“رحمن الله”.. بضاعة أمريكا التي رُدت إليها

عشية عيد الشكر، تحوَّل محيط البيت الأبيض إلى ساحة مواجهة مسلَّحة، حين صوَّب مهاجر أفغاني، يُدعى “رحمن الله لاكانوال”، فوهةَ مسدسه إلى رجل وامرأة من الحرس، مما أسفر عن إصابتهما إصابات بالغة -أفضت لاحقًا إلى وفاة الحارسة- قبل أن يصاب المهاجم برصاص حارس ثالث، فيُلقى القبض عليه.

المعلومات تُفيد أن “رحمن الله” يبلغ من العمر 29 عاماً، وكان عمل تحت إمرة القوات الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية “سي آي ايه”، قبل انسحاب “الغُزاة” من أفغانستان عام 2021، ثم هاجر إلى “أرض الأحلام” مستفيدًا من برنامج “استيعاب الحلفاء” الذي يتيح لمن “أسدوا خدمات للولايات المتحدة” استصدار تصريحات إقامة على أرضها.

من الواضح إذن؛ أن علاقة الرجل بالولايات المتحدة، ليست علاقة خصومة أو كراهية وبغضاء، بل هي أدنى إلى الود والتحالف، ولو على قاعدة برجماتية من أن مصالحه الشخصية ترتبط بالمصالح الأمريكية ارتباط الجنين بالحبل السُّري.

إزاء ذلك يغدو السؤال الحتمي: لماذا يا ترى فعل فعلته؟

من الغريب أن أحدًا في الولايات المتحدة لم ينشغل بهذا السؤال، إذ انصبَّ التعاطي مع الحادثة على وصف “رحمن الله” بالإرهابي، مع استبعاد جميع الدوافع المحتملة التي حدت به إلى اقتراف جريمته.

ليس سرًا أن الإسراع الأمريكي إلى وصم الشاب بالإرهاب، يرجع في المقام الأول إلى كونه مهاجرًا ومسلمًا، بما يتسق مع ثقافة “شيطنة الآخر” التي يروم اليمينيون البيض من أنصار حركة: لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا “ماجا”، تعميمها ضد المهاجرين كافةً، وضد المسلمين منهم بدرجة أشد فظاظة.

هل هناك دوافع ثأرية؟

لكن، وبغض النظر عن صرخات الكراهية والإقصاء والتمييز الديني، وبعيدًا عن مرجعية مرتكب الهجوم العرقية والعقائدية، فإن التعاطي الأمريكي مع الحادثة غض طرفه عن احتمالية أن “رحمن الله” ارتكب فعلته راغبًا في الثأر من أمريكا التي سفكت دماء بني جلدته، ودمرت بلاده عن بكرة أبيها قبل أن تنسحب منها؛ انسحابًا فوضويًا بقرار غير مدروس لإدارة الرئيس السابق “بايدن”.

ثمة سيناريو لا يفتقر إلى الحبكة المنطقية؛ هذا شاب باع وطنه راضيًا بتأدية دور “العميل” لقوى أجنبية استعمرت هذا الوطن عقدين متصلين، فعاثت فسادًا وتخريبًا، تحت ذريعة تحريره من ديكتاتورية حركة “طالبان”.

وبعدما قتل “الغزاة” ما يزيد عن 50 ألف مدني -وفق تقديرات مشروع تكاليف الحرب التابع لمعهد واتسون بجامعة براون- لم يجد الأفغان إلا الحطام والخراب والفقر والجوع والفوضى، ولم يبق أمامهم إلا أن يتخبطوا في الأرض بحثاً عن حياة كالحياة.

وكان حتميًا بالنسبة لـ”عميل الأمريكان” أن يتعلَّق بهم، فيحزم حقائبه لاجئًا إلى بلادهم.

إنَّ بقاءه في وطنه بعد سيطرة “النظام السابق” على العاصمة “كابول” مجددًا، يحمل في طياته تهديدًا داهمًا على حياته، كغيره من عملاء الاحتلال. ولكنه عقب هجرته إلى “بلاد الحرية” لم يجد هنالك إلا “تمثالها الحجري” الذي ينتصب رافعًا شعلته الشهيرة، قبالة مانهاتن بولاية نيويورك.

لقد هرب من قمع حركة “طالبان” ليقع بين براثن اليمينيين البيض، الذين أزكت خطابات مقاول البيت الأبيض، العنصرية في صدورهم.

كذلك بات “رحمن الله” مُحاصرًا داخل دائرة مغلقة من الواقع الأمريكي الرتيب، ومقيدًا بأغلال التوجس خوفًا على مستقبل أسرته المكونة من خمسة أطفال.

هل قطع آلاف الأميال تاركًا من خلفه وطنه “الذي باعه بثمن بخس” حتى يأتي يكابد هذه الحياة المضجرة الخالية من كل شيء إلا دبيب الزمن المتتابع فوق أعصابه؟

هذه ظروف تقدح نيران الكراهية في النفوس، وقد تسوق الضحايا إلى أفعال هوجاء تحت ضغط اليأس.

تحذيرات تشومسكي من “الإرهاب الارتدادي”

في غضون الغزو الأمريكي لأفغانستان فالعراق، حذر مفكرون أمريكيون كثيرون من ما سموه بـ”الإرهاب الارتدادي” أو “الانتقامي”.

في صدد تفسيره للمصطلح الذي وجد صدى بحثيًا وإعلاميًا واسعًا، قال نعوم تشومسكي: “إن الحروب لا تنتهي بوقف إطلاق النار، ولا لدى إبرام اتفاقيات الهدنة، ذلك أنها تترك وراءها أصحاب الثارات الذين يتضرم الغضب في أعماقهم”، مشددًا على أن الدول التي تمارس “العنف الخارجي” ستتعرض -لا محالة- لعنف عكسي.

وفي  كتابه الموسوم “الهيمنة أم البقاء” قرر: “أنَّ العنف الذي تمارسه أمريكا سيرتد عليها عاجلًا أو آجلًا، ليس بواسطة جيوش نظامية، بل عبر أفراد حطم هذا العنف حياتهم.. فهؤلاء في لحظة اضطراب أو اختلال نفسي قد يتحولون إلى شرارة”.

هل هي الدوافع الانتقامية إذن؟

ربما كان رحمن الله “شرارة انتقام مرتدة”، هذا وارد لكنه ليس حقيقة دامغة.

ولكن حتى لو لم تكن دوافعه انتقامية، فإن ذلك لا ينفي أن الجريمة الإرهابية -حتى نسمي الأمور بمسمياتها- تشكل جزءًا من إرث ملعون؛ إرث الحرب الأمريكية على أفغانستان.

إذا كان التأويل الاستباقي المتسرِّع، بأن رحمن الله توخى الثأر ليس من الحصافة، فليس من الحصافة أيضًا تجاهل أن مَنْ يزرع الشوك يجني الجراح.

في جميع الأحوال، فإن الهجوم يأتي في سياق كونه مشهدًا، من تداعيات واقع صنعته سياسة “الكاوبوي”، التي مورست ضد أفغانستان.

يؤشر مصطلح “سياسة الكاوبوي” ذائع الانتشار إلى جنوح واشنطن إلى القوة الباطشة لحل أزماتها، إذ تهرع إلى إطلاق الرصاص دون تفكير، تمامًا مثلما كان راعي البقر الأمريكي يفعل بالسكان الأصليين “الهنود الحمر”.

كان ترامب الذي هدد وتوّعد وأرغى وأزبد بعد الحادثة، مثالًا شديد الصدق على هذه السياسة.

في أول تعليق قال ترامب إن “الوحش سيسدد الثمن الموجع”، وهاجم الرئيس السابق “بايدن النعسان”: “أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة”، وهجا الديمقراطيين، وقرر وقف برنامج استيعاب الحلفاء من الأفغان.

في حمى الغضب الفوّار، وضجيج صرخات الانتقام، ينسى الرئيس ترامب والذين معه، أو بالأحرى يتناسون الحقيقة: لو لم يدمر الجيش الأمريكي أفغانستان، لما هاجر منها رحمن الله، ولما كان هنالك بالتبعية برنامج استيعاب الحلفاء.

صفوة القول إن الرصاص الذي أصاب فردي الأمن الأمريكيين، فأردى واحدة منهما، يعد من قبيل النيران الصديقة، ولعل احتمالات تكرار المشهد مرة بعد مرة، ستبقى ورادة بخاصة أن السياسات الأمريكية هي هي.

القوة بلا عقل في ملحمة “الحرافيش”

في ملحمة “الحرافيش” يذهب الراحل الكبير؛ نجيب محفوظ إلى أن القوة المفرطة الغاشمة غير المتعقلة لا بد أن تفضي إلى خراب لا ينجو منه أحد.

كان محفوظ في العمل الأدبي العظيم قد تطرّق إلى زمن الفتوات راغبًا في إرسال الرسائل الرمزية إلى نظام السادات، لدى صدور الرواية بالتزامن مع انتفاضة 1977، بأن القوة وحدها لن تنجيه من لحظة انفجار، قد تتلظَّى نيرانها من “مستصغر الشرر”.

كانت الحارة التي حكمها الفتوات المتعاقبون، ترمز إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم في إطار الوطن الواحد، ومع مد الخط على استقامته سنجد أن الرمز ينسحب على العلاقات الدولية كذلك.

من المؤسف أن القامعين الباطشين لا يقرؤون، وإن قرؤوا لا يقدرون نصائح الأدباء والمفكرين، كذلك هي العلاقة بين المثقف والسياسي؛ المثقف يدق ناقوس الخطر، والسياسي يضع أصابعه في أذنيه، ويمط بوزه استهزاءً.

أيًا ما يكن، فإن تمجيد القوة، والإيمان بفعالية “النبوت” وحده، والنزوع إلى البطش الخشن بكلِّ من يخرج عن طوع أمريكا، لم يحمِها بالأمس من عمليات انتقام ارتدادية، ولن يحميها في المستقبل من تسديد أثمان ما تجني يداها اليوم.

ذات ظهيرة دامية يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وقف الرئيس الأسبق؛ جورج بوش الابن، أمام ركام برجي التجارة العالميين، فأطلق سؤاله الشهير والساذج أيضًا: لماذا يكرهوننا؟

كان لزامًا على دوائر السياسة والدراسات الاستراتيجية، أن تتحرى الإجابة الموضعية عن السؤال، لكن هذا لم يحدث إذ هيمنت سياسة “الكاوبوي” على ردود أفعال البيت الأبيض، ومعه صقور الإدارة الجمهورية آنذاك، وعلى رأسهم نائب الرئيس “ديك تشيني” ووزير دفاعه “رامسفيلد”.

وكذلك غزت القوات الأمريكية أفغانستان ثم العراق، وما بعد ذلك معلوم للجميع.

ما دامت الولايات المتحدة تتجاهل سؤال: لماذا حدث؟ باعتباره نقطة الانطلاق لمنع تكرار ما حدث، ويستغرقها سؤال: كيف نرد على ما حدث؟ وما دام الرد ينحسر على الدوام في الوسائل الخشنة العنيفة، فإن العنف المضاد سيجد سبيله إلى العمق الأمريكي بطريقة أو بأخرى.

لقد انبثق “رحمن الله” كالكابوس المرعب من غبار التاريخ، في لحظة ملتبسة دامية بعثرت الأوراق، وكشفت عن أن العنف يولد دائمًا من رحم العنف.

على امتداد خارطة الكرة الأرضية، من أوكرانيا بأوروبا الشرقية إلى أمريكا اللاتينية، مرورًا بغزة التي تتحالف أمريكا من الكيان الصهيوني، على سفك دماء الأبرياء من أبنائها، هنالك “ألف رحمن الله” نجا من الموت، ولم ينجُ من تداعيات الخراب الذي تسببت فيه الولايات المتحدة.

إن ما فعله رحمن الله، مهما كانت دوافعه، لا يعدو كونه “بضاعة أمريكا التي رُدت إليها”.. وهذا كما يقرر تشومسكي “ليس تبريرًا بل محاولة لتبيان علاقة السببية بين المقدمات والنتائج”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة