بنات الباشا فيلم يخسر النساء اللاتي كان من المفترض أن يُنصت لهن

لطالما كانت النصوص الروائية والقصصية محل اهتمام كُتاب السيناريو، ونتج عن ذلك منذ ظهور السينما في مصر عشرات الإنتاجات السينمائية المستوحاة من نصوص أدبية، وكان نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس الأبرز بين كُتاب كثر تحولت أعمالهم إلى الشاشة.

يتراوح اهتمام الصناع بالأدب بين الحين والآخر، حيث يزدهر في فترات ويخفت في أخرى، ومؤخرًا عاد الاهتمام بالأدب كحقل تستمد منه السينما، وخرجت أعمال جديدة إلى النور مثل: "أنف وثلاث عيون"، "الفيل الأزرق"، "كيرة والجن" (رواية 1919)، وأحدثهم "بنات الباشا" عن رواية بنفس الاسم للكاتبة نورا ناجي.

عُرض فيلم "بنات الباشا" ضمن مسابقة آفاق السينما العربية، في مهرجان القاهرة الدولي (الدورة 46)، وهو سيناريو وحوار محمد هشام عبية، وإخراج ماندو العدل، وبطولة: زينة، مريم الخشت، صابرين، ناهد السباعي، أحمد مجدي، تارا عبود، وضيفة الشرف سوسن بدر، وسماء إبراهيم.

الرواية: أرشيف سري للخبرة النسائية

يتسم نص "بنات الباشا" بكثير من القنابل الشائكة من القضايا، والتي يعتبرها المجتمع من المحظورات، وعلى رأس ذلك المثلية الجنسية، بالإضافة إلى نقد واضح للمجتمع ونظرته للمرأة، وتسليعها، وتشييئها، من خلال شخصيات نسائية تنقل كل ذلك في سطور لاذعة وصارخة تُعري المجتمع من تدينه الشكلي المزيف، وتضعه أمام حقيقة تلاعب النساء به لممارسة حقهن في حياة اخترنها برغبتهن.

تحضر الشخصيات النسائية في الرواية عبر أصوات لا تُروى عنها بل تتكلم هي عن نفسها، ما يجعل النص أقرب إلى أرشيف داخلي للخبرة النسائية المتراكمة، حيث ينسج كل صوت علاقته الخاصة مع: الجسد، والرغبة، والذنب، والذاكرة، والخوف، والتمرّد؛ مما يكشف بنية عميقة من القمع الاجتماعي الذي يتسرب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية. وهذا التعدد في الأصوات لا يمنح المرأة مساحة للبوح فقط، بل يعيد تعريف تمثيلها خارج القوالب النمطية، إذ تتحول الأصوات إلى طبقات تكشف توتر العلاقة بين النسق العائلي المحافظ ومحاولات البطلات لاستعادة فرديتهن، فتبدو كل شخصية كحالة مقاومة صغيرة داخل شبكة كبرى.

يمكن وصف "بنات الباشا" بأنها "رواية الأصوات / Polyphonic Narrative"؛ لأنها تبني على شكل سردي متعدد الأصوات يتجاوز النموذج التقليدي للرواية ذات الراوي الواحد، وتُمنح كل شخصية مساحة مستقلة للتعبير عن تجربتها وتفسيرها للعالم.

هذا الاختيار البنائي لا يهدف فقط إلى تنويع زوايا الرؤية، بل إلى تفكيك مركزية الخطاب الأبوي الذي يفرض عادة صوتًا واحدًا مطلقًا للحقيقة.

وبناءً على ذلك، تتجاور الأصوات داخل النص دون أن يهيمن أحدها على الآخر، بما يحوّل الرواية إلى فضاء واسع يسمح بظهور التناقضات والملتبسات الشعورية والنفسية والاجتماعية، وبذلك تتحول البنية الصوتية إلى إستراتيجية مقاومة، تُبرز هشاشة المركز وتؤكد تعددية الحقيقة.

ارتباك السرد وفجوات المنطق

حاول فيلم "بنات الباشا" أن ينقل هذه التعددية الصوتية من الفضاء الأدبي إلى شخصيات تتحرك على الشاشة، تحكي كل شخصية عبر مونولوج ما حدث معها، مستعينًا بأسلوب "الفلاش باك" للعودة بالزمن ومشاهدة بعض الأحداث في الماضي القريب للشخصيات، وهذا الماضي من المفترض أن يكشف أمرين: الأول علاقة الشخصية بشخصية "نادية" المنتحرة، والثاني يوضح جانبًا من حياة الشخصية واختباراتها.

ولكن أصيب الفيلم فجأة، بعد بداية تقديمية جيدة للشخصيات، بحالة من الارتباك، وهذا الارتباك ظل يتضخم حتى وصل إلى ذروته في النهاية، حيث تُقدم الشخصيات على قرارات حاسمة لا نعرف ما الذي يدفعها إليها، وما الدافع لتغير مسار الشخصية.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر: قرار الشخصية التي تقدمها ناهد السباعي بترك عملها "كمغنية أفراح وعاملة بالجنس" على الرغم من أنها قبل لحظات كانت تتفق على عمل جديد، وعندما هاجمها النساء بررت موقفها بأسلوب ساخر.
وأيضًا شخصية زوجة الباشا، التي ظهرت في بداية الفيلم ونهايته فقط؛ في البداية تشعر بالغيرة وتطلب طرد "جيجي" (الشخصية التي تقدمها زينة)، وفجأة تظهر في آخر الفيلم وتطلب الانفصال، تاركة سؤالًا كبيرًا خلفها: ما الذي حدث؟

وليس ذلك فقط، لأن الارتباك يمتد إلى البنية البصرية، لا سيما في الانتقالات بين الماضي والحاضر؛ فالاعتماد على التفسير اللفظي أو المشهدي السريع جعل كثيرًا من اللحظات المفصلية تبدو مُفتعلة، كأن الفيلم يخشى الغوص في دواخل شخصياته فيكتفي بسطحها.

يستخدم الفيلم قطعًا مشهديًا مفاجئًا يفتقر تمامًا إلى الجسور السمعية والبصرية التي تتيح للزمنين أن يتداخلا بشكل عضوي، و"الفلاش باكات" تظهر كجزر معزولة، لا ترتبط بمشاهد الحاضر عبر فكرة أو حركة أو صوت، مما يجعل الانتقال الزمني صادمًا ومربكًا ومقطوعًا عن سياقه النفسي.

مقصلة الرقابة واغتيال الجرأة

أما الإخفاق الجوهري لهذا الفيلم فهو يتمثل في غياب الجرأة في تقديم الشخصيات؛ فالفيلم يتعامل مع المادة الأدبية بحذر مفرط، ويمسح حِدّتها ويخفّف توتراتها الداخلية.

ومفهومٌ ذلك لأن السياق الرقابي في مصر في حالة تشدد، ولكن لم يحاول الفيلم البحث عن حيل كافية للخروج بالشخصيات من مأزق الرقابة، واكتفى بأن يستبدل صراعاتها المركّبة بتمهيد أخلاقي أو تبرير لطيف. في حين أن قوة النص الأصلي تكمن في اعترافات النساء وصراعاتهن وانكساراتهن، فقد اختار الفيلم طريقًا آمنًا، فخسرت الشخصيات عمقها وظلّت معلّقة بين نبرة اجتماعية مُهذّبة وصراع نفسي لم يكتمل.

هذا التخفيف من حدة الشخصيات المبالغ فيه ومن قوة الصراع الداخلي جعل العمل يبدو وكأنه يخشى مواجهة ما تصرخ به الرواية: هشاشة النساء، ورغباتهن، وخوفهن، وقدرتهن على المقاومة.

والمشاكل في بناء الشخصيات لا تتوقف عند القرارات فقط، نحن من البداية كمشاهدين نقف أمام كثير من الأسئلة التي ليس لها إجابة: من أين أتت نادية (مريم الخشت) ولماذا؟ ولماذا استقرت في طنطا تحديدًا؟ ولماذا قالت للباشا فجأة إنها لا تريد العمل معه ثم تنتحر في الصباح؟ وسبب انتحارها كان محيرًا لأغلب المتفرجين في العرض الأول للفيلم، حتى وُجّه سؤال للمخرج عن ذلك في الندوة (Q&A) التي عقبت العرض في مهرجان القاهرة، وكان رد الصناع أن انتحارها لأنها الروح النقية! هل سوف يتتبع المخرج والمؤلف الجمهور لشرح النهاية لهم؟!

النهاية المفتعلة.. انتصار بلا معركة

وفيما يتعلق بالنهاية، فهي تترك علامة استفهام ضخمة عما توحي به؛ حرص العمل على تمثيل النهاية كأنها مواجهة بين النساء الأربع والرجل الوحيد، كأنه هو الشر المطلق وهن ضحايا له، وانتصرن عليه وبقي هو وحيدًا.

وهذه النهاية لا تتناسب مطلقًا مع سرد لم يؤسس من البداية أنه تسبب في أي ضرر لهن، أو على الأقل لأغلبهن. شخصية المغنية هي من اختارت هذا الطريق قبل تعرفها على "نور الباشا"، أي ليس لديه أي دخل في قرارها، وشخصية "منى" (صابرين) اختيارها الشخصي هو حب فتاة مثلها، ما الذي ارتكبه نور في حقها؟ أما "جيجي" فهي من اختارت مصيرها أن تصبح عشيقة في الظل.
وإذا كان المقصود بانتصار النساء على نور أنه انتصار على المجتمع الذي يمثله نور كذكر، فذلك لم يؤسس له من البداية بشكل درامي.

فرصة ضائعة وسط مياه راكدة

وإذا عدنا إلى النص، نجد أن الرواية لا تخشى تعرية الذات النسائية: رغبات، عيب، ذنب، تمرد، وحضور جسدي معقد. أما الفيلم في المقابل فيختار خطابًا مهذبًا؛ يروّض الشخصية، ويقلّم أظافرها؛ بدلًا من صراعات حادّة، نحصل على تلميحات؛ بدلًا من رغبة مكتوبة بوضوح، نحصل على إيحاء باهت؛ مثلما حدث مع حالة شخصية منى، التي لم يفهم البعض أنها ذات ميول مثلية في الأساس.

وبدلًا من اعتراف نسوي صريح، نحصل على تجميل للصراع، هكذا يفقد الفيلم أهم ما يميّز النص: شجاعة المرأة في أن تروي نفسها.

وفي هذا الإطار لا يمكن إلقاء اللوم على الصناع بمفردهم؛ لأن الفيلم إذا احتمل أي خطاب نسوي صريح أو خطاب عن الهوية الجنسية بشكل مباشر، بالتأكيد سوف يلاحق وربما يُمنع من العرض مثلما حدث مع فيلم "الملحد" الذي لم يرَ النور حتى الآن.

وبنظرة بسيطة على المعروض في السينما، سوف نجد أن الأفلام محصورة بين الأكشن والكوميديا ذات المضامين الخفيفة، لذلك ربما الأمر الإيجابي الوحيد في الفيلم أنه يرمي حجرًا في مياه راكدة ويحاول كسر الصمت بصوت ضعيف ولكن أفضل من السكون القاتل.

وهذه التجربة -بنات الباشا- تعكس أزمة أوسع في السينما المصرية حين تتعامل مع نصوص نسوية: تُحافظ على الشكل وتُفرّغ الجوهر؛ تحتفظ بالشخصيات وتُسكت أصواتها؛ تنقل الأحداث وتُغيّب التجربة. وبينما كان يمكن للفيلم أن يخلق مساحة جديدة لتمثيل المرأة بوصفها ذاتًا فاعلة، اختار الطريق الأكثر أمانًا، فخسر حدّته، وخسر صدقه، وخسر النساء اللاتي كان يفترض أن يُنصت إليهن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة