منذ بداية الإبادة في غزة، تحرّص الفعاليات السينمائية المتنوعة على دعم القضية عبر "الفن السابع"، مانحةً مساحةً أكبر لعرض أفلام لصُناع من فلسطين أو أعمال تتناول القضية.
وعلى الرغم من تعدد المعالجات والحكايات، إلا أنه يمكن رصد سمات مشتركة لهذه الموجة السينمائية التي تتأرجح فنيًا بين القوة والضعف، لكنها تظل ملتحمة بالواقع السياسي بشكل لا يقبل الانفصال.
ما يجمع هذه الأعمال هو "المحاولة"؛ محاولة تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد حدث سياسي نراه في الأخبار يوميًا إلى "تجربة بشرية"، دون أن تفقد تماسها مع الجرح العام. فكل خيط درامي -مهما بدا بسيطًا- يمتد في النهاية إلى السؤال الأكبر: كيف يمكن للإنسان أن يعيش، يحب، ويصمد، وينجو داخل سياق دموي مُحاصر؟
هذا السؤال، الذي يُعد الحمل المُلح على عاتق كافة صناع السينما، سواء داخل فلسطين أو خارجها، كشف عن انقسام في التناول الإخراجي إلى تيارين:
- الأول: يذهب إلى المباشرة أو الخطاب السياسي الواضح، معتمدًا على العزف على أوتار المشاعر واستجداء البكاء.
- الثاني: يختار الاشتباك مع "التفاصيل الصغيرة"؛ مثل علاقة عائلية مُهشّمة، حكاية حب معلّقة، أو ذكرى تستيقظ في لحظة غير متوقعة.
وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصبح مفاتيح للغوص في مستويات أعمق من الوجود الفلسطيني؛ حيث تتداخل الذات مع الواقع، والوثائقي مع الروائي، والذاكرة مع اللحظة الآنية، في بناء سردي يخلق طبقات متعددة للقراءة، وتكشف عن شبكة درامية تتقاطع فيها السرديات الشخصية مع الذاكرة الجمعية.
في هذه الأعمال، يظهر الفرد دائمًا محاصرًا بين صورتين: صورة الذات التي تحاول النجاة، وصورة الوطن الذي يصر على التسلل إلى الحياة اليومية مهما حاول الأبطال تجاوزه، في محاولة لنسج خيوط الحياة من قلب "الهامش"؛ سواء كان جغرافيًا أو اجتماعيًا أو نفسيًا.
سرديات الذاكرة.. عندما يصبح الوطن "قصة"
إذا حاولنا تفكيك بعض هذه الأعمال، سنعثر على تلك الأسئلة الوجودية تستتر تحت طبقات السرد. ففي أفلام مثل "باي باي طبريا"، تقدم المخرجة دراما أكثر حميمية، تُبنى على ذاكرة عائلية تتناقلها النساء، وينسج الفيلم خيوطه الدرامية من سؤال الهوية وتأثير المنفى على الأجيال.
تطرح الدراما هنا سؤالًا هادئًا لكنه مُفعم بقلق داخلي: "ماذا نفعل عندما يصبح الوطن مكانًا يُعرف عبر القصص فقط؟"، وكيف يمكن لامرأة فلسطينية أن تُعيد صياغة علاقتها بوطن غادرته الأم قسرًا؟ ليحول الفيلم التاريخ السياسي إلى سرد نسوي حساس، تقوده علاقة أم/ابنة تحاول ترميم ما تبقى من ذاكرة طبريا.
وهو ذاته الخط الدرامي الذي ينطلق منه فيلم "عائدة" (Ayda Return)، معتمدًا على السؤال نفسه، ولكن بحكاية تختلف كليًا؛ حيث يُمزج التسجيلي بالدرامي حول عودة رُفات الأم "عايدة" إلى فلسطين لكي يُدفن في المنزل القديم الذي عاشت به في حيفا، تنفيذًا لوصيتها.
هذا التوجه نحو "الدراما الإنسانية" وليس "التوثيق الجاف" هو ما تلفت إليه الناقدة منار خالد، التي ترى أنه في ظل الحرب والتوترات السياسية، لا يمكن أن نتوقع انفصال الأفلام القادمة من بلاد محتلة عن واقعها.
وتوضح "منار" أن فلسطين ليست وحدها في هذا المضمار، فسوريا والسودان وغيرهما قدموا تجارب مشابهة؛ مثل "نزوح" و"السباحتان" من سوريا، أو "الحديث عن الأشجار" و"ستموت في العشرين" من السودان.
وتؤكد أن أهم ما يميز هذه الأفلام القادمة من بلاد أنهكتها الحروب، هو القدرة على التعبير عن الأزمة بدراما وفنيات تتخطى حدود التوثيق؛ فهي أعمال تحظى بوجود دراما لا تنفصل عن واقعها المؤلم، ولكن بين شخصيات درامية صاحبة بناء واختلافات.
ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في فيلم "أحلام عابرة" للمخرج رشيد مشهراوي، الذي يقدم "رحلة بحث" عن طريق طفل، وأثناء تلك الرحلة تتقاطع الأحداث السياسية بصفتها جزءًا لا ينفصل عن واقع البلاد، وهو ما يذكرنا بفيلم "غزة مونامور"، الذي بُني أساسه على قصة حب بين رجل وامرأة كبيرين في العمر، وكيف كان لواقع البلاد أثر بالغ على كافة المخاوف من وجود هذه العلاقة.
هذه التيمة، تيمة البحث عن الذات وسط الشتات، تكررت أيضًا في أعمال عُرضت مؤخرًا عبر شاشات مختلفة، مثل فيلم "إلى عالم مجهول" للمخرج مهدي فليفل، وفيلم "الأستاذ" للمخرجة فرح نابلسي، وفيلم "فلسطيني على الطريق"، والفيلم الوثائقي "السبع موجات" لأسماء بسيسو؛ فجميعها تغزل خيوطها من "الهامش" لتروي المركز.
سينما "المسافة صفر".. المعنى تحت القصف
على الجانب الآخر من الذاكرة، تعتمد مجموعة أخرى من الأفلام على سردية "المواجهة المباشرة مع الحرب" والاشتباك الآني مع اللحظة.
يتجلى هذا بوضوح في مشروع "من المسافة صفر"، المكون من 22 فيلمًا قصيرًا تروي الحكايات من قلب الإبادة، كاشفة كيف يعيش ويشعر الأفراد بمختلف أعمارهم تحت القصف، حيث تختلط المشاعر بين الألم، والخوف، والضحك، والدموع.
وفي السياق نفسه، يشترك فيلم "ضايل عنا عرض" (للمخرجة المصرية مي محمود سعد والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف)، الذي يروي حكاية "فرقة سيرك غزة الحر"؛ حيث يتجول أعضاؤها لإسعاد الأطفال النازحين داخل المخيمات، في مواجهة واضحة للموت والأشلاء، وسعي وراء الاستمرار والبحث عن المعنى والحب والسعادة.
هذه التيمة: "الحياة رغم الموت"، تكررت في أفلام روائية وتسجيلية أخرى عُرضت مؤخرًا، مثل "كان يا مكان في غزة" للأخوين عرب وطرزان ناصر، وفيلم "حبيبي حسين" للمخرج أليكس بكري، وفيلم "من لا يزال حيًا" للمخرج نيكولاس وايدموف.
وهذا التدفق الغزير للأفلام الفلسطينية، يراه الناقد هيثم مفيد بمثابة "مسمار في نعش صورة الكيان المحتل". ويوضح "هيثم" أنه يُثمن أي مشاركة بفيلم فلسطيني في المحافل الدولية والمحلية، سواء كان جيدًا أو متوسطًا أو حتى ضعيف المستوى؛ لأن خروج أي إنتاج للنور بعد الإبادة الممنهجة هو انتصار في حد ذاته.
يشير "هيثم" إلى نقطة فنية هامة تتعلق بتفاوت الجودة، قائلاً: "وارد طبعًا مع ضعف الإمكانات الإنتاجية أن تخرج بعض الأعمال متواضعة، وخاصة في الأفلام التسجيلية، ولكن هناك أيضًا إنتاجات مميزة جدًا، مثل الفيلم الوثائقي (لا أرض أخرى) الذي تُوج بجائزة في الأوسكار، وفيلم (باي باي طبريا)".
لكن "هيثم" يلفت النظر إلى تحول جوهري في ذائقة التلقي، موضحًا أن "القصة" باتت هي المعيار وليست "الدموية"؛ فالجمهور أصبح لا يحبذ رؤية المشاهد الدموية والموتى، لأن عيونه تشبعت بهذه المشاهد خلال العامين السابقين؛ لذلك كلما كانت القصة إنسانية أكثر، كانت فرصتها أكبر في الوصول للجمهور.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تميز أعمال الأخوين ناصر (كان يا مكان في غزة)، لأن الفيلم يحمل قصة إنسانية تتضمن نقدًا سياسيًا واجتماعيًا داخليًا، بعيدًا عن فجاجة الموت المباشر.
تحولات المخرجين.. وتأثير "العقل الجمعي"
لم يتوقف تأثير الحرب عند حدود ظهور أفلام جديدة، بل امتد ليغير "جلد" مخرجين كبار.
يرى هيثم مفيد أن ما حدث في غزة غيّر الكثير على مستوى تفكير صناع الأفلام، وهو ما نلمسه في تجربة المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، المعروفة بتقديم مضامين اجتماعية؛ إذ عادت في فيلمها "فلسطين 36" لتقديم قصة تاريخية واقعية عن قوى الاستعمار البريطاني، مواكبةً لما حدث على مدار العامين الماضيين؛ لتسليط الضوء على جذور ما يجري في غزة، والذي هو جزء لا يتجزأ مما بدأ قبل 1948 من تهجير وقتل.
هذا التأثير تجاوز الجغرافيا العربية؛ فصناع السينما الأوروبيون تأثروا أيضًا بما يجري، لأن العقل الجمعي بات مهمومًا بهذه القضية.
ويتجلى ذلك في فيلم "كونتيننتال 25" (Continental 25) للمخرج الروماني رادو جود، الذي عُرض مؤخرًا وتضمن مشهدين يتعرضان بشكل صريح لما يجري في غزة.
هذا الزخم العالمي والمحلي واكبته منصات العرض أيضًا، حيث أطلقت مهرجانات وبرامج ثقافية (مثل مهرجان الإسكندرية وأسبوع أفلام جوته) برامج خاصة بعنوان "فلسطين في القلب"، عُرضت خلالها مجموعة متنوعة من الوثائقيات مثل: "الحجارة الناطقة"، "بعيدًا عن الشمس"، "فنانو غزة هل تسمعوننا"، و"شيرين"، والفيلم الروائي القصير "بلا جواب"، بالإضافة لمشاركات مصرية داعمة مثل "لاجئ" و"من أين تأتي الصورة".
الوثائقي الذاتي.. الكاميرا "شاهد عيان"
وعلى صعيد السينما الوثائقية، تشير الناقدة منار خالد إلى أن الرصد السينمائي لم يقتصر على الروائي، بل قدمت الوثائقيات "حالة توثيقية" مغايرة تبتعد عن التقرير الإخباري.
نموذج ذلك فيلم "الحياة حلوة" للمخرج محمد الجبالي، الذي يوثق الأزمة الفلسطينية من واقع عمله كمخرج، وكيف أثرت تلك النشأة في وجوده السينمائي.
وكذلك فيلم "حالة عشق"، الذي يوثق رحلة الطبيب غسان أبو ستة، وما شاهده على مدار عمله مع ضحايا الحرب في غزة، في سردية تتقاطع بصريًا مع حياته وعائلته أيضًا؛ ليخلق حالة توثيقية تمتزج فيها "الذات" مع "الحدث العام".
سينما تتخطى "نبرة الصراخ"
وفي النهاية، يمكن القول إن ما يميز الموجة السينمائية الفلسطينية الحالية، رغم تفاوت مستوياتها الفنية، هو قدرتها على تجاوز "الفخ الإخباري".
تخلص "منار خالد" إلى أن هذه النماذج السينمائية هي الإجابة العملية على سؤال "سلبيات وإيجابيات" السينما الفلسطينية؛ فهي أفلام لم تتبنَ نبرة الصراخ أو أسلوب التقارير الجافة التي نشاهدها على قنوات الأخبار.
إنها معايشات لشعب يحمل الهموم، والأحلام، والإخفاقات أحياناً. شعب لا يطلب "التعاطف" فقط، بل يحتاج إلى "الرؤية"؛ رؤيته وهو يحب، ويعمل، ويعاني من سقطات نفسية.
هذه هي المعادلة الصعبة التي حققتها السينما: خلق طرق درامية لا تنفصل عن واقعها الدامي، ولكنها في الوقت نفسه تخلق حالة إنسانية تتخطى مجرد الرصد الإخباري للموت.
