"بيت العيلة".. مقبرة للأحلام وجحيم يبتلع النساء

بصوت خافت مرتعش: "كلميني وقت تاني، لما أكون لوحدي هكلمك أنا".. ثم أغلقت رضا -اسم مستعار- الهاتف في وجهي.
ورضا البالغة من العمر 24 سنة، متزوجة ولديها طفلين وتعيش في بيت عائلة مع حماتها وحماها وأشقاء زوجها، و
تقول لـ فكّر تاني: "احنا هنا في بيت عيلة يعني كل حاجة في إيد حماتي هي اللي تؤمر وتنهي حتى جوزي بيسلم لها القبض أول كل شهر في إيدها وهي اللي بتقرر هنصرف كام وهنشتري إيه!!".

وتستكمل رضا من محافظة كفر الشيخ: "أنا عايشة في جحيم عمري، ما حسيت إني في بيتي.. مقدرش أعترض على حاجة ولا أشتكي من حاجة.. حتى الأكل والنَفًس بيحسبوهم عليا.. وشقتي مفتاحها مع حماتي وأخت جوزي، اللي بتمد ايدها وتاخد أي حاجة من حاجتي ومعرفش انطق، حتى أمي بتقولي أسكت!!".

تتعرض رضا للسب والإهانة من حماتها والضرب من زوجها، وتقول إنها لا تستطيع الاعتراض فقالت لها حماتها ذات مرة: "كل واحد لازم يربي مراته ويشكمها".

تتصاعد جرائم العنف ضد النساء في مصر خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ. وتكررت جرائم قتل النساء على يد أزواجهن في الفترة الأخيرة في مختلف المدن والمحافظات. ومؤخرًا شهدت محافظة المنوفية -وحدها- خلال الأسابيع الماضية أربع حالات لزوجات تم قتلهن على يد الزوج لأسباب مختلفة.

كما أن ارتفاع معدل جرائم العنف ضد النساء يثبت فشل القوانين والحكومة في ردع هذا العنف ووضع حد له بعدما أظهرت التقارير نسب مخيفة تظهر مدى تصاعد العنف ضد المرأة.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في آخر مسح سكاني عام 2021، إلى أن: نحو ثلث النساء المتزوجات في الفئة العمرية بين 15 و 49 عامًا تعرّضن لشكل من أشكال العنف على يد الزوج أو الشريك، سواء نفسيًا أو جسديًا أو جنسيًا، وذلك بحسب مسح أُجري عام 2021.

كما يرصد تقرير مرصد جرائم العنف الموجه ضد النساء في مصر لعام 2024 عدد الجرائم بـ 1195 جريمة عنف ضد النساء والفتيات. وسجلت 1006 جريمة قتل في عام 2022، وفي عام 2023 سجلت 950 جريمة. كما تم رصد جرائم القتل إجمالي 363 جريمة، تلتها 153 جريمة اغتصاب، و182 جريمة تحرش جنسي، و100 محاولة قتل، كما سجل التقرير عدد 97 حالة انتحار لنساء إلى جانب 33 محاولة لم تنجح.

كما أشار تقرير المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021 إلى تعرض 31% من النساء للعنف الأسري، ومنهم 25.5% يتعرضن لعنف جسدي، مقابل 5.6% يتعرضن لعنف جنسي.

اقرأ أيضًا:تقرير: 495 جريمة عنف منزلي في النصف الأول من 2025

بيوت الرعب

ما يحدث خلف أبواب "بيوت العيلة" في الريف المصري بات حديث منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا، بالتزامن مع تواتر جرائم العنف ضد النساء في القرى. وتحكي نوال -اسم مستعار- لـ فكّر تاني، أنها تعرضت لكسر في ذراعها بعد شهر واحد فقط من زواجها بسبب حماتها.

تستكمل نوال التي تسكن إحدى قرى البحيرة، قائلة: "حماتي لو شافتني أنا وجوزي عايشين في راحة، لازم توسوس له عشان يعمل أي مشكلة ويضربني.. وفي مرة كسر لي دراعي! غضبت عند أهلي، لكنه جه يصالحني ورجعت معاه لما أهلي عرفوا إني حامل".

وتضيف نوال التي مر على زواجها عامين: "بيت العيلة ده أسوأ حاجة في الأرياف.. مفيش سر بيني وبين جوزي، وكل اللي بيحصل بينا، حماتي وسلايفي عارفينه!".

وما تعيشه نوال، لا يختلف كثيرًا عما يحدث مع غادة -اسم مستعار- التي تطلقت مرة، ورغم ذلك عادت لبيت زوجها "مُجبرة" بعدما أكد لها والدها أنه لن ينفق على أطفالها.

وتقول غادة، التي تعول توأم وحدها وقد مر على زواجها 5 سنوات، بنبرة يائسة: "أبويا قالي مش هصرف عليكي جنيه!! وأجبرني أرجع لجوزي.. جوزي بيتعاطى مخدرات وحياتي معاه جحيم، وللأسف محدش قادر يسيطر عليه، حتى أمه بتدافع عنه باستمرار وبتقولي: "استحملي.. كلنا استحملنا وعايشين".

اقرأ أيضًا:“الموت” للنساء و”الرأفة” للقتلة.. 16 يومًا تكشف الرعب الكامن في القانون والمجتمع

كارثة مجتمعية

تصف مي صالح الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي، منظومة "بيت العيلة" في الريف المصري بـ "الكارثة" التي تحتاج لحل جذري، مؤكدةً أنها باب واسع لممارسة العنف ضد النساء.

مي صالح استشارية النوع الاجتماعي

وتقول مي لـ فكّر تاني: "بيت العيلة بوابة لمشاكل كتير.. وللأسف أهل الزوجة بيتجنبوا المواجهة وبيقولوا لبنتهم ‘لازم تستحملي‘.. وفي حالات كتير الزوج بيكون مسافر وسايب مراته خدامة لأمه وإخواته! الواقع ده لازم يتغير".

وتضيف أن الوضع ده مش بس بيخلي الراجل يتحكم فيها، ده بيدفع الست للانتحار لأنها تحت ضغط مستمر.. الحماه بتشتكي وتحرّض ليل نهار، والزوج بينفذ، وممكن الموضوع يوصل للقتل".

باسم "الشرف"..

يتحسر الحاج محمود على تبدل الأحوال في بيوت العائلة قائلًا: "زمان كانت الناس راضية والدنيا ماشية بالحب.. دلوقتي محدش بيعدي لحد كلمة، ومبقاش فيه دين ولا أخلاق، وللأسف أغلب الشباب في القرى والمدن بيشربوا مخدرات".

فيما تروي "صفية" مأساة ابنتها الكبرى التي تعيش في بيت عائلة مع 4 "سلايف"، قائلة: "بنتي شايفة الويل من حماتها وجوزها، لكن ما باليد حيلة.. عندها 3 عيال وجوزها للأسف بيشرب وأخلاقه سيئة جدًا، بيضربها دايما وباع أغلب عفشها عشان الكيف والمخدرات".

وتحكي صفية موقفًا مرعبًا: "في مرة جابها لينا مضروبة، واتهمها إنها بتدخل ابن خالتها البيت وهو مش موجود!! طعنها في شرفها.. ولما قعدنا قعدة عرفية طلع كداب وغلطان، وكان عامل المسرحية دي كلها عشان عايز يبيع خاتم هي كانت مخبياه بعيد عنه".

وتخشى صفية أن تموت ابنتها ضحية لعنف زوجها، لكنها قليلة الحيلة، خاصةً وأن زوجها متوفي ولا قدرة لها على تربية أحفادها.

وفي نوفمبر الماضي، قضت المحكمة بإعدام عريس في محافظة أسيوط، قتل زوجته في "الصباحية" وطعنها بسكين مدعيًا أنها "ليست بكرًا"، وهو ما نفاه تقرير الطب الشرعي تمامًا.

وتعلق مي صالح على هذه النوعية من الجرائم، مؤكدةً أن الكثير منها يحدث باسم "الشرف"، حيث يسعى الرجل لإثبات فحولته بمفاهيم مغلوطة تمامًا عن العلاقة الحميمة، فتكون العواقب وخيمة.

"الأمر ممكن يوصل للاغتصاب الزوجي.. ولو مشافش الدم ليلة الدخلة ممكن يدبحها عشان ينتقم لشرفه! الجهل ده مترسخ من سنين ومحتاج تغيير.. احنا بنشتغل بقالنا سنين لتغيير الثقافة وكأنه مفيش فايدة.. طالما العقليات دي موجودة هتفضل حياة الستات رخيصة.. لازم يكون فيه قوانين رادعة تحمي النساء".

ليس مريضًا نفسيًا

تؤكد الدكتورة نهال زين أخصائية الطب النفسي وعلاج الإدمان، أن ممارسة العنف ضد المرأة ليست بالضرورة عرضًا لمرض نفسي، لكنها تشير بأصابع الاتهام إلى "المخدرات" كعامل رئيسي في تدمير البيوت.

وتشرح الدكتورة نهال لـ فكّر تاني، قائلةً: "المخدرات والعقاقير بتلعب في كيميا المخ ووظائفه، وبتغير طبع البني آدم، حتى لو كان في الأصل طيب وهادي، مع الوقت بيتحول لشخص عنيف وفاقد للقدرة على الحكم الصحيح على الأمور".

وتضيف: "كمان الضغوط المادية والتوتر المزمن بيعملوا شرخ في العلاقات.. في رجالة ممكن يحسوا بالنقص وإنهم ‘مش كفاية‘ أو ‘مش مسيطرين‘، فبيحاولوا يغطوا الشعور ده بالعنف والعدوانية عشان يثبتوا وجودهم!".

بابًا للإفلات

يلتقط المحامي الحقوقي ياسر سعد طرف الخيط، كاشفًا عن "ثغرات" في القانون تسمح للقاتل أحيانًا بالإفلات من العقاب الرادع، وعلى رأسها المادة 60 من قانون العقوبات.

"المادة دي بتقول إن أي فعل بيتم بنية سليمة ومباح في الشريعة لا يعتبر جريمة.. وده اللي بنسميه ‘أسباب الإباحة‘.. الكارثة هنا إن المحكمة ممكن تشوف ضرب الزوج لمراته ‘تأديب‘ وده حق مقرر في الشريعة من وجهة نظر البعض، وهنا بيحصل الصدام بين القانون اللي بيجرم الضرب، وبين تفسيرات الشريعة!".

ويضيف ياسر مشيرًا إلى الثغرة الثانية: "جرائم الشرف.. دي بقى الباب الملكي لتخفيف العقوبة! المتهم يتهم الضحية بالزنا، ورغم إن إثبات الزنا صعب جدًا قانونًا، لكن توسعت المحاكم في المفهوم ده، وأي شك بيتاخد بيه لصالح المتهم عشان ياخد حكم مخفف.. ودي عقبة كبيرة بتضيع حق الستات".

تطبيع العنف

ومن جانبها تُرجع انتصار السعيد المحامية بالنقض ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، تفشي العنف الزوجي إلى "التطبيع" المجتمعي مع الجريمة.

تقول لـ فكّر تاني: "الثقافة الذكورية لسه مسيطرة، فكرة ‘الولاية‘ وإن الراجل من حقه يربي مراته! المجتمع بيسمي العنف ‘تأديب‘ أو ‘حفاظ على البيت‘، وبيضغط على الست تكمل عشان ‘ضل الراجل‘ وعشان كما الطلاق عيب!".

وتضيف انتصار معددة الأسباب: "الأزمات الاقتصادية خلت الناس على أخرها، والأزواج بيفرغوا غضبهم في الطرف الأضعف.. مفيش وعي بالصحة النفسية، واضطرابات الغضب والإدمان مالية البيوت".

وعن المأساة القانونية تقول: "الست بتخاف تبلغ عشان عيالها ومفيش دخل ليها، ولو راحت القسم بيضغطوا عليها تتصالح.. بيتعاملوا مع كسر العضم وإهانة الكرامة على إنه خلاف أسري مش جريمة.. وده أخطر شيء!".

صرخة لـ "قانون موحد"

وفي البرلمان، ترى الدكتورة مها عبد الناصر، عضوة مجلس النواب، أن الوضع لم يعد يحتمل الصمت، قائلة في حديثها مع فكّر تاني: "الموضوع بقى مستفز وزاد عن حده جدًا.. قلة الوعي ومفهوم الشرف المغلوط والضغط الاقتصادي، كل دي قنابل موقوتة".

الدكتورة مها عبد الناصر

وتستكمل بنبرة غاضبة: "لازم نغير الثقافة الذكورية وفكرة إن الراجل يملك الست.. الكلام ده ملوش أصل في الدين! عشان كدة بنطالب بسرعة إقرار ‘قانون مكافحة العنف الموحد ضد المرأة‘.. القانون ده بقى ضرورة حياة أو موت".

وتناشد مها وزارة الداخلية: "لما بنت تبلغ عن عنف أو تهديد، لازم التدخل يكون فوري.. التهديد النهاردة بيبقى قتل بكرة".

وتتفق معها انتصار السعيد، مطالبة بقانون شامل يعرف العنف الزوجي بوضوح، ويغلظ العقوبات. وتنصح بضرورة تدريب الضباط ووكلاء النيابة والقضاة على التعامل مع قضايا العنف الأسري: "لازم وحدات متخصصة، وبيوت آمنة للستات اللي بتهرب من الموت، وتمكين اقتصادي حقيقي يخليها تقدر تقول ‘لأ‘...".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة