإجابة، بل اعترافًا بالعجز. وفي قدرات غير عادية، لا يصرخ، بل يراقب. يتحول من فاعل محتمل إلى شاهد، ليكتشف في النهاية أنه -من دون أن يدري- أصبح جزءًا من لعبة أكبر منه.
في مقابل هذا المأزق، يفتح داود عبد السيد مساحات أخرى للوجود: الطفولة، السحر، اللعب، الصمت. فريدة ليست استثنائية لأنها تمتلك قدرات خارقة، بل لأنها قادرة على الرفض. ترفض أن تُستخدم، أن تتحول إلى وسيط، أن تتخلى عن لعبها. هذا الرفض البسيط يصبح أكثر راديكالية من أي خطاب.
الطفولة هنا ليست براءة رومانسية، بل نموذج لحرية ممكنة. حرية لا تحتاج إلى تبرير، ولا تخضع لمنطق الحساب. والسحر، كما يظهر في السيرك، والموسيقى، والفن، ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أخرى لفضحه.
خارج الشاشة، تبدو سيرة داود عبد السيد منسجمة مع عالمه السينمائي. لم يكن فنانًا يلهث وراء السوق، ولا مخرجًا معزولًا عن زمنه. اختار الاختلاف، وعرف كلفته، وقبل بها. بطء إنتاجه، وقراره بالانسحاب، ووعيه بقوانين اللعبة، كلها كانت جزءًا من موقف يرى أن السينما مغامرة، لا صناعة مطمئنة.

ومع اكتمال هذه الرحلة، لا يبدو أن ما تركه يمكن اختزاله في عدد من الأفلام أو التصنيفات. ما يبقى هو هذا الإحساس بأن السينما يمكن أن تكون تمرينًا على اليقظة، وعلى الشك النبيل، وعلى الانتباه لما نملكه -ربما جميعًا- من قدرات غير عادية، لا تظهر إلا حين نجرؤ على التوقف، والنظر، وطرح السؤال.
في اللقطة الأخيرة من قدرات غير عادية، حين ترتفع الكاميرا فوق البحر، وفوق البيوت، وفوق المدينة، لا تُعلن انتصارًا، ولا تمنح وعدًا. تتركنا مع احتمال مفتوح: أن العالم، رغم قسوته، ما زال يحتمل السحر. وأن السؤال، كما آمن داود عبد السيد، قد يكون أثمن من كل الإجابات.
