في غضون 24 ساعة فقط، تحولت أنباء قانونية متداولة على نطاق واسع بشأن الانتخابات البرلمانية إلى حالة من الجدل العام، بعد تداول أنباء عن صدور حكم من محكمة النقض بإحالة طعن انتخابي إلى المحكمة الدستورية العليا، وما ترتب على ذلك من حديث عن احتمالات بطلان نتائج انتخابات مجلس النواب 2025 واعتبارها كأن لم تكن.
وبين تداول الخبر ونفيه، يرصد موقع “فكر تاني” كواليس الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، كاشفا كيف نشأت الرواية، وكيف سقطت قانونيا، وما الذي حدث بالفعل داخل أروقة الجهات القضائية المختصة.
بداية القصة: تصريحات من مرشح
البداية كانت مساء أمس الثلاثاء، مع تصريحات أدلى بها المحامي نشأت عبدالعليم، أحد المرشحين لمجلس النواب بمحافظة أسيوط، لعدد من المواقع الإخبارية، أكد فيها صدور قرار من محكمة النقض بإحالة طعن انتخابي إلى المحكمة الدستورية العليا، لوجود تناقض دستوري بين المواد المنظمة لاختصاص جهتي القضاء الإداري ومحكمة النقض في نظر الطعون الانتخابية.
التصريحات سرعان ما انتشرت، وجرى تداولها بشكل واسع في المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، مصحوبة بتفاصيل محددة عن رقم الدعوى وتاريخ نظرها أمام المحكمة الدستورية العليا، وحديث عن انعكاسات محتملة تصل إلى حل القائمة الوطنية وإبطال نتائج الانتخابات البرلمانية.
الخبر المتداول أشار تحديدا إلى الدعوى رقم 7805 لسنة 72 قضائية – شق عاجل، وأن محكمة النقض قررت إحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا، وحددت جلسة 25 ديسمبر 2025 لنظرها، للفصل في إشكالية التناقض بين المواد 104 و106 و107 من الدستور، المتعلقة بتوقيت بدء العضوية البرلمانية والجهة القضائية المختصة بالفصل في الطعون.
تحرك “فكر تاني”: التحقق من المصدر القضائي
أمام أهمية ما يتم تداوله، وما يحمله من أثار سياسية ودستورية جسيمة، تحرك موقع “فكر تاني” للتحقق من صحة هذه المعلومات من مصادرها الرسمية.
وتوجه الموقع إلى المكتب الفني لمحكمة النقض، للاستفسار بشكل مباشر عن الطعن المشار إليه، وما إذا كانت المحكمة قد أصدرت بالفعل قرارًا بإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا.
هنا جاء الرد الحاسم، إذ أكد مصدر قضائي بارز بالمكتب الفني لمحكمة النقض لـ”فكر تاني” أن ما يتم تداوله غير صحيح على الإطلاق، مشددا على أن محكمة النقض لم تحل هذه الدعوى أو أي طعن انتخابي أخر إلى المحكمة الدستورية العليا.
ولم يتوقف النفي عند هذا الحد، بل أوضح المصدر أن محكمة النقض لم تبدأ من الأساس في نظر الطعون الانتخابية المحالة إليها من محكمة القضاء الإداري، وهو ما ينفي منطقيا وقانونيا إمكانية صدور قرار بإحالة طعن دستوري في هذه المرحلة.
مفاجأة من “الإدارية العليا”
استمرارا لعملية التحقق، تواصل “فكر تاني” مع المكتب الفني للمحكمة الإدارية العليا، للاستفسار عن مصير الطعن محل الجدل.
وهنا كانت المفاجأة الأكبر، حيث أكد مصدر مطلع أن الطعن تم رفضه من الأساس أمام المحكمة الإدارية العليا، ولم تتم إحالته إلى محكمة النقض من الأصل، بما ينسف الرواية المتداولة من جذورها.

وبذلك، يتبين أن مسار الطعن، وفقا للمعلومات القضائية الرسمية، توقف عند الإدارية العليا، ولم ينتقل لا إلى محكمة النقض، ولا إلى المحكمة الدستورية العليا، خلافا لما أشيع.
تأكيد قانوني مستقل من مقيم الطعن
ولم يكتفِ “فكر تاني” بالمصادر الرسمية، بل تواصل أيضا مع المحامي بالنقض والدستورية العليا علي الفيل، وهو مقيم الطعن، والذي أكد في تصريحات خاصة أن الطعن الانتخابي المشار إليه مرفوض بالفعل من المحكمة الإدارية العليا.

وأوضح الفيل أنه استوثق بنفسه من كشوف الطعون الانتخابية داخل المحكمة الإدارية العليا، وثبت له بشكل قاطع رفض الطعن، وعدم إحالته إلى محكمة النقض، ما يجعل الحديث عن إحالة من النقض إلى الدستورية حديثا بلا سند قانوني.
تفنيد الرواية المتداولة
الرواية التي جرى تداولها إعلاميا تحدثت عن طعن يستند إلى وجود خلط بين مفهومي صحة الفوز وصحة العضوية، وأن العضوية البرلمانية لا تنعقد إلا بأداء اليمين الدستورية، وبالتالي يظل الاختصاص منعقدًا للقضاء الإداري قبل اكتمال تشكيل المجلس.
كما ذهبت الرواية إلى أن الإبقاء على نتائج القوائم رغم بطلان الفردي يشكل إخلالا بوحدة العملية الانتخابية، ويستوجب اعتبار النتائج كأن لم تكن.
إلا أن هذه الدفوع – بصرف النظر عن مضمونها – لم تصل إلى مرحلة الإحالة الدستورية، ولم تطرح أمام محكمة النقض من الأساس، فضلا عن أن المحكمة الدستورية العليا لا تنظر أي دعوى إلا عبر المسار الدستوري الصحيح، وبإحالة رسمية صريحة من جهة قضائية مختصة.
خلاصة الـ24 ساعة
خلال يوم واحد، انتقل خبر غير موثق من تصريحات فردية إلى مادة إعلامية موسعة، قبل أن يتبين، بالتحقق من الجهات القضائية المختصة، أنه عارٍ من الصحة.
فلا محكمة النقض أصدرت قرار إحالة، ولا المحكمة الدستورية العليا تلقت دعوى، ولا نتائج الانتخابات البرلمانية باتت محل بطلان قانوني كما جرى الترويج.



التعليقات