بعد جدل ورد وشيكولاتة.. ما هو النموذج النسائي المُستحق للتعاطف؟

مؤخرًا، طرحت منصة "Yango play" أحدث إنتاجاتها الدرامية "ورد وشيكولاتة"، من تأليف محمد رجاء، وإخراج ماندو العدل، والذي يفتح بابًا واسعًا من الجدل، ليس لجودته الفنية فحسب، بل لكونه يطرح قضية حساسة للغاية: مقتل مذيعة شهيرة على يد زوجها بطريقة بشعة.

تضاعفت حالة الإثارة والترقب لأن الحبكة لم تكن خيالًا دراميًا بحتًا، بل نُسجت خيوطها من أوراق قضية حقيقية هزت الرأي العام، لمذيعة ذاعت شهرتها بعد مقتلها المأساوي على يد شريك حياتها. ورغم التغييرات الدرامية الطفيفة، حافظ العمل على الملابسات الأساسية للجريمة، وهو ما أكدته والدة الإعلامية الراحلة -صاحبة القصة الحقيقية- في تصريحات متعددة عبر لقاءات صحفية وإخبارية، مشيرةً إلى التقاطع الواضح بين ما عُرض على الشاشة ومأساة ابنتها.

تشريح شخصية "مروة هادي"

جسدت الفنانة زينة شخصية "مروة هادي"، التي تقع في حب "صلاح نجم" (محمد فراج). وقد قُدمت بصفتها إعلامية تمتلك صيتًا واسعًا، وشبكة من العلاقات والنفوذ، محاطة بمعجبين كثر، وتتمتع بمستوى اجتماعي ومادي لافت.

رُسمت الشخصية بعناية لتكون امرأة ذات رأي، تثير القضايا وتفضح الفساد، مع إشارات ذكية لتطورها المادي والاجتماعي بطرقها الخاصة، وعلاقاتها المتعددة بالزواج. بينما لم يغفل النص التطرق إلى لحظات ضعفها وقوتها، وتطلعها المستمر للمناصب والترقي الاجتماعي.

إنها شخصية "من لحم ودم"، ورغم تقاطعها مع الشخصية الحقيقية، إلا أنها صُممت دراميًا لتخلو من النمطية المعتادة.

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

الشيفرة الخفية لمستحقات التعاطف

اعتاد المُشاهد طوال سنوات عديدة، سواء في الواقع أو عبر شاشات السينما والدراما المصرية، أن يرى ضحايا العنف النسوي في قوالب محددة؛ يتعرضن للقتل، التحرش، الاغتصاب، الابتزاز، أو التعنيف. ووفق أغلب الرؤى الدرامية، تشكلت "صورة ذهنية" ثابتة لهؤلاء الضحايا.

وبالعودة إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، نجد "هنادي" في رائعة طه حسين وهنري بركات "دعاء الكروان"، تلك البدوية الساذجة التي "ضحك عليها" المهندس، وصولًا إلى مسلسل "قضية رأي عام" للمخرج محمد عزيزية، حيث تتمحور شخصيات النسوة اللاتي تعرضن للاغتصاب حول نماذج محددة: الطبيبة المرموقة (يسرا) بملابسها المحتشمة وسلوكها القويم، أو الطبيبة الشابة والممرضة ذوات الأصول الريفية البسيطة.

هذه النماذج نالت تعاطفًا ودعمًا جماهيريًا كاسحًا، وانتهت الأعمال بالاحتفاء بانتصارهن.

ولكن ورغم أهمية الأعمال التي عرضت لهذه النماذج بصور تميزت بالجرأة في وقتها، بقي اجتزاء الشخصيات يرصد خطابًا دراميًا يكشف كيف ترسخت الصورة النمطية المحددة جدًا للمرأة التي "تستحق" أن نتعاطف معها عند تعرضها للعنف.

الفنانة الراحلة زهرة العلا في دور هنادي بـ"دعاء الكروان"
الفنانة الراحلة زهرة العلا في دور هنادي بـ"دعاء الكروان"

فخ "الضحية المثالية"

بما أننا بصدد عمل جديد يستند إلى واقعة حقيقية، فلا يمكن إغفال تأثير قضية "الفيرمونت" الشهيرة، التي كانت مادة خصبة لمسلسل "الطاووس" (2012) بطولة سهر الصايغ وإخراج رؤوف عبدالعزيز.

كان اختيار الممثلة هنا مقصودًا بعناية؛ فالدور لفتاة تتعرض للاغتصاب الجماعي، لذا لجأ الصناع لاستقطاب فنانة يُعرف عنها التحفظ وعدم تقديم أدوار جريئة.

هذا الاختيار، مع كامل الاحترام للحرية الشخصية لكل ممثلة، قد يحمل في طياته "السم في العسل".

إنه يربط التعاطف بشكل شرطي مع "الاحتشام الشديد"، والملابس الواسعة، والهدوء، وقلة الحيلة. حتى مشهد الاغتصاب ذاته تم اقتطاعه، وكأن العمل يستجدي التعاطف عبر "طهارة" الضحية فقط.

تكرر هذا النهج، قولبةً تلو أخرى، وصولًا لمسلسل "صوت وصورة" (2024) للمخرج محمود عبد التواب. إذ لم تتغير المعايير؛ اختيار البطلة "حنان مطاوع"، الممثلة ذات الباع الطويل في الأدوار المحافظة، والذي يضمن تعاطف المشاهد مقدمًا.

نرى الضحية هنا محجبة، محتشمة، تقطن منطقة شعبية، وقليلة الحيلة أمام الطبيب المتحرش. إنها تتبع كل "المعايير الطبقية والمجتمعية" لتكون ضحية "مثالية" تستحق الدموع.

مروة هادي كاختبار للوعي

هنا تكمن أهمية مسلسل "ورد وشيكولاتة" وشخصية "مروة هادي"، خصوصًا وأن النماذج الدرامية السابقة كرست -دون قصد ربما- لقبول العنف ضد النساء اللواتي يخرجن عن "الكتالوج" المعتاد للضحايا.

في "ورد وشيكولاتة"، لا توجد "ملائكية" في طرح الشخصية، وكذلك الحال مع الجاني.

إنهم بشر يحملون همومًا، وأحلامًا، وسقطات، وماضيًا مثقلًا بمآسي الطفولة. وهم خليط من الخير والشر. ورغم وضوح جريمة القتل واستحقاق الجاني للعقاب، إلا أن العمل أشار بذكاء إلى نمط "الجاني الثري" الذي يمارس العنف، محاولًا في الوقت ذاته تفكيك فكرة أن السلطوية الذكورية تحتاج دائمًا لثراء فاحش، بل هي امتيازات مجتمعية قد يتمتع بها الرجال بمختلف طبقاتهم.

الأزمة هنا أن الدراما المعتادة تضعنا في فخ "الترقية الجندرية": رجل غني قوي مقابل فتاة فقيرة ضعيفة، مما يسهل التعاطف السطحي.

مشهد من العمل
مشهد من العمل

جوقة التحريض.. شركاء تكريس العنف

وسط حالة الجدل تلك، طفت على سطح مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات صادمة، لا تكتفي بدعم قتل الشخصية الدرامية، بل تحرض على قتل كل من يشبهونها في الواقع. والمفارقة المؤلمة أن هذه التعليقات، التي تغلف نفسها بطابع "الفكاهة السوداء"، طالت والدة الإعلامية الحقيقية، حيث لام البعض الجاني لأنه "لم يقتلها مع ابنتها"!

لقد أصبح التهديد بالقتل أو تمنيه مادة للتداول بين الجد والمزاح. والسبب؟ لأن الضحية هنا كسرت الحاجز الجندري وتساوت مع الرجل في طموح الترقي والطبقة.

مروة هادي (وزينة التي تؤدي دورها) كسرت نمط الاحتشام؛ فهي شخصية متفتحة، لم ترتدِ الحجاب، واختيار "زينة" التي اعتاد الجمهور جرأتها وصراحتها في حياتها الشخصية، ساهم في نزع "نية التعاطف المبيتة".

ونظرًا لمعرفة الجمهور ببعض ملابسات القضية الحقيقية، اعتبر الكثيرون أن طمع الضحية في الارتباط برجل ذي منصب أو تطلعها لأمواله مبرر كافٍ لقتلها.

أصبحت الرسالة الضمنية المرعبة: جزاء أي امرأة لا تلتزم بطبقتها، أو تكسر صورة "الفتاة البريئة الساذجة"، هو استحقاق العنف. هي ومن يدعمها، حتى لو كانت أمًا مفجوعة في ابنتها، تستحق أن "ترقد بجوارها" على سبيل المزاح "الفيسبوكي".

ما وراء الدراما

ربما يكمن التحدي الحقيقي ليس فقط في اختيار شكل الضحايا، بل في فضح محاولات إعادة إنتاج هذا النمط والمصادرة على حق من يحاول كسره. لذا، لابد من الإشادة بمحاولة "ورد وشيكولاتة" لكسر هذا التابوه.

والآن، علينا أن نطرح أسئلة مستمرة عن أشكال الجناة، ليس فقط القابعين خلف القضبان، بل المحرضين، وصناع الدراما الذين يعيدون إنتاج قوالب "الضحية المثالية"، فهم شركاء غير مباشرين في دعم العنف ضد أي امرأة لا تقع ضمن "خريطة الشكل المحبب" لديهم.

في هذا المشهد المعقد، تبقى محاولات الكسر والتساؤل هي ما يمنح الحكاية بعدها الحقيقي. إنه باب مشروع لإدراك مدى هشاشة الأنماط التي نُجبر على تكرارها، ومدى تأثيرها العميق في تشكيل رؤيتنا للعالم، وللنساء فيه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة