"شارلي شابلن ينتخب".. هل ضربت "معادلة الوقت والعزوف" مصداقية البرلمان؟

وكأننا أمام مشهدٍ من كلاسيكيات السينما الصامتة؛ حيث الحركة أسرع من المنطق، والشخوص يهرولون بإيقاع ميكانيكي لاهث في تراجيديا عبثية تثير الضحك والبكاء معًا، ترجمت لغة الأرقام واقع انتخابات مجلس النواب 2025 إلى معادلة زمنية مستحيلة، وضعت الناخب في سباقٍ ضد عقارب الساعة: 8 إلى 14 ثانية فقط لاختيار من يمثله تحت القبة.

هذا "المشهد العبثي" - كما يصفه خبراء وسياسيون تحدثوا لـ فَكّر تاني - يُحيل العملية الديمقراطية، في نظرهم، إلى مجرد "أداء حركي" سريع لاستيفاء الكشوفات لا أكثر. فبين لجانٍ خاوية على عروشها، وأرقامٍ رسمية تفترض وجود "ناخب خارق" يصوت في رمشة عين، يفرض السؤال الأخطر نفسه: هل نحن بصدد تأسيس برلمان حقيقي، أم إعادة إنتاج لعرض "أراجوزات" - على حد وصف البعض - يكتمل فيه الشكل الديكوري، بينما يغيب الجمهور؟

"شارلي شابلن ينتخب"

أولى علامات الاستفهام التي اصطدم بها المراقبون تعلقت بما يمكن تسميته "فيزياء التصويت"؛ وهو المشهد الأول الذي كشف عنه الخبير البرلماني والسياسي عبد الناصر قنديل، خلال جلسة حوارية لمنصة فَكّر تاني، طارحًا مفارقة رقمية نتجت عن مراجعة دقيقة لقاعدة بيانات الناخبين قياسًا بالوقت المتاح وعدد المقار الانتخابية.

الدكتور عمرو هاشم ربيع مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية عضو مجلس أمناء الحوار الوطني - تصوير هاجر نور الدين - فكر تاني
الدكتور عمرو هاشم ربيع مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية عضو مجلس أمناء الحوار الوطني - تصوير هاجر نور الدين - فكر تاني

فقد بلغ المتوسط العام للوقت المسموح به لكل ناخب -وفقًا لحسابات "قنديل" المستندة للجداول الرسمية- 14 ثانية فقط. بينما كانت المفاجأة الكبرى في بعض الدوائر المزدحمة نظريًا؛ والتي تقلص الزمن المتاح للمواطن لممارسة حقه الدستوري بها إلى 8 ثوانٍ فقط، وهو زمن لا يكفي منطقيًا لاستلام بطاقة الاقتراع، ناهيك عن الاختيار خلف الساتر، وطي البطاقة، ووضعها في الصندوق.

هذه "السرعة القياسية" دفعت الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى استحضار روح السخرية المريرة، واصفًا ما حدث بـ"عمل الأراجوزات وأفلام شارلي شابلن".

ويؤكد ربيع، لـ فَكّر تاني، أن المعدل الطبيعي والعادل لأي ناخب يتراوح بين 3 إلى 4 دقائق للإدلاء بصوته، معتبرًا أن حشر العملية في بضع ثوانٍ هو "نكبة إدارية"، وكأن الهدف هو "إنجاز المهمة" وليس "ممارسة الديمقراطية".

"نكبة" القوائم وترتيب الموالاة

ينتقل "ربيع" من أزمة الوقت إلى أزمة النظام الانتخابي نفسه، فيقول: "كلما زاد الناخبون زادت المشاركة في الاقتراع، وهذا من المفترض علميًا أن يكون أمرًا إيجابيًا، لكنه ليس إيجابيًا في حالتنا". ويفسر ذلك بأنه "عندما تجري الانتخابات بنظام القائمة المطلقة، تصبح المشاركة عديمة الجدوى"، وهذا ما فعله شخصيًا، على حد قوله، إذ لم يشارك في التصويت، لأنه مُجبر على منح صوته لقائمة معينة.

ويضيف مستشار مركز الأهرام في حديثه لـ فَكّر تاني، أنه حتى في حالة وجود قائمتين، فإن الوضع يظل كارثيًا؛ لأنه "إذا أعطى الناخب صوته للمعارضة سيذهب في النهاية للموالاة".

ويشير "ربيع" إلى ما يراه البعض "النكبة الأساسية" في هذه الانتخابات، وهو أن الهيئة وضعت حزب "مستقبل وطن" في أول القائمة، معتبرًا أن هذه الخطوة تُعد "مشاركة في الدعاية الانتخابية، ومأساة حقيقية محظورة بنص المادة 22 من قانون الهيئة الوطنية للانتخابات". ويلفت إلى شكاوى المرشحين المستقلين الذين أكدوا أنهم باتوا أمام مقار التقديم للترشح لحجز الأسبقية، ومع ذلك وجدوا أنفسهم في الترتيبين رقم 7 و8، مشددًا على أنه "لو صح حدوث هذا الاتهام، فهو نوع من أنواع الدعاية الفجة لحزب بعينه، ويجب أن يكون محلًا للتوضيح".

لافتات دعاية لحزب مستقبل وطن أمام لجنة انتخابية - تصوير داليا موسى - خاص فكر تاني

"مؤشر مرعب جدًا"

ويصف أحمد قناوي، الأمين العام لحزب العدل، العزوف عن التصويت بانتخابات مجلس النواب 2025 بأنه "مؤشر مرعب جدًا"؛ لكونه يحمل دلالات خطيرة على مستويين.

النائب أحمد قناوي أمين عام حزب العدل- تصوير هيثم محجوب - فكر تاني
النائب أحمد قناوي أمين عام حزب العدل- تصوير هيثم محجوب - فكر تاني

يوضح قناوي، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن هذا العزوف، من ناحية، "يشكك رقميًا في النتائج التي كانت قبل إعادة الانتخابات في هذه الدوائر"، ومن الناحية الثانية، يظهر أن الناس لديها "فتور عام" من المشاركة في الاستحقاق الانتخابي.

ويُرجع الأمين العام لحزب العدل أسباب هذا العزوف إلى أن تكرار عملية الانتخاب كان "ثقيلًا على قلب الناس"؛ إذ إن هناك قطاعًا من الناخبين نزل في المرة الأولى، لكنه لم ينزل للتصويت مرة أخرى.

ويضيف قناوي أسبابًا أخرى للعزوف، منها حالة الارتباك في المشهد وعدم ترتيب المواعيد، وهو ما أدى للتشتت، مشيرًا أيضًا إلى أنه كان من الممكن أن يكون هناك أنصار لبعض المرشحين رأوا أنهم بعيدون عن المنافسة، فتكاسلوا عن النزول للتصويت كذلك.

وردًا على تقديرات بعض المراقبين بأن مجلس النواب 2025 سيكون "برلمان الـ 1%"، يرى قناوي أن أحد اشتراطات القائمة، التي تمت إجازتها من المرة الأولى، كان يتطلب حضور 5% على الأقل من إجمالي كشوف الناخبين، وهو ما تحقق بالفعل.

ويؤكد أنه رغم ما حدث، سيكون المجلس "مجلسًا قانونيًا"، وسيكمل سنواته الخمس، لكنه يستدرك بأن الواقع يظهر حقيقة قاسية: "عموم المواطنين منصرفون عنه بالكامل، فهم غير مهتمين به".

هندسة العزوف والمقاطعة الإيجابية

من زاوية أخرى، يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، أن المشاركة الضعيفة تقوض شرعية البرلمان القادم، مشيرًا بوضوح إلى العزوف الشديد وضعف نسب المشاركة في العملية الانتخابية، خصوصًا في المرحلة الثانية.

محمد سعد عبد الحفيظ - تصوير محمد ليل
محمد سعد عبد الحفيظ - تصوير محمد ليل

يقول عبد الحفيظ في حديثه لـ فَكّر تاني: "نحن أمام برلمان من المفترض أن يشرع ويراقب أداء الحكومة، لكنه في الواقع قد لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جدًا من أصوات المصريين، قد لا تتجاوز 10% في المتوسط". ويضيف أنه بالتالي، فإن وجود برلمان لا يمثل إلا هذه النسبة من إرادة الشعب، يجعله "عاجزًا عن التعبير الحقيقي عن طموحات المصريين في التشريع والرقابة".

ويُرجع وكيل نقابة الصحفيين هذا العزوف الذي شهدته لجان التصويت إلى كونه "نتيجة طبيعية" لما وصفه بعمليات "الهندسة الانتخابية" التي سبقت الاقتراع، والتي لم تكن سرًا.

ويوضح أن هذه الهندسة تمثلت في "تفصيل دوائر انتخابية لتناسب مرشحين من أحزاب معينة"، وتشكيل قوائم انتخابية من تحالفات "محسوبة على السلطة"، تضم أحزاب الموالاة وبعض أحزاب المعارضة الموالية لها. ونتيجة لذلك، لم يكترث الناس بهذه الانتخابات وشعروا أنها لا تعنيهم، وأن وجودهم لن يحدث أي فارق.

"عزوف على العزوف"

وفي تحليل أعمق للمشهد، يطرح عبد الحفيظ مفهومًا لافتًا يسميه "عزوف على العزوف". ويشرح ذلك بأنه "بعد تدخل رئيس الجمهورية، الذي أسفر عن بطلان عدد من نتائج الانتخابات بقرار من الهيئة الوطنية أو بحكم المحكمة الإدارية، زاد العزوف أكثر".

ويفسر ذلك بأن "الحشد المدفوع بالأموال توقف"، خشية توثيق أي تجاوزات أو مخالفات قد تؤدي إلى قضايا قانونية؛ وهكذا أصبح هناك "عزوف على العزوف" بعد اختفاء المحفزات المادية.

ويوضح عبد الحفيظ أنه حتى عندما وصلت للناس رسائل تطمئنهم وتدعوهم للمشاركة، تساءلوا: "لمن سنذهب؟"؛ فالمشكلة كانت في "البضاعة المعروضة" على الناخبين، والتي كانت غير مقنعة. فقد كانت هناك قائمة انتخابية بلا منافس حقيقي، ومرشحون يعلنون منذ البداية ولاءهم للحكومة، دون أن يقدموا خطابًا سياسيًا يحفز الناس على التصويت أو يتناول أزماتهم واحتياجاتهم بشكل جاد.

انتخابات مجلس النواب 2015 - مواقع الكترونية
انتخابات مجلس النواب 2015 - مواقع الكترونية

بين جبر الخواطر والمقاطعة الإيجابية

ويفصل عبد الحفيظ بين سلوك الناخبين جغرافيًا؛ حيث يشير إلى نجاح الخطاب الخدمي والقبائلي في جذب بعض الأصوات في الصعيد والريف، مرجعًا ذلك إلى اعتبارات "جبر الخواطر" كالتصويت لابن القرية أو العشيرة، مستدركًا بأن كل هذا "لم يرفع نسبة المشاركة عن 20%".

أما في الحضر، فيؤكد أن نسبة الحضور كانت ضئيلة جدًا، حيث تراوحت بين 1.5% و2.5%؛ لأن الناخب في الحضر يحتاج إلى "إقناع حقيقي"، وهو ما لم يحدث، إذ كان يدرك منذ البداية طبيعة العملية.

ويستنتج عبد الحفيظ أنه عندما بدأت العملية الانتخابية في جولتها الأولى، وحدثت عمليات تزوير وشراء أصوات وحشد مصطنع، وارتُكبت كل المخالفات، لم تتجاوز نسبة المشاركة 20% وفقًا للأرقام الرسمية المعلنة؛ مما يعني أن 80% من الناخبين اختاروا عدم المشاركة، وهو ما يمكن اعتباره "مقاطعة إيجابية".

ويختتم وكيل النقابة شهادته بتجربة شخصية تدعم ما قاله عن "المقرات الخاوية"، مشيرًا إلى أن مدة تصويته في اللجان في المرحلتين الأولى والثانية "لم تستغرق سوى دقيقة واحدة"، وذلك بسبب عدم وجود ناخبين آخرين، مؤكدًا أنه "لو كان هناك ضغط أو إقبال، لكان الأمر مختلفًا".

المعايير الغائبة.. 5 دقائق لا 8 ثوانٍ

من زاوية أكاديمية تفكك "طلاسم" الأرقام، توضح الدكتورة غادة موسى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، المعايير العلمية التي يجب الاستناد إليها عند حساب متوسط توقيت التصويت.

غادة موسى
غادة موسى

وتشير موسى، في تصريحاتها لـ فَكّر تاني، إلى أنه من المفترض عند وضع هذا المتوسط، مراعاة "أوج وجود الكثافات" وليس مجرد القسمة الحسابية البسيطة، مشددةً على ضرورة فصل الأمور المتعلقة بدوافع تلك الكثافات؛ حيث تؤكد أهمية التمييز بين "الحشد الطبيعي"، المرتبط بالعوامل القبلية والولاءات الفرعية، وبين "الحشد المصطنع"، الذي يتضمن مخالفات ترتبط بوضوح باستخدام المال السياسي للحشد.

وتضيف أستاذ العلوم السياسية أنه كان من المفترض وضع تقديرات دقيقة لكثافة اللجان وفق مسار اليوم الانتخابي؛ ففي الصعيد على سبيل المثال - شأنه شأن المحافظات الأخرى - تزداد الكثافات نهارًا، خاصةً من النساء، وتعود للارتفاع ليلًا عقب انتهاء ساعات العمل.

وفيما يخص الوقت الفعلي، تؤكد موسى أنه يجب مراعاة عوامل مجتمعية حاسمة، مثل ارتفاع نسب الأمية، وتقديرات عدم اعتياد عدد كبير من الناخبين على عملية الانتخاب، بالإضافة إلى الحاجة لقراءة ورقة اقتراع تتضمن العديد من الرموز والأرقام.

وعليه، فإن الناخب يحتاج علميًا وواقعيًا إلى ما بين 5 إلى 7 دقائق للإدلاء بصوته في فترات الكثافات الانتخابية، وليس الثواني المعدودة التي أظهرتها بعض المؤشرات.

تصحيح مفهوم "الهندسة الانتخابية"

كما تتحفظ الأكاديمية على المعنى الرائج حاليًا لمصطلح "الهندسة الانتخابية" الذي يستخدمه السياسيون للإشارة إلى التدخلات، موضحَة المفهوم العلمي الصحيح له؛ إذ تشير إلى أن تعبير "هندسة العملية الانتخابية" كان من المفترض أن يشير إلى "وجود تخطيط واضح ودقيق لكل مجريات العملية الانتخابية"؛ بدءًا من توزيع الدوائر الانتخابية، وتحديد عدد المرشحين، مرورًا بتحديد اللجان العامة والفرعية، وشكل بطاقات الانتخاب.

كما يشمل المفهوم العلمي تحديد عدد المراقبين والمندوبين، و"الوقت المتوقع لكل ناخب للإدلاء بصوته"، وذلك وفقاً لتوقيت فتح اللجان والتوقيت المحدد للإدلاء بالأصوات (المحدد بـ 12 ساعة مخصومة منها ساعة الراحة).

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة