يرددون: “الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية”.. وفي الأغلب دون وعي أو إدراك لما تعنيه هذه العبارة، وأثرِها أو حتى قيمتها.
من حقي أن أكتب رأيي على صفحتي الشخصية دون التعرّض للهجوم العنيف والحاد، حتى لو انتقدت أحد الأعمال الأدبية التي فازت بجائزة مرموقة. لكن لم يقتصر الأمر على توجيه الانتقادات اللاذعة إليّ، بل وصل الأمر بأحد “المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن قام بسبّي وقذفي والتنمّر عليّ بألفاظ نابية مثل: “لِواط فكري، وجهل وعدم معرفة بالفارق بين التماثل، والتشابه، والتطابق في عالم النقد…”.
بل واتّهمني بأنني مدفوعة من قِبَل أحد الكُتاب المعروفين لمهاجمة الكاتب الحائز على الجائزة وروايته، والتشهير باسمه وسمعته. ولا أعرف، ولم أتبين، لِمَ وجدت نفسي فجأة – لمجرّد أنني انتقدت عملًا أدبيًا – بين كل هذه المعارك! ولماذا أولُ ما يتبادر إلى ذهن البعض أن النساء، كافةَ النساء، إذا عبّرن عن رأيهن بجدية وصرامة، تنهال عليهنّ الألفاظ الجارحة والتشويه المتعمّد، وأن رأيهنّ يجب أن يكون تابعًا لرجلٍ ما؟ لماذا لا يعترفون بأن المرأة قادرة على الرأي والتعبير وتوجيه النقد؟
وكلما تجاهلتُ ما يُكتب ويُنشر، زاد الخطاب حدّة، حتى وصل الهجوم إلى أمي التي لم تفعل شيئًا؛ فتوجّهتُ إلى مباحث الإنترنت برفقة أحد المحامين لتحرير محضر ضد هذا الشخص المتنمّر.
تلك المشاعر المختلطة بين القلق والارتباك التي لازمتني في طريقي سرعان ما تلاشت بمجرد دخولي إلى المكان. وهناك تبدّد خوفي، فلم أكن وحدي، بل وجدت نفسي وسط طوابير من الفتيات والسيدات، جئن مثلي تمامًا، كلٌّ منهن تحمل قصتها وقضيتها ضد الابتزاز الإلكتروني والانتهاكات اللفظية.
في تلك اللحظة، أيقنت أنني أسير في الطريق الصحيح، وتملّكني شعور بالفخر والارتياح؛ لأن المرأة المصرية لم تعد ذلك الكائن المستكين الذي يخشى الفضيحة أو يصمت عن حقه، بل أصبحت تدرك أن استرداد الحقوق والسعي وراء العدالة هو قمة الشرف والقوة.
وبالفعل، تم تحرير المحضر رسميًا، وبتُّ أملك في يدي “سندًا قانونيًا” يتيح لي ملاحقة كل من سوّلت له نفسه التطاول على كرامتي.
اليوم، أستطيع القول بملء فمي وتحت مظلة القانون إنني أواصل ما بدأته، حتى ينال كل مسيء عقابه العادل جراء ما سبّبه لي من أذى نفسي ومعنوي جسيم.
وتكشف لي هذه التجربة عن ثقافة “ذكورية” متجذّرة لدى البعض، تسعى لاحتكار كل ذي قيمة، وتستكثر على المرأة أن يكون لها رأي مستقل أو حضور فكري، وكأن النجاح واللباقة حكرٌ على الرجال فقط، فيتمّ محاربة أي صوت نسائي ناجح ومحاولة استبداله أو تهميشه.
مثل الهجوم على واحدة من الإعلاميات الناجحات؛ فهي لبقة وعملية ومهنية فيما تفعل، وتواجه الآن خطر استبدالها بزميل رجل!
ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة: لو كان كاتب تلك السطور النقدية رجلًا، هل كان سيتجرأ هذا “المتنمّر” على سبّه وقذفه والخوض في عرضه بتلك الطريقة الفجّة؟ أعتقد أن الإجابة: لا.
لذا، ومن واقع تجربتي، أوجّه رسالتي لكل فتاة وسيدة: لا تتنازلي عن حقك، ولا تتهاوني في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي متطاول أو متنمّر يظن أنه بمنأى عن العقاب.
لا تخافي ولا تترددي، فأنتِ لستِ الطرف الأضعف، ولستِ مجرد نصفٍ للمجتمع، وبتمسّككِ بحقكِ يستقيم ميزانُ العدالة، ويُردَع كل من يعتقد أن له حقًا في إيذاء الآخرين.
