في اليوم الأول من حملة الـ 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي تطلقها الأمم المتحدة نوفمبر من كل عام، ننشر تقرير يُظهر واقع مرير يهدد بتقويض جهود سنوات طويلة من العمل الدؤوب. إذ حذرت هيئة الأمم المتحدة في بيان صدر 10 نوفمبر الجاري، من عاصفة قادمة تهدد خدمات أساسية منقذة للحياة تعتمد عليها ملايين النساء والفتيات في المنطقة العربية، بعد خفض التمويل والمساعدات الخارجية وإعلان أبرز الحكومات المانحة عن تخفيضات كبيرة في مساعداتها. وهذه أزمة لا تتوقف فقط عند مجرد أرقام في موازنات، بل تعني أيضًا احتمالات تفاقم مخاطر العنف والاستغلال.
وبحسب مذكرة مناصرة أصدرها الفريق الإقليمي المعني بالعمل الإنساني المراعي للنوع الاجتماعي في الدول العربية فإن 80 % من هذه المنظمات في المنطقة تأثرت تأثرًا كبيرًا بالتخفيضات الأخيرة مقارنة بنسبة 62% من هذه المنظمات على المستوى العالمي. كما أدى عدم الاستقرار وتصاعد الفكر المحافظ والقيود على المجتمع المدني إلى زيادة الضغط على منظمات وناشطات حقوق المرأة، وتقليص المساحة الداعمة للمساواة.

كل ذلك قد يُعرض خدمات الحماية، ومكافحة العنف ضد النساء والفتيات، وسبل العيش، والمساعدات النقدية، والرعاية الصحية هي الأكثر تضررًا. وقد يترتب على ذلك آثار طويلة المدى، إذ إن فقدان النساء لمصادر الدخل أو الغذاء أو المساحات الآمنة يزيد من تعرضهن للعنف والاستغلال واتباع استراتيجيات تكيف ضارة، مثل الزواج المبكر. أما المهاجرات واللاجئات والنساء ذوات الإعاقة وكبيرات السن يتعرضن لأضرار متعددة ومضاعفة من هذه التخفيضات.

“تأثرت المنظمات النسوية بشدة من هذه الأزمة، في وضع اقتصادي عام يحد من تقديم بدائل أو حلول فعالة”، تقول نيفين عبيد المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديد، في حديثها مع فكّر تاني، وتؤكد أن خدمات مثل المساندة القانونية والدعم النفسي، هي الأكثر تضررًا، لذا فإن المؤسسة تحاول الاستمرار في تقديمها بتقليص عدد المستفيدات وترتيبها للأكثر إلحاحًا.
وتشير إلى أن الدعم الحكومي يوجه بشكل في الغالب لمنظمات العمل الخيري، كما أن أن قرارات إدارة ترامب بتقليص تمويل التنمية وصعود تيارات اليمين في أوروبا كانت من أبرز أسباب تراجع التمويل الدولي، إلى جانب الأزمة الاقتصادية العالمية.
وتوضح ياسمين علاء الرئيسة المشاركة لمؤسسة شباب المتوسط، أن خفض التمويل، جاء مصحوب أيضًا بقيود جديدة على المشاريع، وتشير لـ فكّر تاني، أن الأجندة العالمية أصبحت تحدد الأولويات وتختار المنظمات التي تدعمها لإعطائها فرص التمويل، وكما أن التمويلات في الأغلب أصبحت تذهب لدعم متضرري الحروب.
وتؤكد أن معظم المنظمات النسوية في مصر أصبحت في حالة قلق شديد لعدم قدرتها على تأمين تمويل يضمن استقرارها واستدامة أنشطتها.
“المطلوب هو تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد على الشمال العالمي فقط، والاستفادة من تجارب دول بها حركات نسوية قوية مثل أمريكا اللاتينية، وتعزيز التعاون الداخلي بين المنظمات النسوية”. وتضيف أن توحيد الدعم النسوي والشراكات الفنية والعمل التعاوني تجاه القضايا يمكن أن يكون بديلًا للتمويل المباشر، محذرةً من الإعتماد على التمويل الخارجي المحدود.
وتختتم ياسمين بالإشارة إلى أن أي حلول للتكيف لا تنفي ضرورة الحديث عن الواقع الحالي، لأنه جزء من آليات جديدة للسيطرة على استقلالية المنظمات وزيادة اعتمادها على الممولين، مشيدةً بأن الحراك النسوي الشبابي الذي ظهر إلكترونيًا بعد جائحة كورونا أثّر بشكل كبير ولم يكن معتمدًا على التمويل الخارجي.
“نحن في تدوين لا نعتمد التمويل الضخم، نركز على الإنتاج الداخلي من خلال فريق العمل لضمان الاستمرارية، كما يحمينا من الوقوع تحت تهديد انقطاع التمويل أو الاضطرار للانسياق وراء أيديولوجيات لا تعبر عنا فقط لأن الممولين يفرضون أجندتهم. لكن بالتأكيد تقل فرصنا في الحصول على دعم، خاصة في ظل أزمة الممولين الحالية”.. تقول أمل فهمي المديرة التنفيذية لمركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، لـ فكّر تاني.

وتوضح فهمي أن المنافسة على التمويل باتت أكثر صعوبة، ونجد أنفسنا دائمًا في منافسة مع منظمات من مختلف دول العالم. وعندما تتقلص المصادر تصبح المنافسة أشد وتقل فرص الحصول على منح. عملية التمويل نفسها تمر بدورات من الانفراجة ثم الانكماش، لأنها تتأثر بالأوضاع السياسية للدول المانحة. والأزمة الحالية ليست الأولى.
“على المنظمات النسوية أن تتبنى استراتيجيات استباقية للتكيّف، وألا تعتمد بشكل أساسي على التمويل لأنه يتغير باستمرار. ومن الضروري التوجه نحو التمويل المحلي كبديل، خصوصًا أن الشركات المصرية مُطالبة بتخصيص جزء من أرباحها لدعم المنظمات الخدمية، إضافةً إلى إمكانية الاعتماد على رجال الأعمال والمستثمرين كمصادر تمويل محلية”.
أما المحامي الحقوقي عمرو محمد فيقول إن انخفاض الدعم الدولي يرتبط بتحول الموارد إلى الإنفاق العسكري في مناطق النزاع، وهو ما انعكس مباشرة على المجتمع النسوي: “هذا الوضع أدى إلى إلغاء العديد من البرامج المخطط لها بسبب قصور التمويل، وهناك مؤسسات تغلق أبوابها وتسرّح العاملين فيها. في المقابل، تحاول بعض المؤسسات اللجوء إلى بدائل تعتمد على الجهد الذاتي والعمل التطوعي”.
ويضيف أن تأثير الأزمة كان أشدّ وأكثر تهديدًا على المؤسسات الشابة بينما وجدت المنظمات الكبيرة طرقًا للتكيف بفضل خبرتها الطويلة. ومع مرور الوقت، سوف يتضح الأثر الممتد”.
ويختتم، خدمات دعم النساء اللاتي تعرضن للعنف سوف تتراجع بشكل ملحوظ في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إليه مع ارتفاع معدلات العنف.
وفق تقرير مرصد جرائم العنف للنصف الأول من عام 2025 من مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة، فإن هناك فجوة تتسع بين العنف القائم والخدمات المتاحة للناجيات. وسجّل المرصد خلال ستة أشهر فقط 495 جريمة عنف ضد نساء وفتيات، من بينها 156 جريمة قتل، وهي زيادة تعكس تصاعدًا غير مسبوق في العنف المميت داخل المجالين الأسري والعام معًا.
كما تكشف الأرقام عن اتجاه مقلق يتمثل في توسع الاعتداءات الجنسية والتحرش؛ إذ رُصدت 62 واقعة اعتداء جنسي على أطفال وطفلات، و 122 حالة تحرش جنسي، إضافةً إلى تنامي الابتزاز الرقمي الذي أصبح يستهدف النساء والفتيات عبر الفضاء الإلكتروني بوتيرة أعلى من أي وقت مضى.
وتبقى جرائم العنف الأسري هي الأكثر حضورًا بواقع 202 جريمة، وهو ما يعني أن المنزل —الذي يفترض أن يكون مساحة حماية— أصبح مصدرًا رئيسيًا للخطر. وهو ما يضاعف الحاجة إلى خطوط ساخنة، وملاجئ، ومحاميات متخصصات، وأخصائيات نفسيات قادرات على التدخل العاجل. إلا أن هذه الخدمات هي نفسها التي تتعرض اليوم للتقليص أو الإغلاق بسبب نقص التمويل.
ويتضح حجم الأزمة أيضًا في ارتفاع حالات الانتحار التي بلغت 22 حالة في نصف عام فقط، كثير منها ارتبط بشكل مباشر بعنف أسري وضغوط نفسية وابتزاز، ما يُبرز غياب شبكات أمان فعالة تستطيع التدخل قبل الوصول إلى لحظة الانهيار.
هذه الأرقام تعني أن ما تواجهه المؤسسات النسوية ليس مجرد “تراجع في التمويل”، بل تراجع في القدرة الفعلية على حماية النساء، في وقت يتصاعد فيه العنف ويزداد تعقيدًا. ومع استمرار هذا الاتجاه، فإن فجوة الأمان تزداد اتساعًا ما لم تُعالج الأزمة بنماذج تمويل بديلة ورؤية أكثر استدامة.
“كنا بنقدم خدمات دعم مباشرة للنساء الناجيات من العنف، لكن مع وقف التمويل، رواتبنا وقفت والأنشطة والفعاليات اتعطلت، حتى أبسط الاحتياجات اللوجستية مش متاحة، وأغلب العاملين في المشروع بيعتمدا على الشغل ده، مصدر دخل أساسي، وفجأة لقينا نفسنا بلا مورد، وبنحاول الاستمرار بشكل تطوعي، وبنتعامل مع الحالات الطارئة اللي ماينفعش تستنى، واحنا نفسنا بندور على وظايف بدخل ثابت لتغطية التزاماتنا الحياتية”.. تقول مريم -اسم مستعار- لـ فكّر تاني.
وتضيف أن هذا الحال استمر بالفعل نحو خمسة أو ستة أشهر كانت مليئة بالضغط، والشعور بالعجز: “وحاسين بالذنب علشان مش غير قادرين نستقبل عدد أكبر من الحالات”.
وتضيف أن أكبر معاناة كانت في تكلفة خدمات الدعم نفسها: “الدعم النفسي مثلًا مكلف للغاية، الجلسة الواحدة بتوصل 600 جنيه، وفي بروتوكولات العلاج النفسي الحد الأدنى 12 جلسة”. وتوضح أن أغلب الناجيات يحتاجن أيضًا إلى دعم قانوني، لكن المؤسسات لم تعد قادرة على توظيف محامين لتقديم خدمات مجانية.
“كنا بنقدم دعم نفسي، ودعم قانوني لمن تحتاجه، إضافة إلى دعم تقني ورقمي في قضايا الابتزاز والعنف الإلكتروني. لكن تدريجيًا مبقاش في مكان قادر على تقديم دعم نفسي فردي حقيقي، ولا محام قادر على متابعة قضية من بدايتها حتى تحقيق العدالة للناجية”.
وتتحدث عن تجربة التمويل داخل المبادرات الشابة غير المسجّلة، فتقول: “الممولين عادة عندهم أولويات جاهزة: حملات رقمية، وأوراق بحثية، وإنتاج معرفي… لأنها بتتقاس بسهولة وبتكلفة أقل. أما تقديم الخدمات المباشرة للناس فهو مكلف، ومعقد، ومالهوش تمويل في الغالب. حتى قبل أزمة التمويل كانت دي هي التفضيلات. ومع الأزمة أصبح الوضع أسوأ”.
وتشرح أن التسجيل القانوني نفسه عقبة ضخمة أمام المبادرات الشبابية، وأن هناك مبادرات تحاول التسجيل منذ 2016 ولم تنجح. وتتطلب مئات الأوراق والموافقات، وأي تغيير بسيط، حتى نقل مكان المكتب، يعيد الإجراءات من البداية. وتفرض وزارة التضامن الاجتماعي شروطًا صارمة وتتحكم حتى في اللغة المستخدمة.
“فلا يُمكن استخدام كلمة “جندر”، ولا العمل مع أقليات جندرية مثل العابرين والعابرات، ولا يمكن الاقتراب من قضايا مثل الإجهاض في حالات الاغتصاب، أو الميراث، أو الولاية، أو العنف الجنسي داخل الأسرة، لأنها قضايا تعتبرها الوزارة “غير مقبولة مجتمعيًا”. وحتى إن لم يرفضوا المشروع صراحة، بيأخروا الموافقة لحد ما تنتهي المدة الزمنية للمشروع، وبالتالي يفشل تلقائيًا”.
وتشير إلى أنه لا توجد مؤسسة تقريبًا قادرة على تقديم دعم نفسي فردي، ولا دعم قانوني كامل. وبيوت الاستضافة الحكومية قليلة ولا تغطي حجم العنف المتصاعد: “نحن في لحظة يزيد فيها العنف، وتزيد فيها الحاجة إلى الخدمات، بينما يتراجع التمويل وتتقلص قدرات المؤسسات، وده بيجعل عملنا محفوف بالمخاطر، وغير مستقر، وأحيانًا مستحيل”.
تقول مريم أن المعركة يومية بين ما يريده الممول، وما هو متاح ومسموح، وما يتطلبه الضمير. كل ذلك بينما تزداد الطلبات، وتقل الموارد، وترتفع المخاطر القانونية.
“حاسين بالعجز عن تقديم شيء حقيقي. ودي حالة مرتبطة مباشرةً بأزمة التمويل، وهي الأخطر، لأن حتى مجرد الوجود العلني للمبادرات بقى مهدد”.
فبينما نرفع شعار 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة، وندعو جنبًا إلى جنب الأمم إلى تضافر الجهود لوضع حدًا للعنف المتصاعد. فإن الواقع على الأرض يكشف فجوة متزايدة بين حجم الكارثة وحجم الاستجابة.
