الذهب “يحمي” ظهر المركزي.. لماذا قفز الاحتياطي رغم تراجع “الكاش”؟

واصل الاحتياطي النقدي المصري الارتفاع خلال عام 2025 بوتيرة مطردة، ليصعد بقيمة 3.1 مليار دولار خلال الـ 11 شهرًا الماضية، من مستوى 47.10 مليار دولار بنهاية 2024، إلى 50.21 مليار دولار في نوفمبر 2025.

ومع تلك الزيادة، احتل الاحتياطي النقدي المصري المرتبة الثالثة إفريقيًا، متجاوزًا نيجيريا التي تملك 46.7 مليار دولار، وخلف ليبيا التي تتربع على عرش القارة السمراء باحتياطيات تبلغ 98.8 مليار دولار، وجنوب إفريقيا التي تحتل المركز الثاني بأرصدة تصل إلى 71.6 مليار دولار.

يعزو مسؤول بالبنك المركزي ارتفاع الاحتياطي إلى نجاح السياسات المالية والنقدية المتبعة مؤخرًا في تعزيز موارد النقد الأجنبي، وجذب رؤوس الأموال، وتحسين ميزان المدفوعات؛ مما يمنح الاقتصاد مرونة في تغطية التزاماته الخارجية، وضمان واردات البلاد من السلع الاستراتيجية.

ينظر المسؤول إلى ارتفاع الاحتياطي كنجاح لسياسة مرونة سعر الصرف التي اتبعها البنك في ضوء برنامج صندوق النقد الدولي؛ إذ أعادت العملة الصعبة لخزائن البنوك بدلًا من السوق السوداء، وجذبت الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، فضلًا عن تحسن غالبية موارد النقد الأجنبي.

تحويلات المصريين بعد التعويم

ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي (يناير/سبتمبر 2025) بمعدل 45.1% لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 30.2 مليار دولار (مقابل نحو 20.8 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق).

وبحسب بيانات “المركزي”، ارتفعت التحويلات خلال شهر سبتمبر 2025 فقط بمعدل 30.9% لتسجل نحو 3.6 مليار دولار، مقابل نحو 2.7 مليار دولار خلال شهر سبتمبر 2024.

شجع تخفيض سعر الجنيه أمام الدولار المغتربين على إعادة التوجه إلى القطاع المصرفي لتحويل مدخراتهم، خاصة أن البنك المركزي يتيح فائدة على الأوعية الادخارية وشهادات الاستثمار، سواء بالجنيه أو الدولار، تفوق كثيرًا نظيرتها في الدول التي يعملون بها.

وقفز حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر ليتراوح بين 8 و10 مليارات دولار سنويًا، وتستهدف الحكومة زيادتها بنسبة تتراوح بين 20 و30% خلال العام الجاري، مع توقعات بوصولها إلى 12 مليار دولار بنهاية العام المالي الحالي.

أرشيفية - الإنترنت
أرشيفية – الإنترنت

الأموال الساخنة تتدفق

وفي الوقت ذاته، ارتفعت الأموال الساخنة (استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة) عبر السوق الثانوية للدين الحكومي، في ظل العائد الكبير الذي تقدمه أدوات الدين الحكومية المصرية التي تبلغ حاليًا 26.5%، وهو من أعلى معدلات الفائدة في العالم.

واستثمر الأجانب 11.7 مليار دولار في أدوات الدين الحكومية المصرية خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي، ومن المتوقع ارتفاع استثماراتهم بشكل أكبر مع خطة وزارة المالية لطرح أدوات دين بقيمة 2.524 تريليون جنيه خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي.

أسهمت تلك التدفقات ــ بحسب بنك “جولدمان ساكس” ــ في استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار وتخفيف الضغط على الاحتياطيات الدولية، خاصة أن الجنيه يُعد حاليًا ثاني أكثر العملات المقوّمة بأقل من قيمتها الحقيقية بين عملات الأسواق الناشئة بنحو 30%.

لكن إمكانية خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من السوق دون ضوابط قد يؤدي إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي واحتياطياته، ويتبع ذلك انخفاض قيمة العملة المحلية؛ فترتفع معدلات التضخم.

ونظرًا لأن تلك الأموال تبحث دائمًا عن الربح السريع، فإنها تُعد مصدرًا غير مستقر لتدفقات النقد الأجنبي، مع خروجها السريع حال حدوث أي تقلبات إقليمية أو عالمية.

وقال الدكتور محمد معيط، وزير المالية السابق، إبان توليه المنصب، إن حوالي 15 مليار دولار غادرت مصر أثناء أزمة الأسواق الناشئة عام 2018، وما يقرب من 20 مليار دولار عند تفشي جائحة “كورونا” عام 2020، كما تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 في خروج 21.5 مليار دولار من قيمة الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة.

السياحة وقناة السويس والتصدير

خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، حققت مصر 9 مليارات دولار من إيرادات السياحة، مع توقعات بارتفاع الرقم بشكل أكبر في الإحصائية السنوية الكاملة، في ضوء معدلات الزيارة التي قفزت بعد افتتاح المتحف المصري الكبير مطلع نوفمبر الماضي.

وتوقع حسام الشاعر، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العام للغرف السياحية المصرية، تحقيق إيرادات سياحية تصل إلى 18 مليار دولار هذا العام (العام المالي المنتهي في يونيو المقبل) مع دور المتحف المصري الكبير في جذب المزيد من الوفود والحركة السياحية.

وتنتظر مصر أيضًا تحسنًا في عوائد قناة السويس بعد هدوء الملاحة بالبحر الأحمر وتوقف هجمات الحوثيين؛ إذ قال الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، إن شهر نوفمبر تحديدًا سجّل أعلى معدلات الزيادة في العبور والعائدات، وذلك بعد فترة طويلة من التراجع عقب التوترات الإقليمية.

كما ارتفعت صادرات مصر غير البترولية 18.6% على أساس سنوي خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري مسجلة 40.5 مليار دولار، بحسب تصريحات رئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، عصام النجار.

قناة السويس (وكالات)
قناة السويس (وكالات)

الديون والفوائد.. تحديات كبيرة

تكمن أهمية الاحتياطي في توصيفه كمؤشر للقدرة على سداد الديون الخارجية والدفاع عن العملة، لكنه يواجه تحديات تعوق وتيرة صعوده التي تدور في فلك 140 مليون دولار شهريًا في 2025، رغم التحسن الكبير في غالبية مؤشرات النقد الأجنبي الوارد لمصر.

يرجع السبب الرئيسي لتلك الظاهرة إلى ملف أقساط الديون؛ فمصر سددت 3 مليارات دولار (فوائد وأقساط) خلال 3 أشهر فقط من العام المالي 2024/2025، وسبق أن سددت 52 مليار دولار قيمة الالتزامات الخارجية المستحقة عليها خلال العامين الماليين (2021 – 2022) و(2022 – 2023).

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 6 مليارات دولار منذ بداية 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار في نهاية الربع الثاني، مقابل 155.1 مليار دولار في الربع الرابع من 2024، وفق ما أظهرت بيانات البنك المركزي ووزارة التخطيط.

الذهب هو المنقذ للاحتياطي

يرى المحلل المالي مصطفى عادل أن الذهب هو المنقذ للاحتياطي النقدي المصري خلال الأشهر الماضية، مضيفًا أن مكونات الاحتياطي النقدي كأرصدة العملات الأجنبية تراجعت للشهر الرابع على التوالي، بينما استقر الذهب عند مستويات قياسية؛ مما رفع قيمة مكون الذهب بالاحتياطي.

ويتكون الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر من الذهب وسلة من العملات الدولية الرئيسية مثل الدولار الأمريكي و”اليورو” والإسترليني، ووحدات السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي.

وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفع احتياطي الذهب إلى 4.13 مليون أونصة بنهاية يوليو 2025، ما يعادل 128.4 طن ذهب، وذلك بعدما اشترى البنك خلال الأشهر الـ7 الأولى من العام الجاري (يناير ـ يوليو 2025) نحو 55 ألف أونصة ذهب جديدة (تعادل 1.7 طن).

واحتل البنك المركزي المرتبة الـ 12 عالميًا بين أكثر البنوك المركزية شراءً للذهب خلال النصف الأول من 2025، بمشتريات صافية بقيمة 1.7 طن، وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي.

ويضيف عادل أن رصيد الذهب باحتياطي النقد الأجنبي لمصر ارتفع بنحو 707 ملايين دولار خلال نوفمبر مسجلًا 17.2 مليار دولار، بينما هبط رصيد الأموال السائلة للعملات الأجنبية للشهر الرابع على التوالي بنحو 445 مليون دولار إلى نحو 32.9 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي.

وأشار أيضًا إلى أن وحدات السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي تراجعت بنحو 118 مليون دولار لتسجل 61 مليون دولار في نوفمبر الماضي باحتياطي النقد الأجنبي لمصر، ما يشير إلى دور الذهب في دعم الاحتياطي النقدي.

الذهب كان سببًا في إنقاذ المركزي
الذهب كان سببًا في إنقاذ المركزي

ارتفاع الاحتياطي مؤشر مهم

يرى الدكتور أحمد نعماني، الخبير المصرفي، أن ارتفاع الاحتياطي لا يُعد مجرد تحسن دوري، بل يمثل مؤشرًا استراتيجيًا على استقرار السوق، وارتفاع تدفقات النقد الأجنبي، وتحسن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، فهو خط الدفاع الأول عن استقرار العملة، وتمويل الواردات، والحفاظ على توازن ميزان المدفوعات.

وكشف تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي عن العام المالي 2024/ 2025، عن تسجيل ميزان المدفوعات عجزًا كليًا قدره 2.1 مليار دولار، مقارنة بفائض كلي قدره 9.7 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة، وجاء العجز رغم تحسن ملحوظ في عجز الحساب الجاري، الذي تراجع لـ 15.4 مليار دولار مقابل 20.8 مليار دولار في العام السابق.

ويضيف نعماني أن وصول الاحتياطي لهذا المستوى يعكس مؤشرات إيجابية، مثل استقرار السياسات النقدية خلال العام المالي الحالي، وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، سواء عبر السياحة، أو التحويلات، أو الاستثمار الأجنبي، أو الصادرات، وقدرة الدولة على إدارة التزاماتها قصيرة وطويلة الأجل دون ضغوط.

مصر تسدد مبالغ قياسية

وبحسب بيانات مجلس الوزراء، فإن إجمالي ما تم سداده خلال عام 2024 من التزامات وصل إلى 38.7 مليار دولار، بينما تشير تقارير البنك المركزي إلى أن ذلك المبلغ يتوزع بين 30.2 مليار دولار أصل دين و8.5 مليار دولار فوائد.

ووفقًا للخبير المصرفي، فإن تحسن الاحتياطي سيؤدي لزيادة الثقة الدولية في الاقتصاد المصري، وهو ما يظهر في تحسن تقييمات المؤسسات المالية العالمية، وانخفاض مستويات المخاطر المرتبطة بالدين الخارجي، مما يعزز قدرة الدولة على الاقتراض بأسعار فائدة أفضل إذا دعت الحاجة، وتعزيز استقرار سعر الصرف نتيجة زيادة قدرة البنك المركزي على التدخل عند الضرورة، وتحسن معدلات التضخم على المدى المتوسط، نتيجة السيطرة على الضغوط السعرية المرتبطة بالسلع المستوردة.

وإذا استمرت نفس وتيرة التدفقات وتحسن المؤشرات، فمن المتوقع أن يحافظ الاحتياطي الأجنبي على مساره الصاعد خلال النصف الأول من 2026، خاصة مع استمرار الإصلاحات الهيكلية، والتوسع في مشروعات البنية التحتية، وجذب استثمارات نوعية، بحسب نعماني.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة