قبل نحو أسبوعين، حذَّرت حركة "حماس" من حسابات وهمية تحظى بجماهيرية طاغية على شبكات التواصل الافتراضي، تبثُّ بدأبٍ ممنهج الشائعات والصور المفبَّركة، والمواد الفيلمية المخلَّقة، سعيًا إلى هدم ثقة الشعب الفلسطيني البطل في رجال مقاومته البواسل.
وما هي إلا أيام حتى كشفت خاصية رصد مواقع الحسابات، التي استحدثتها منصة "إكس"، عن آلاف الحسابات التي تُدار من قِبل لجان وذباب إلكتروني، أو "روبوتات" لنشر محتوى يروّج دعائيًا لأنظمة سياسية، والتحريض على أخرى، وكذا توجيه الرأي العام لصناعة اضطراباتٍ داخلية في دولٍ مستهدفة.
ولم تكن تلك الحسابات تنطلق من مواقعها المعلنة؛ فعلى سبيل المثال، اتّضح وجود حسابات تُشيطن المقاومة، ويدَّعي أصحابها مكوثهم بغزة، فبيَّنت الخاصية المستحدثة أنها تبث من الهند والفلبين والإمارات.
وأظهرت عمليات تحليل محتوى أجرتها "إكس"، أن هنالك حسابات تخصَّصت في إذكاء جذوة النيران إبَّان الخلاف القطري السعودي، وأخرى تؤجج الكراهية بين الأشقاء في المغرب والجزائر على خلفية مسألة الصحراء الغربية، أو تتوخّى تفخيخ الجبهة المصرية والسورية الداخلية، وافتعال الخلافات بين طهران وعديد من العواصم العربية.
على أي حال، ومثلما لم يكن تحذير "حماس" الأول من نوعه، كانت واقعة "إكس" استنساخًا لوقائع سابقة، منها أن المنصة ذاتها رصدت عام 2020 حملات سيبرانية ممنهجة، لخلخلة الجبهات الداخلية في مصر وسوريا وإيران وتركيا.
قبل ذلك كانت شركة "فيسبوك" كشفت عن آلاف الحسابات الإسرائيلية الزائفة، وأقرت بعد تدقيق موسع أن هدف تلك الحسابات -التي أزالتها من فورها- تمثَّل في إشعالِ الفتن بين القواعد الجماهيرية العربية.
المؤامرات الإسرائيلية ليست من الفرات إلى النيل فحسب، بل من الخليج إلى المحيط، وتمتد أيضًا إلى تركيا وإيران، دون أن تستثني بلدًا بغض النظر عمَّا إذا كان منخرطًا في علاقة تطبيع أو يرفع ولو "حنجوريًا" شعارات المقاومة والممانعة.
والمؤسف أن التحذير الحمساوي الأخير قد ذهب كسابقيه أدراج الرياح؛ فالعرب مستغرقون في مصارعات الديكة ضد بعضهم بعضًا، مغيّبون في "تريندات" العبث، يتخبطون بين ما لبسته هذه الفنانة أو بالأحرى "لم تلبسه" في ظهورها الأخير، إلى علاقة ذاك المطرب بتلك الإعلامية، وصولًا إلى مشاحنات كرة القدم، ونحو ذلك من سفاسف الأمور.

كيف تتحكم في وعي الشعوب؟
في كتابه المعنوَّن "بين عصرين.. دور أمريكا في العصر التكنوتروني"، الصادر عام 1970، تنبأ زيجينيو بريجينسكي بأن أبرز سمات العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية، تتمثل في استخدام التكنولوجيا للتحكم بوعي الشعوب وتوجيهه لصناعة الرأي العام وفق أجندات سيحددها "حائزو هذا السلاح".
نبوءةٌ مثيرة للدهشة بالنظر إلى صدور الكتاب، قبل أن تعرف البشرية البثَّ الفضائي وشبكةَ الإنترنت ومنصات التواصل وتطبيقات الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، ونحو ذلك من مستحدثات.

هل صحيحٌ أن المفكرين والمبدعين لديهم ما يشبه الكرة البلورية التي ينظرون من خلالها المستقبل، كما يقول الراحل صلاح عبدالصبور في كتيبه الرشيق "حياتي في الشعر"؟
مهما يكن.. فكتاب بريجينسكي، بعيدًا عن هذه الملاحظة، يكتسب الآن أهميته من كونه مدخلًا تأسيسيًا لفهم التحول من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، كما يحظى باهتمام معتبر نظرًا لأن مؤلفه جمع بين خبرتي الأكاديمي والعملي، إذ عمل أستاذًا للسياسة الدولية بجامعة كولومبيا، وشغل لاحقًا منصب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، خلفًا للثعلب هنري كسينجر، بل إن كثيرًا من الباحثين يعقدون المقارنات حول أفكار الرجلين.
بالتزامن مع صدور الكتاب، شرعت دولة الاحتلال في تطوير أذرعها الاستخبارية، فأولت اهتمامًا استثنائيًا لإعادة هيكلة الوحدة 8200 التي انبثقت عن الاستخبارات العسكرية "أمان" أوائل الخمسينيات.
ليس معلومًا ما إذا كانت تلك صدفةً عرضية، أم كانت أمرًا جرى ترتيبه في ضوء ما جاء من أفكار الكتاب، غير أن هذا ما حدث.
المركز العصبي للاستخبارات الإسرائيلية
كان الهدف أن تغدو الوحدةُ الاستخبارية، التي تحظى بميزانية سرية، مركزًا عصبيًا لمنظومة التنصت والإشارة والتخابر الإلكترونية الإسرائيلية.
ومع التطور التقني الهائل خلال العقود الثلاثة الماضية، جعلت الوحدةُ تنفذ خطةً لاستثمار الثروةِ المهدرة عربيًا؛ الثروةِ البشرية، فعمدت إلى استقطاب المتفوقين من طلاب المدارس الثانوية، لينخرطوا في دورات تدريبية بغرض تسليحهم بالمعرفة التي تؤهلهم للاضطلاع بمهام العمل في مجال التجسس السيبراني.
بعدئذٍ كان المخضرمون من مسؤولي الوحدة ينتقون العناصر الأكثر تميزًا من ذوي النزعة الإبداعية، ليشرفوا على تنفيذ مهامَّ فنية أكثر دقة وحساسية، منها تصميم برامج التجسس الإلكتروني بالغة الكفاءة.
في السبعينيات أيضًا، طفقت حكومة الاحتلال تعيد تقييم مشروع "الهسبرة" الدعائي بغية تطوير آلياته، ومن ثم أُوكلت إلى الوحدة إدارته مع وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية.

تعني كلمة "هسبرة" بالعبرية الشرح أو "إجلاء الحقائق"، لكن البرنامج الدعائي لم يُقدِّم الحد الأدنى من الحقيقة؛ بل جعل يبعثر على نطاق واسع الأكاذيبَ التي تغسل يد الاحتلال من جرائمه ضد الإنسانية، وتجنح إلى تأثيم العرب المجني عليهم.
ومع حلول الألفية الجديدة، أو قبل ذلك بقليل احتدمت الحرب السيبرانية الإسرائيلية؛ حربٌ أسلحتُها آلافُ الحسابات الوهمية، والصفحات التحريضية والأخبار الكاذبة، ثم في وقت لاحق برامجُ الدردشةِ الـ"روبوتية" المعززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، لتشويه العرب أمام الرأي العام العالمي، ودقَّ الأسافين بين الشعوب، تحت مظلة "الهسبرة" وإشراف الوحدة 8200.
في ضوء ذلك، بوسعنا أن نقول باطمئنان إن الخطاب المسموم الذي تضج به منصات التواصل، وحملات التنابز بالألقاب بين العرب، لا تعدو كونها من أوجه حرب يشعلها العدو الصهيوني من وراء أجهزة حاسوبية.
العقيدة الأمنية الصهيونية تتوخى دائمًا أن يتناحر العرب، وقد كان الأب الروحي للاحتلال بن غوريون، وفق ما نقله عنه المؤرخ اليساري بيني موريس، في كتابه "تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى"، يردد دائمًا: "من الجيد أن البيئة العربية المحيطة متناحرة".
وبدورها أكدت رئيسة الوزراء السابقة جولدا مائير في حوار لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية المعنى ذاته: "أسوأ ما يمكن أن يحدث لنا أن يتحد العرب".
هذه هي الحقيقة من أفواه الصهاينة، بغير تزويق: كل عربي عدو، وكل خلاف بين العربي والعربي يلبي مصلحة الاحتلال.
واقع عربي بائس وخطير
تُخصّص إسرائيل نحو 5% من موازنتها للبحث العلمي، بينما يبلغ متوسط ما ينفقه العرب نحو 0.5% فقط من الدخل القومي للغرض ذاته.
لغة الأرقام، التي لا تكذب، تكشف عن كارثة آنية ستتفاقم لا محالة مستقبلًا ما لم يدرك العرب، أن الأمن السيبراني يمثل حائط الصد الأكثر أهمية الآن أمام المؤامرات الصهيونية.
حين شاهدنا بأعين مشدوهة عملية "البيجر" في جنوب لبنان، كان السؤال الأكثر إلحاحًا: أين نحن من هذا التطور التقني الهائل؟
في ما يتعلق بالإسهام العربي في ساحة البرمجيات، يبدو الواقع شديد البؤس.
في حين يهيمن خريجو الوحدة 8200 على نحو 40% من شركات الأمن السيبراني الناشئة داخل دولة الاحتلال، وتتصدر إسرائيل دول العالم في الإنفاق على هذا المجال قياسًا بعدد السكان، لا يزال العرب مستوردين يستهلكون منتجاتٍ لا يصنعونها، بل إن الكثير من "وارداتهم" إسرائيلية أو مرتبطة بإسرائيل بشكل ما.
المثل الأكثر فظاظةً ولا معقوليةً على سقوط العرب طوعيًا في فخاخ برامج الاستخبارات الإسرائيلية، يتجلى في ما كشفته تحقيقات استقصائية لصحف غربية كبرى، منها "لوموند" و"واشنطن بوست" و"جارديان"، بشأن برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس".
التحقيقات أفضت إلى أن البرنامج، الذي استخدمته الاستخباراتُ الإسرائيلية لرصد "دبّة النملة" في عديدٍ من قصور اتخاذ القرار العربية، واشتملت قائمة ضحاياه على قادة ووزراء ومعارضين وصحفيين وحقوقيين عرب، قد تعاقدت عليه أنظمة عربية، سددت ثمنه لتل أبيب من كسرة خبز شعوبها، بغية التجسس عليهم، أو قل على معارضيها الذين تصفهم ليل نهار بعملاء إسرائيل!
يقول المثل الشعبي المصري: "سلموا القط مفتاح الكرار". وكذلك يفعل العرب: يسلمون عدوّهم مفاتيح أمنهم السيبراني.
صفوةُ القول إن إسرائيل، التي تقصف غزة مواصلةً حربَ الإبادة، رغم اتفاق الهدنة الذي لم يجف حبره بعد، تقصف بالتزامن ومنذ أمد بعيد العقل العربي.
إلى متى سيقف العرب مكتوفي الأيدي أمام هذه الحرب الشرسة؟
من الدعايات الإسرائيلية الشائعة أن إسرائيل لا تُقهر، وهنالك لهذه الأسطورة مصفّقون مطبّلون من بني جلدتنا، يتشدقون كذبًا وتزييفًا بأنهم مستنيرون ونخبويون إلى آخر تلك الترهات.
في عملية "طوفان الأقصى" تهاوت الأسطورة تحت أقدام مقاتلين بسطاء ينتعلون "الشباشب الممزقة"، نجحوا رغم ضيق ذات اليد في اختراق أعقد أنظمة الاستخبارات الإلكترونية.
التفوق التقني الإسرائيلي ليس حتمًا مقضيًا أو جوابًا نهائيًا، وبوسع العرب إن هم أرادوا وإن أعدّوا ما استطاعوا من قوة، أن يوازنوا الكفة.
لسنا أمةً معاقة ولا شعوبًا من العاجزين، لكن علينا الإسراع إلى الأخذ بالأسباب.
أمامنا النجاح الهندي في تأسيس قاعدة فنية من أمهر المبرمجين عالميًا، وبوسعنا أن نقتفي التجربة، بل إن بالإمكان دراسة التجربة الإسرائيلية أيضًا؛ فنبني بأيدينا برامج أمن سيبرانية عربية، نخوض بها المواجهة الحقيقية ضد العدو الحقيقي، لا تلك التي تخوضها الأنظمة -ومع الأسف- بـ"برامج إسرائيلية" ضد معارضيها من أبناء الوطن الواحد.
