في حوار جديد من سلسلة حوارت تجريها فكر تاني تحت عنوان "برلمان مأزوم"، كشف الحقوقي البارز كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، عن رؤيته لأخطر التحديات التي تواجه عمال مصر، في ظل قانون عمل وصفه بالكارثي، وبرلمان مأزوم.
شدد عباس على أن ملف العمال، يواجه تحديات جسيمة تتمثل في غياب التمثيل الحقيقي تحت قبة البرلمان، وقانون عمل لا يحقق التوازن، وأزمة متفاقمة في تطبيق الحد الأدنى للأجور، فضلًا عن إهمال صارخ لمعايير السلامة والصحة المهنية يدفع ثمنه العمال من أرواحهم.
يدق الحقوقي العمالي ناقوس الخطر حول إهمال معايير السلامة المهنية، مؤكدًا وجود حالة من "الانسداد السياسي" تمنع أي إصلاح حقيقي، موجهاً نقداً لوزارة العمل وآداءها بشأن الرقابة والتفتيش.

إلى نص الحوار:
البرلمان تحكمه أغلبية "مصطنعة"
كيف تقيمون تعامل البرلمان في دورتيه (2015 و2020) مع الملف الحقوقي بشكل عام؟
يمكننا قياس أداء البرلمان في الملف الحقوقي أو أي ملف آخر من خلال الواقع الذي نعيشه. والسؤال هنا: هل لدينا مساحة لحرية التعبير؟ هل لدينا مساحة للحق في التنظيم؟ هل هناك انفتاح للأحزاب لممارسة أنشطتها بحرية؟.

الإجابة على هذه الأسئلة توضح مدى انحياز البرلمان لحقوق الإنسان، وبالتأكيد الإجابة ستكون "لا". البرلمانات تحكمها الأغلبية، وهي في الفترة الأخيرة "أغلبية مصطنعة"، حتى وصلنا للبرلمان الحالي الذي تثار حوله تساؤلات مادية تتعلق بالحصول على المقاعد.
التصويت متفق عليه مسبقاً
فيما يخص التعامل مع مجلس النواب على مدار العقد الماضي مع ملف العمال، ما هو تقييمكم للوضع؟
لا يمكنني التعميم على كل النواب، ولكن يجب النظر لانحيازاتهم وانتماءاتهم السياسية. الأغلبية التابعة للأحزاب الموالية، مثل "مستقبل وطن"، انحيازاتها واضحة، وبما أنهم يملكون الأغلبية فهم يفرضون هذا الانحياز.
تميز البرلمان الماضي بضعف وقلة المعارضة داخله، على سبيل المثال، خلال المناقشات التي جرت حول قانون العمل، كان عدد النواب الذين يدافعون عن الحقوق العمالية ويحاولون الوصول لقانون متوازن قليل جداً، ربما لا يتجاوز 12 نائباً. سُمح لهم بالكلام، لكن في النهاية التصويت ذهب في الاتجاه المتفق عليه مسبقاً.
البرلمان الحالي لا يمثل العمال وقانون العمل كارثة. هو مغلق على نفسه ولا يستمع إلا لأصواته الداخلية، لكننا سنستمر في إيصال صوت العمال.
لجنة القوى العاملة في البرلمان "مشكلة"
عقدت دار الخدمات النقابية عدداً من اللقاءات حضرها نواب برلمانيون، ما هي درجة التواصل التي كانت متاحة لكم؟
لا يوجد سبيل حقيقي للتواصل، عندما يناقش البرلمان قانوناً بحجم "قانون العمل" الذي ينظم حياة العامل (الأجر، ساعات العمل، عقود العمل)، يفترض أن يهتم بالتواصل مع كافة الأطراف، وهذا ما سعينا إليه.

لكن المشكلة بدأت من "لجنة القوى العاملة" بالبرلمان، فهذه اللجنة رفضت الاستماع لأي وجهة نظر أخرى واكتفت بالنقاشات الداخلية، وسار الأمر في التسلسل الإجرائي المعتاد.
المنع بدأ من اللجنة، وهذا يختلف عما حدث في برلمان 2015 أثناء مناقشة قانون النقابات حيث استمعوا إلينا، والنائب الوحيد الذي تفاعل معنا في لجنة القوى العاملة ونقل وجهة نظرنا كان المهندس إيهاب منصور (عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي).
القائمة السوداء هى ما يشغل الوزارة
وزارة العمل تعتبر سلطة أعلى من الاتحاد العام، كيف لم يكن لها دور فعال أكبر في محاولة الأخذ بمقترحات النقابات؟
قانون العمل يضم أطرافاً تتصارع أو تتفق مصالحها (عمال، أصحاب أعمال، حكومة). وزارة العمل كانت عينها موجهة بالأساس على "منظمة العمل الدولية" لتجنب وضع مصر على القائمة السوداء، لذا كانت تحاول أن تحابي توجهات المنظمة في القليل من المواد.

لكن في النهاية، القانون الذي سيمر هو الذي سيوافق عليه رجال الأعمال، لأن تمثيلهم وتأثيرهم في البرلمان طاغ، ,انحيازات الوزارة واللجنة كانت واضحة لرجال الأعمال؛ فمثلاً تم رفض تطبيق القانون على "عاملات المنازل" باعتباره موقفاً لرجال الأعمال، وتم تكريس "عقود العمل محددة المدة" كانحياز لهم، أما بالنسبة للأجر فكانت كارثة، حيث تم استبدال العلاوة التي كانت 7% من الأجر الأساسي بـ 3% من أجر الاشتراك التأميني، وهو تخفيض واضح.
أنا ضد أن يأتي وزير العمل من داخل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر (الحكومي)، والنقابيون تربوا على ثقافة "السمع والطاعة"، وأنا أريد وزيرًا متحررًا من أعباء هذه العلاقات.
لا يوجد نية لصياغة المشروع
قدمتم مشاريع قوانين وملاحظات متنوعة، مثل مشروع قانون عمالة المنازل وملاحظات على قانون العمل والتأمينات. كيف تم التعاطي مع هذه المقترحات؟
بالنسبة لعمالة المنازل، هذه أزمة كبيرة. قانون العمل استثنى عاملات المنازل (سواء المصريات أو الأجانب) بدعوى أن المفتش التابع للوزارة لديه ضبطية قضائية ولا يمكنه دخول المنازل لتفتيشها لحرمة البيوت.

وكان رأينا، فلنمنع المفتش من دخول المنزل ونحل المشكلة، لكنهم لم يتجاوبوا.
قمنا بإعداد مبادرة ومشروع قانون خاص بعمالة المنازل، ودخل المشروع للبرلمان وحصل على أكثر من 60 توقيعاً كما هو مطلوب، لكنه "دخل درج البرلمان"، الحكومة ظلت تردد أنها تعد مشروعاً، ولكن هذا مجرد تسويف.
في المناقشات الأخيرة، قرروا أن يكون لعاملات المنازل قانون خاص، وكأنهم يعطونهم ميزة، بينما في الحقيقة هذا استثناء يخرجهم من قانون العمل الشامل.
ـ الانتخابات القادمة ستتم تحت إشراف ورقابة تامة من وزارة العمل، وهو ما يفتح الباب لمخالفات بالجملة.
ملف السلامة الأكثر إيلاماً
كيف تقيمون أداء وزارة العمل فيما يخص حملات التفتيش والرقابة على السلامة والصحة المهنية، خاصة في ظل تكرار الحوادث الصناعية مؤخراً؟
الوزارة تبذل جهداً مشكوراً، ولكن السؤال هو: إلى أي مدى هذا الجهد فعال ومستدام؟ لضمان الفاعلية والاستمرارية، يجب أن تقوم مديريات العمل في المناطق الصناعية بدورها الحقيقي في التفتيش.

التفتيش الحالي ضعيف جداً، أعداد المفتشين لا تكفي في ظل وجود أكثر من 65 ألف منشأة، ويمكن التغلب على هذه المشكلة عن طريق التعيينات، لكن الأهم هو تفعيل الدور وليس مجرد حملات موسمية.
الوزارة تعلن أرقاماً عن ضبط مخالفات، لكن الواقع والحوادث تكشف عن عمل غير منظم وغير مقنن. الحل الأساسي للعمالة غير المنتظمة، بما فيها عمالة المنازل، هو تحويلها لعمالة منتظمة وتسجيلها، والسماح للنقابات بالقيام بدورها في هذا الشأن.
ما يحدث في الواقع يكشفه وقوع الكوارث، مثل حادثة "نايل لينين جروب" ووفاة طفلة لإحدى العاملات، حيث اكتشفنا وجود عمال يعملون بنظام "السخرة" وكأننا ما قبل قانون العمل؛ أجور متدنية، عدم تسجيل في التأمينات، وغياب تام لاشتراطات السلامة والصحة المهنية.
أيضا تكرار الحوادث التي شهدتها شركة المحلة للغزل والنسيج خلال العام الحالي، والتي أدت لوفات وإصابة عدد من العمال، بالرغم من إنفاق 750 مليون جنية على تطوير المصانع.
أرواح العمال ليست أولوية
تكررت حوادث العمل بشكل مفجع مؤخرًا.. كيف ترى التعامل مع ملف السلامة والصحة المهنية؟
هذا هو الملف الأكثر إيلامًا، لأن الناس تدفع أرواحها ثمنًا للإهمال، أطفال يموتون على الطرق كل ذنبهم أنهم أبناؤنا الذين خرجوا للعمل، وفي المقابل نرى تصريحات من وزارة العمل لا يتبعها أي إجراء حقيقي على الأرض.

هناك غياب واضح لأدوات السلامة والصحة المهنية، انظري إلى كارثة حريق "سنترال رمسيس"، كيان ضخم، نكتشف بعد اشتعال النيران فيه أنه يفتقر للتهوية الكافية، وليس به نظام إنذار حريق، ولا أجهزة إطفاء تعمل تلقائيًا.
والنتيجة هي وفاة أربعة شباب في عمر الزهور اختناقًا، ما يحدث هو أن وزارة العمل تكتفي بصرف التعويضات، وكأن الوزير وظيفته فقط هي التوقيع على شيكات الموتى.
الأرقام كاذبة
أشرتم إلى أن الأرقام التي تعلنها الوزارة عن التفتيش قد لا تعكس الواقع. هل ترون أن هذا القصور سيحد من تطبيق القانون؟
بالتأكيد، أهم شيء في القانون هو آلية تنفيذه، ولدي آليتان: تفتيش دائم من الوزارة، وتفعيل دور النقابات في الرقابة، وبالتالي يجب عدم تعطيل حق العمال في إنشاء تنظيماتهم النقابية.
النقابات هي الجهة الوحيدة القادرة على حصر وتسجيل العمالة غير المنتظمة وتوجيههم، وهو ما عجزت عنه الوزارة حتى أثناء أزمة "كورونا" حيث كانت أرقام التسجيل ضعيفة جداً مقارنة بحجم العمالة الفعلي.
بعد حرب 1956، تم إنشاء اتحاد النقابات بأوامر رئاسية، ومن هنا بدأت "الدولة القابضة" في إحكام سيطرتها على كل شيء.
فيما يخص السلامة والصحة المهنية، ما أبرز ما تطالب به؟
يجب أن يكون هناك ردع حقيقي، مهزلة تشغيل الأطفال يجب أن تتوقف، وكذلك وسائل النقل غير الآدمية التي تسببت في أغلب الحوادث، ولا بد من تفعيل دور تفتيش العمل لمنع كوارث مثل التي وقعت في سنترال رمسيس أو غزل المحلة.
الآليات موجودة نظريًا، فهناك إدارات للسلامة والصحة المهنية ومجالس يمثل فيها العمال، لكن كل هذا غير مفعل على أرض الواقع.
الوضع يحتاج إلى وقفة حاسمة ورادعة، نحن نرى مهازل في وسائل نقل العمال "غير الآدمية" التي تتسبب في حوادث مميتة، فضلاً عن تشغيل الأطفال.
التفتيش على المنشآت غائب أو غير فعال، وحتى في الشركات الكبرى التي تمتلك إدارات للسلامة، غالباً ما تكون غير مفعلة بشكل حقيقي، مما يؤدي لكوارث.
سنطالب مجدداً بإدخال قانون لتنظيم العمالة المنزلية، وسنطالب بتعديلات على قانون التأمينات
القانون كارثي
كيف تقيم مشروع قانون العمل الجديد، خاصة فيما يتعلق بإنهاء علاقة العمل أو ما يُعرف بـ"الفصل"؟
ما يحدث هو تحايل سافر، عندما يأتي صاحب عمل ليخبر العامل بعد فترة اختبار "أنت لست معنا"، فهذا يسمى "فصل"، لا يوجد له أي مسمى آخر.

وما نشهده الآن هو فصل تعسفي للعمال بالمئات دفعة واحدة دون أي مبرر، كما حدث في "سيراميكا فينيسيا" التي فصلت 300 و400 عامل مرة واحدة، وبالتالي المشكلة في القانون أنه يحتوي على ثغرة خطيرة؛ فبينما تضع مادة ما شروطًا محددة للفصل وتجعله من اختصاص المحكمة العمالية، يأتي باب آخر في نفس القانون تحت عنوان "إنهاء علاقة العمل " ليمنح صاحب العمل الحق في إنهاء خدمة العامل في أي وقت، وهذا يعني تفريغ النص من مضمونه".
لا بد من تصفية ملف المحبوسين احتياطياً، خاصة العمال والنقابيين الذين قُبض عليهم في قضايا رأي
وزارة الشو
كيف تقيّم أداء وزارة العمل في ظل هذه التحديات؟
هي تميل إلى "الشو" أكثر من العمل الحقيقي. النتيجة على الأرض هي التي تحكم، وعندما نرى استمرار حوادث العمل القاتلة، وتفاقم أزمة الأجور، وتضييق الخناق على التنظيم النقابي، فإن هذا يعني أن الأداء غائب.
فمن المفترض، وفقاً للتعديلات وقانون النقابات، ألا يكون لوزارة العمل دخل في الشأن النقابي الداخلي، ولكن الواقع أن القانون معطل بفعل اللائحة التنفيذية التي وضعتها الوزارة.
وزير"السمع والطاعة"
ما هو تحفظك المبدئي على هيكل الوزارة؟
موقفي المبدئي واضح وهو أنني ضد أن يأتي وزير العمل من داخل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر (الحكومي).

هؤلاء النقابيون تربوا على ثقافة "السمع والطاعة"، وأنا أريد وزيرًا متحررًا من أعباء هذه العلاقات، يركز على القضايا الأساسية مثل تفتيش العمل، وحصر العمالة غير المنتظمة، وتطوير آليات الوزارة، بدلًا من أن يكون شغله الشاغل هو السيطرة على النقابات ومن يسجل ومن لا يسجل.
سيطرة السلطة.. أدى إلى تشوهات
إلى ماذا تعزو هذا الغياب للديمقراطية والاهتمام بالانتخابات العمالية؟
السبب المباشر هو نتيجة سيطرة السلطة على التنظيم النقابي لأكثر من 70 عامًا. هذه السيطرة أدت إلى كل التشوهات التي نراها اليوم، حيث أصبح النقابي شخصًا وصوليًا يسعى للترقية والمصالح الشخصية عبر العمل النقابي.
خميس والبقري.. وتقييد الحركة
متى بدأ هذا التقييد للحركة النقابية في تقديرك؟
بدأ السيطرة وتأميم الحركة النقابية بشكل فعلي منذ عام 1952، وتحديدًا بعد حادثة شنق العاملين " محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري، تم شنقهم على خلفية تنظيمهم وقفة احتجاجية في شركة غزل كفر الدوار وصباغي البيضا"، وبعد حرب 1956، تم إنشاء اتحاد النقابات بأوامر رئاسية، ومن هنا بدأت "الدولة القابضة" في إحكام سيطرتها على كل شيء (الأحزاب، الجمعيات، والنقابات) التي تم تجميعها تحت مظلة اتحاد واحد تابع للسلطة.

ورغم أن نظام عبد الناصر كانت له إنجازات اجتماعية وقانون عمل وفر الأمان الوظيفي ومنع الفصل التعسفي، إلا أن "الدولة القابضة" سيطرت على كل شيء وألغت التعددية الحزبية والنقابية، وجعلت التنظيم النقابي هرمياً وتابعاً للسلطة.
هذه المكاسب جعلت "الخنقة" الناتجة عن القبضة الأمنية أقل وطأة. لكن الآن، وفي الوقت نفسه هذه التبعية ظهرت مساوئها لاحقاً؛ فعندما تم بيع وتصفية القطاع العام، لم تدافع هذه النقابات عن العمال أو الصناعة لأن قياداتها كانت جزءاً من النظام، بل رأينا مشاهد عبثية حيث يُصفى المصنع ويُحال العمال للمعاش المبكر، بينما تظل "النقابة" قائمة وكأن شيئاً لم يحدث.
سيطرة العمل.. فتح باب للمخالفات
بالحديث عن الانتخابات النقابية، كيف تقيم المشهد الحالي بالنسبة للنقابات العمالية مقارنة بالنقابات المهنية الأخرى؟
لا وجه للمقارنة، الانتخابات العمالية القادمة ستتم، كما حدث في المرتين السابقتين، تحت إشراف ورقابة تامة من وزارة العمل، وهو ما يفتح الباب لمخالفات بالجملة.
على عكس انتخابات نقابات الصحفيين أو المهندسين التي تحظى باهتمام إعلامي ورأي عام، لا أحد، تقريبًا، يعلم بوجود انتخابات عمالية.
أجريت مرة دراسة مقارنة عام 1991 بين التغطية الصحفية لانتخابات النادي الأهلي والتغطية المخصصة للانتخابات النقابية، وكانت النتيجة صادمة، وطبعا لصالح انتخابات النادي. العامل نفسه يشعر بأن النتيجة محسومة مسبقًا وأن "من يريدونه هو من سيفوز" .
انتخابات ستشهد مخالفات بالجملة
كيف تتوقع أن يسير مشهد للانتخابات النقابية العمالية القادمة؟
الانتخابات التي ستجري بعد أشهر ستتم كما تم ما قبلها، تحت إشراف ورقابة كاملة من وزارة العمل، وستشهد مخالفات بالجملة.
الوضع هنا يختلف تماماً عما يحدث في النقابات المهنية حيث توجد رقابة حقيقية وتنافسية.
أما في النقابات العمالية، فالأمر محسوم مسبقاً لصالح ما تريده السلطة، وذلك ناتج عن غياب الوعي بمفهوم التنظيم، وسيطرة السلطة على التنظيم النقابي لأكثر من 70 عاماً، مما خلق تشوهات جعلت "النقابي" يبحث عن المنصب للترقي أو الحماية الشخصية.
قانون النقابات الحالي جيد، لكن من ينفذه؟ حين لا يتم الرد على الطعون إلا بعد إجراء الانتخابات، و القانون يمنح صاحب العمل الحق في إنهاء خدمة العامل في أي وقت، وهذا يعني تفريغ النص من مضمونه.
الاستقرار لا يأتي على حسب العمال
ما هي السياسات الاقتصادية والتشريعية المطلوبة لخلق بيئة عمل صالحة ومستقرة؟
الاستقرار في بيئة العمل لا يأتي بالقهر، ولا على حساب العمال، بل من خلال علاقة عمل متوازنة وواضحة تقوم على التفاوض الجماعي، فمن غير المعقول أن بلدًا قوة العمل فيه تتجاوز 30 مليون عامل، وبه تنوع اقتصادي واسع، لا يوجد به عقود عمل جماعية قطاعية.

الشركات التي تجري مفاوضات حقيقية وتبرم عقود عمل جماعية قليلة جداً وأغلبها شركات أجنبية.
لا يمكن إصلاح المنظومة بالنظر إلى قانون العمل بمعزل عن باقي القوانين، بل يجب النظر إلى المنظومة ككل (قانون العمل، قانون النقابات، وقانون التأمينات).
أساس الإصلاح هو وجود نقابات عمالية حرة ومستقلة، وأن تكون علاقات العمل محكومة بعقود جماعية ناتجة عن مفاوضات حقيقية.
نظرة رحمة للعمالة غير المنتظمة
كيف تنظرون إلى أزمة العمالة غير المنتظمة، وهل ترون أن العمالة المنزلية جزء من هذا الملف؟ وما هي الحلول المقترحة من وجهة نظركم؟
الفكرة الأساسية للحل تكمن في تحويل العمالة غير المنتظمة إلى عمالة منتظمة، وهذا أمر ممكن وسهل في قطاعات كثيرة.

الخطوة الثانية هي ضرورة تسجيل هؤلاء العمال، فالتسجيل يتيح معرفة أعدادهم وبالتالي تقديم الخدمات لهم، والأهم من ذلك هو "التنظيم"؛ فالقانون لا يمنع ذلك، بل ينص بوضوح على حق العمال في أي منشأة تضم أكثر من 50 عاملاً في إنشاء لجنة نقابية.
دورنا في (دار الخدمات النقابية) هو مساعدة العمال في تجهيز الأوراق وإيداعها بمديرية القوى العاملة لاكتساب الشرعية القانونية. المشكلة في مصر ليست في القانون ذاته، بل في تطبيقه.
الحد الأدنى للأجور..رقم بلا تطبيق
تصاعدت الاحتجاجات العمالية مؤخرًا للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور.. ما تقييمك للوضع؟
الأغلبية الساحقة من العمال، سواء في الحكومة أو القطاع الخاص، لا تتقاضى الحد الأدنى للأجور المقرر، المستوى الحقيقي للمرتبات يدور حول 3000 أو 3500 جنيه.

نحن نتحدث عن موظفين في شركات حكومية مثل شركة مياه الشرب، يصل راتبهم إلى 5 أو 6 آلاف جنيه بعد 22 عامًا من الخدمة! القانون لا يطبق، والسؤال الذي يجب أن يوجه للمجلس القومي للأجور: على أي أساس حددتم الحد الأدنى بـ 6 آلاف جنيه؟ وما هي المعايير؟ هل هو معدل التضخم؟ هل هي سلة السلع الأساسية؟ لا توجد إجابات.
أعلنوا 4000 جنيه ولم تُطبق، ثم 6000 ولم تُطبق، وفي كل مرة لا يشرحون لنا لماذا؟ حتى في القرارات المنفذة، تظل حصة صاحب العمل في التأمينات غائبة، ويتم تحميلها على الأجر الأساسي للعامل، وهو تحايل واضح للسياسات المنحازة لرجال الأعمال على حساب العمال، التي تتباناها الدولة .
البرلمان تشكيله معيب
ما هي التبعات المترتبة على غياب التمثيل العمالي الحقيقي داخل مجلس النواب؟
غابت الرموز العمالية التاريخية التي كانت تنحاز للعمال وتعلن ذلك بوضوح، في السابق، وتحديداً أثناء مناقشة قانون العمل عام 2003، كنا نستطيع تنظيم مظاهرات أمام البرلمان ونجبر رئيس المجلس على الاستماع إلينا.

أما الآن، فالصورة اختلفت، والتشكيلات الحزبية المسيطرة لا تعبر بالضرورة عن الأغلبية الشعبية.
البرلمان ركن أساسي من أركان الدولة، وإذا كان تشكيله معيباً سواء بسبب المال السياسي أو ضعف المشاركة، فإنه سيمثل مصالح شخصية وليس مصالح الشعب.
كفاية تشريعات
ما هي التشريعات التي تأملون إدراجها أو مناقشتها في الأجندة التشريعية لعام 2026؟
بصراحة، أتمنى ألا يصدر هذا البرلمان تشريعات جديدة، لأن مدته أوشكت على الانتهاء. الأهم الآن هو التنفيذ وليس إصدار قوانين جديدة تظل حبراً على ورق.
التشريعات لن تكون في صالح العمال طالما أن العمال غائبون عن البرلمان، نحن نفتقد تمثيل المصالح الحقيقية للعمال داخل المجلس.
"الانسداد السياسي" نتيجة حتمية
البرلمان القادم بتشكيلته التي هيمنت عليها الدوائر المغلقة والمال السياسي كيف ترى تأثيره؟
هذه التشكيلة تؤكد حالة "الانسداد السياسي" التي نعيشها في مصر، البرلمان هو أهم هيئة تشريعية وركن أساسي من أركان الدولة المصرية، وبغض النظر عن هوية الحكومة أو السلطة التنفيذية، فإن سلامته هي سلامة للدولة.

عندما يكون لدينا برلمان "معيب" بهذا الشكل، ليس فقط بسبب هيمنة المال السياسي الذي أنتج نوابًا ليسوا فوق مستوى الشبهات، بل أيضًا بسبب ضعف المشاركة الشعبية التي وصلت في بعض الدوائر إلى 1%، فإن هذا البرلمان لا يمثل أغلبية الشعب المصري.
لو كانت نسبة المشاركة 60% كما نرى في دول أخرى، لاحتفينا بأن هذا البرلمان هو نتاج إرادة شعبية حقيقية، لكن الوضع الحالي يعني أننا أمام قصة مشوهة، حيث تسيطر كتل برلمانية تابعة لأحزاب معروفة مثل "مستقبل وطن" و"حماة وطن" و" الجبهة الوطنية" على المجلس، لكنها في الوقت نفسه ليست هي من تشكل الحكومة، وبالتالي لا تمارس دورها الرقابي المفترض.
هؤلاء نواب دخلوا لتحقيق مصالحهم الشخصية، وليس مصالح طبقاتهم أو دوائرهم.
مستمرون في المحاولة
هل لديكم خطة للتعامل مع البرلمان القادم فيما يخص القضايا العمالية؟
سنتمسك بإعادة طرح تعديلاتنا على قانون العمالة المنزلية وقانون التأمينات الاجتماعية، استراتيجيتنا تعتمد على "الإتاحة" وإسماع صوتنا.
مستمرون في عقد اجتماعات مع العمال لرصد ملاحظاتهم ومشاكلهم، ثم يقوم فريقنا القانوني بصياغة هذه الملاحظات في شكل مقترحات تشريعية.
نتبع نهجاً شبيهاً بالتجارب الدولية الناجحة (مثل تجربة جنوب أفريقيا)، حيث نعتمد على البحث، الصياغة القانونية، والضغط لتمرير القوانين التي تخدم المجتمع، لأن الحكومات عادة لا تصيغ القوانين بناءً على الاستماع لأصحاب المصلحة إلا إذا كان هناك صوت مسموع وضغط منظم.
البرلمان القادم.. يواجه تركة ثقيلة
ما هي توقعاتك للبرلمان القادم وأدائه التشريعي فيما يخص قضايا العمل؟
لست متفائلاً على الإطلاق. المشهد الحالي يعتمد إما على "المال السياسي" أو "العصبية القبلية"، مع غياب البرامج السياسية الحقيقية.
البرلمان القادم سيواجه تركة ثقيلة من القوانين الشائكة التي لم تُحسم (مثل قانون العمل، الإيجار القديم، الإجراءات الجنائية)، وأشك في قدرته على التعبير الحقيقي عن مصالح الناس في ظل طريقة اختياره الحالية وغياب السياسة عن الشارع.
أتمنى ألا يناقش شيء
ما هي الأجندة التشريعية المأمولة في الأجندة التشريعية لعام 2026؟
بصراحة، أتمنى ألا يصدروا تشريعات جديدة، نحن بحاجة لقانون يخدم العمال، وهذا لن يحدث طالما العمال غير موجودين داخل البرلمان.

قد يبدو هذا الرأي صادمًا، لكن التجربة علمتنا الكثير. في عام 2003، أثناء مناقشة قانون العمل رقم 12، نظمَّنا مظاهرة أمام البرلمان، وبالفعل طُلب منا تشكيل وفد لمقابلة رئيس البرلمان آنذاك الدكتور فتحي سرور.
كنت ضمن وفد مكون من خمسة أو سبعة أشخاص، والتقينا بشخصيات وازنة مثل خالد محيي الدين، وأبو العز الحريري، والبدري فرغلي، وحتى كمال الشاذلي، جلسوا معنا واستمعوا لاعتراضاتنا التي وزعناها على الجميع.
كانت هناك آلية للتواصل والاستماع الصورة اختلفت تمامًا الآن، لم يعد ممكنًا حتى تقديم طلب للبرلمان كي يستمع إليك، لذا، عندما تسألينني ماذا أتمنى أن يناقش، أقول لكِ أتمنى ألا يناقش، لأننا نرى النتيجة بالفعل.
غياب التشريعات المنصفه
هذا الغياب للرموز العمالية عن البرلمان، إلى ماذا يؤدي من وجهة نظركم؟
عندما يكون البرلمان معيباً، وتسيطر عليه كتل تمثل "المال السياسي" ولا تمثل أغلبية الشعب (التي تتشكل من العمال والفلاحين)، فإن هذا يؤدي لفقدان الثقة، وتصبح التشريعات معبرة عن مصالح شخصية وفئوية ضيقة وليست مصالح الشعب.
التشريع يعبر عن المصالح، وغياب الرموز العمالية عن البرلمان أدى لغياب التشريعات المنصفة لهم.
القانون جيد والتنفيذ معطل
الانتخابات العمالية على الأبواب.. ما أبرز التحديات التي تواجه النقابات المستقلة؟
العيب في مصر ليس في القانون، بل في تنفيذه. نحن كـ"دار الخدمات النقابية والعمالية" نساعد الزملاء في تحديث بياناتهم ونجحنا في حالات كثيرة. لكن المشكلة تكمن في أن هناك من يتعمد تعطيل الإجراءات.

قانون النقابات الحالي جيد، لكن من ينفذه؟ حين لا يتم الرد على الطعون إلا بعد إجراء الانتخابات، وحين تُرفض أوراق مرشحين دون أسباب واضحة، يصبح القانون بلا قيمة. رجال الأعمال لم يهتموا حتى بمناقشة قانون العمل في البرلمان، لأنهم يدركون أنهم في النهاية سيطبقون ما يريدون فقط.
العمال بإرادتها تصنع دساتير
تاريخياً، كيف أثرت استقلالية النقابات وقوتها على حقوق العمال وأجورهم؟
في حقبة الأربعينيات، كان هناك تفاوت واضح في الأجور بناءً على قوة النقابة، على سبيل المثال، كان أجر العامل في قطاع النسيج في "شبرا الخيمة" (11 قرشاً) بينما زميله في "المحلة" يتقاضى (7 قروش ونصف) لنفس العمل، والسبب يعود لقوة التفاوض التي امتلكتها نقابة عمال شبرا.
هذا يثبت أن النقابات التي يؤسسها العمال بإرادتهم وتضع دساتيرها وتنتخب قيادتها بحرية، هي التي تستطيع تحقيق مكاسب حقيقية، بعكس النقابات التابعة للسلطة.
تضييق على المجتمع المدني
هل تواجه منظمات المجتمع المدني العمالية تضييقاً أو صعوبة في التواصل مع الحكومة؟
يجب أن تتفاعل الحكومة بإيجابية مع ما نطرحه، نحن كمنظمات مجتمع مدني نراقب ونقدم ملاحظات فنية وقانونية لتحسين التشريعات، ولكن هناك حساسية مفرطة من النقد. الهدف هو المصلحة العامة، ونحن نعمل منذ عقود في تقديم الدعم القانوني ورصد الانتهاكات، وعلى الدولة أن تدرك أن الاستماع لهذه الآراء يصب في مصلحة استقرار المجتمع.
سنستمر في التواصل
هل لديكم خطة للتعامل مع البرلمان في الفترة القادمة (من 2026 إلى 2030)؟ وما هي أدوات الضغط المتاحة لكم؟
سنعيد الكرة مرة أخرى. سنطالب مجدداً بإدخال قانون لتنظيم العمالة المنزلية، وسنطالب بتعديلات على قانون التأمينات، أدواتنا محدودة في ظل الانسداد السياسي وصعوبة التواصل، حيث أصبح البرلمان مغلقاً على نفسه ولا يستمع إلا لأصواته الداخلية، لكننا سنستمر في الدفع بمقترحاتنا ومحاولة إيصال صوت العمال.
الاستقرار يجذب الاستثمار
ما هي رسالتك الأخيرة للحكومة فيما يخص المناخ العام وملف الحريات؟
الرسالة واضحة: يجب إنهاء حالة الانغلاق السياسي. الاستقرار الحقيقي وجذب الاستثمار يتطلب مناخاً يتمتع بالحرية، حرية التعبير وحرية التنظيم.
لا بد من تصفية ملف المحبوسين احتياطياً وسجناء الرأي، خاصة العمال والنقابيين الذين قُبض عليهم في قضايا رأي. المجتمع المستقر هو المجتمع الحر القادر على نقد نفسه وتصحيح مساره، وليس المجتمع المكبوت.