أوصت ورقة بحثية جديدة صادرة عن فكّر تاني بعنوان:" من يصنع القانون؟ خريطة الفاعلين وحدود التأثير في التشريع المصري (2025)، بأن يكون الحوار المجتمعي جزءا إجرائيا ملزما من المسار التشريعي في القوانين ذات الأثر الحقوقي والاجتماعي الواسع، عبر جلسات استماع حقيقية، وإتاحة قنوات رقمية لتلقي الملاحظات خلال مدة معلنة.
وطالبت الورقة البحثية، التي أعدها الباحث الأكاديمي محمد سعد ، بتعزيز الشفافية، عبر نشر مراحل إعداد القوانين ومذكراتها الإيضاحية، ومحاضر جلسات الاستماع، مع تقارير متابعة دورية لأثر التطبيق، خاصة القوانين المؤجل نفاذها.
وأوصت الورقة بإشراك النقابات المهنية والفاعلين الاجتماعيين مبكرا في الصياغة، بدلا من استدعائهم، ووضع حد أدني زمني ملزم لمناقشة مشروعات القوانين داخل اللجان والجلسات العامة، بما يحد من نمط “الدفعة الواحدة” الذي يقلص فرص النقاش المتدرج.
للاطلاع على الورقة البحثية

قوانين صدرت وأخرى تنتظر القادم
ورصدت الورقة، حصيلة عام 2025 كدورة تشريعية مكتملة، مع التمييز بين القوانين الصادرة والمنشورة فعليًا، وتلك التي أقرت مع تأجيل نفاذها، والملفات المُرجأة إلى المجلس المقبل.
بحسب ملخص "الإنجازات" الرسمي للمجلس، عقد خلال دور الانعقاد الخامس 62 جلسة بإجمالي 220 ساعة، وأسفر النشاط التشريعي عن إصدار 186 قانونًا شملت 2635 مادة.

وشمل هذا الحصاد تشريعات بارزة مثل: قانون الإجراءات الجنائية، قانون العمل، قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض، قانون الضمان الاجتماعي، قانون لجوء الأجانب، قانون تنظيم إصدار الفتوى الشرعية، تعديلات قانون الإيجار القديم، بجانب تعديلات في قوانين التعليم، الرياضة، والمرافق العامة.
وقدمت الورقة، في هذا الإطار، جداول تصنف التشريعات البارزة التي صدرت، خلال دورَي الانعقاد الخامس والسادس، بوصفه مدخلًا تحليليًا لتتبّع مسارات الجدل، وحدود الاستجابة التشريعية لاحقًا.
جدل برلماني ومجتمعي
ورصد الجدول الأول التشريعات البارزة في دور الانعقاد الخامس والسادس (2025)، والجدول الثاني قدم أمثلة للفاعلين في مشاريع تشريعية، أما الجدول الثالث فقد رصد ملخص مقترحات التعديل.
وأكدت الورقة أن الفصل التشريعي الثاني في عامه الأخير (2025)، شهد كثافة تشريعية، حيث صدر في دور الانعقاد (2024) 188 قانونا وفي (2025)، صدر186 قانونا، وهذا الضغط التشريعي قلّص قدرة المعارضة، حزبية أو مستقلة، على التأثير أو إبطاء الوتيرة.

وأشار الباحث محمد سعد في ورقته البحثية إلى أن الجدل البرلماني والمجتمعي في عام 2025 تركز حول قوانين "هيكلية" تعيد تنظيم أطر عامة (مثل الإجراءات الجنائية، العمل، اللجوء، الضمان الاجتماعي)، وأن القوانين القطاعية (رياضة، مرافق عامة) جاءت في مرتبة ثانوية.
وأوضحت الورقة البحثية أن السلطة التنفيذية تتدخل بشكل مباشر في القوانين التي شرّعها النواب، سواء بتقديم مشروعات القوانين أو استخدام الصلاحيات الدستورية لرئاسة الجمهورية، كالاعتراض على تلك القوانين أو إعادتها للبرلمان.
ولم تغفل الورقة دور الفاعلين المرجعيين لإصدار تلك القوانين سواء من الأزهر أو الكنيسة كفئات لا تنخرط مباشرة في العملية التشريعية، لكنها تؤثر في حدودها الرمزية والمعيارية، من خلال إنتاج أو نفي الشرعية في القضايا ذات الحساسية القيمية والدينية.
وخلصت الورقة إلى أن مجلس النواب اضطلع بدوره الدستوري، مناقشة وإقرارا، لكنه اتسم بتفاوت واضح بين التشريعات المقدمة من الحكومة، إذ شهدت بعض القوانين نقاشات محدودة داخل اللجان أو الجلسات العامة، بينما مرّت أخرى بإيقاع متسارع اقتصر على الأطر العامة.
دور النقابات والمنظمات والأحزاب
أما عن دور النقابات المهنية منظمات المجتمع المدني وهما أبرز الفاعلين الخارجيين، خاصة في القوانين التي تمس شروط الممارسة المهنية أو المسؤولية القانونية، فترى الورقة البحثية أن تدخلها اتسم بمحاولات منظمة نسبيًا عبر بيانات رسمية، مذكرات فنية، أو تواصل مباشر، لكن دورهما ظل محصورا في نطاق استشاري أو احتجاجي.
وكشفت الورقة اقتصار دور الأحزاب على التعبير عن مواقف داخل الإطار البرلماني أو عبر بيانات عامة، دون قدرة ملموسة على معارضة المقترحات التشريعية الحكومية أو تعطيلها أو حتى إعادة صياغتها.

وفيما يتعلق بأنماط الجدل التشريعي وحدود التأثير في دوري الانعقاد الخامس والسادس، كشفت الورقة عن مشهد يجمع بين كثافة إنتاج تشريعي متسارعة وتفاوت واضح في طبيعة الجدل المصاحب وحدود تأثيره، حيث أن الجدل التشريعي، لم يكن في أغلبه، مسارًا تفاوضيًا مفتوحًا يُفضي إلى إعادة صياغة جوهرية للنصوص، بقدر ما ظل تعبيرًا عن تباينات في المواقف داخل إطار مؤسسي تحسمه الأغلبية البرلمانية الداعمة لمشروعات الحكومة.
وبتحليل عدة أنماط رئيسية اتضح أن الإنتاج التشريعي تركز في فترات قصيرة، وعمل على تمرير حزم قوانين بسرعة قللت من فرص النقاش الموسع، خاصة في التشريعات ذات الأثر الاجتماعي أو الحقوقي، وهيمنة "التنفيذي" مدعومًا بالأغلبية، وظل التأثير الحاسم محصورًا في الدائرة المؤسسية الضيقة بين الحكومة والأغلبية البرلمانية، مع دور محدود للمعارضة الداخلية أو الفاعلين الخارجيين.
كما ظهرت بوضوح الفجوة بين اتساع الجدل وضيق التأثير، حيث لم يتحول الجدل إلى تأثير تشريعي فعلي إلا في حالات نادرة، حين تتوافر شروط بنيوية محددة، أبرزها: فاعل منظم ذو شرعية تمثيلية قوية (نقابة الأطباء)، موقع مؤسسي مرموق (الأزهر كمؤسسة دستورية)، تدخل من أعلى الهرم التنفيذي (رئاسة الجمهورية)، والاستجابة الانتقائية والمشروطة، وترحيل الصراعات إلى مراحل لاحقة.
بنية تشريعية تميل للسلطة التنفيذية
ولفتت الورقة النظر إلى أن هناك قوانين تحتاج لإعادة نظر، وقدمت ملخصا لمقترحات التعديل، قائلة:" إن هذه المقترحات ليست بدائل تشريعية مثالية ولا تهدف إلى إعادة فتح النقاش حول كل القوانين الصادرة، بل تنطلق من تحليل واقعي لهوامش الحركة المتاحة داخل النمط التشريعي القائم.

كما أنها لا تُقدَّم مقترحات التعديل بوصفها مراجعة شاملة لفلسفة هذه القوانين، بل باعتبارها نقاط تدخل محددة، تستهدف معالجة مواطن التوتر الأكثر إلحاحًا، وتضييق فجوات التطبيق، وإعادة التوازن في ملفات ثبت عمليًا أن تجاهلها لا ينهي الجدل، بل يؤجله.
وأكد الباحث محمد سعد أن إعادة مناقشة القوانين محل الجدل لا تمثل انتقاصًا من دور البرلمان السابق (2020–2025)، بل استكمالًا لدوره؛ فنجاح التشريع لا يُقاس بعدد القوانين الصادرة، بقدر ما يُقاس بقدرته على موازنة المصالح وحدود الاستجابة السياسية داخل العملية التشريعية نفسها، وأنه إذا أراد البرلمان الجديد مسارًا مختلفًا، فإن التغيير يبدأ من إعادة التفكير في منطق القانون، لا من زيادة عدد القوانين.
واتضح في ختام الورقة أن البنية التشريعية تميل بوضوح لصالح السلطة التنفيذية، مع هوامش ضيقة وانتقائية للاستجابة للضغوط غير الحكومية.
