غرامة الحد الأدنى للحساب وحجب الأذون الأولية.. حينما تعاقب البنوك صغار المودعين

وسط ابتسامة مسؤول خدمة العملاء وإيقاع الموسيقى الهادئة الذي يتخلله كل بضع دقائق عبارة “عميل رقم كذا”، لا يتخيل مواطن بسيط يفتح حسابًا بنكيًا من أجل تعظيم أمواله والاستفادة منها، أن تلك الأموال قد تتناقص، وأن المال الذي أراد أن يكثر جاءت القرارات الإدارية ونوع الحسابات والرسوم لتبعثره.

عليّ عبدالعال، رجل ستيني، اكتشف تلك الحقيقة بالطريقة الصعبة؛ فبعدما فتح حسابًا بنكيًا لأحفاده كهدية لهم في عيد ميلادهم الأول قبل 3 سنوات، فوجئ بأن المبلغ الذي وضعه لكل منهم تناقص بشكل كبير، وحينما استفسر عن السبب كانت الإجابة: “بسبب نزوله عن الحد الأدنى لاحتساب الفائدة”، الذي يقدر بـ 5 آلاف جنيه.

القصة ذاتها تكررت – بحسب مسؤول مصرفي – مع خريجة جديدة اضطرت لفتح حساب في أحد البنوك من أجل تحويل أجر عملها بالحصة في إحدى المدارس عليه، لكنها لم يتم إلحاقها بالعمل، وبعد سنوات قررت زيارة البنك لإيداع مبلغ مالي في حسابها القديم وتنشيطه، لتُفاجأ بخصم ما يتجاوز 2600 جنيه.

تتنافى تلك الوقائع مع حديث البنوك المستمر على ضرورة نشر الشمول المالي وتسهيل إجراءات فتح الحسابات البنكية، وتعديل سن فتح الحسابات المصرفية للشباب ليصبح 15 سنة بدلًا من 16 سنة تماشيًا مع تعديل سن إصدار بطاقة الرقم القومي، من أجل الوصول لمجتمع غير نقدي “مجتمع دون كاش”.

يقول أحمد حلمي، موظف، إن بعض البنوك حينما ينخفض فيها الرصيد عن خمسة آلاف جنيه، ولو بجنيه واحد، تبدأ المعاناة بخصم عمولة عقابية لعدم بلوغ الرصيد الحد الأدنى، علاوة على المصاريف الأخرى من خدمة حساب، وكشوف الحساب، ولو تحول إلى راكد، يتم فرض خصم آخر.

شاشة انتظار عملاء أحد البنوك (وكالات)
شاشة انتظار عملاء أحد البنوك (وكالات)

غرامات الحد الأدنى للرصيد

الخبير المصرفي رمزي الجرم، يقول إن القطاع المصرفي يشهد حاليًا استنزاف أرصدة بعض المودعين التي تقل أرصدتهم عن حد احتساب الفائدة، مضيفًا أن الكثيرين تواصلوا معه للشكوى من تلك المشكلة، حتى أن أحدهم أودع مبلغًا لأولاده منذ سنوات، فإذا به يجد أن المبلغ استُنزف بالكامل، بل وأصبح مدينًا بنحو 3 آلاف جنيه للبنك، وما زال البنك يخصم عليه مصروفات دورية وعمولة جزائية لعدم بلوغ رصيده الحد الأدنى لاحتساب الفائدة.

الدكتور رمزي الجرم
الدكتور رمزي الجرم

ويبدي الجرم استغرابه من تلك السلوكيات، فالودائع التي تقل عن الحد الأدنى لحساب الرصيد غير مُكلفة، وتعتبر أحد أهم مصادر الربحية في البنوك التي تشمل (الودائع تحت الطلب – أرصدة عملاء التوفير التي تقل عن حد احتساب العائد – تأمينات العملاء مقابل خطابات الضمان أو التزامات متنوعة).

ويشير في تصريحاته لـ فَكّر تاني، إلى أن البنوك تخصم أيضًا مصاريف خدمة الحساب ومصاريف كشوف الحساب التي تتجاوز المصاريف الفعلية، والعمولة المُقررة على الحسابات الراكدة حال تحول طبيعتها، إلى جانب عمولة جزائية على العميل لعدم وصول رصيده لحد احتساب العائد، مع أن هذا الأمر أكثر استفادة للبنك، خصوصًا مع قيام الأخير باستثمار تلك الفوائض المالية بعائد يتجاوز 21%.

ويوضح أن البنوك يجب عليها القيام بممارسات أخرى بإعطاء مزايا للحسابات التي تقل عن الحد الأدنى لاحتساب العائد، مثل عدم خصم مصاريف معينة مفروضة على العملاء الآخرين، لأن الودائع غير المكلفة كنز للبنك فعلًا، فهي حسابات لا يفرض عليها فائدة وبالتالي لا تحمل البنك أي شيء.

قفزة الشمول المالي “مُهددة”

بحسب تعليمات الشمول المالي والتيسير على المواطنين وأصحاب الحرف في فتح حسابات بموجب بطاقة الرقم القومي، شهدت البنوك فتح نحو مليون حساب للأفراد، بالإضافة إلى نحو 400 ألف حساب نشاط اقتصادي في الفترة من 2022 وحتى 2024، مما ساهم في مساعدتهم على تنفيذ تعاملاتهم المالية داخل القطاع الرسمي بحسب البنك المركزي.

ووفقًا لبيانات البنك، فقد ارتفع عدد السيدات اللاتي يستخدمن حسابات مالية إلى 23.3 مليون سيدة من إجمالي 33.9 مليون بمعدل نمو بلغ 295% مقارنة بعام 2016، لتصل نسبة الشمول المالي للمرأة إلى 68.8%، وارتفعت تلك النسب بين الشباب (في الفئة العمرية من 15 إلى 35 سنة) والبالغ إجمالي عددهم 39.4 مليون شاب، لتصل إلى 53.1% بمعدل نمو بلغ 65% خلال الفترة من 2020 حتى 2024.

لكن على أرض الواقع، ربما تؤدي تصرفات غالبية البنوك العاملة بالسوق لنتائج مغايرة، كمحمد سالم الذي تم تعيينه أخيرًا بشركة لنقل البضائع، ولتلقي راتبه اشترطت عليه الشركة فتح حساب بنكي ببنك كبير ومشهور من أجل تحويل الراتب عليه، ليُفاجأ بضرورة حصوله على موعد أولاً عبر التطبيق الإلكتروني وتحديد موعد بعد 10 أيام، وأن يأتي بورقة مختومة من الشركة تتضمن تعهدًا بتحمله التكاليف والرسوم، أو التخلي عن ذلك كله وفتح حساب شخصي.

أراد الشاب شراء وقته وسحب المبالغ التي يقتصدها في بنك آخر ووضعها في حساب شخصي من أجل شراء الوقت، ليُفاجأ بأن الحد الأدنى لفتح حساب لا يقل عن 20 ألف جنيه وفوقها 300 جنيه لا يعرف الهدف منها، والـ 20 ألفًا لن يستطيع سحبهم من الحساب إلا بغلقه، والغلق ذاته يتطلب دفع رسوم إغلاق.

البنك المركزي المصري (وكالات)
البنك المركزي المصري (وكالات)

حتى إغلاق الحسابات برسوم

إذا أراد المواطن التحرر من تلك المشكلات فعليه دفع رسوم ببعض البنوك، مثل أميرة شفيق، موظفة بنكية سابقة، التي أكدت أنها دفعت مصروفات قفل الحساب في البنك الذي كانت تعمل به، رغم أنها أفنت حياتها في العمل المصرفي.

ويقول الشاب محمد علي، إنه أثناء غلق حسابه البنكي بأحد فروع بنك شهير في الهرم، فوجئ بحوالي خمسة آخرين يجلسون بجواره جاءوا البنك لذات الطلب.

رمزي الجرم يعلق على تلك النقطة، قائلًا إن الأعراف المصرفية تؤكد أن تَسرب عميل واحد من بنك ما بسبب سوء أداء الخدمة أو نحو ذلك؛ من المتوقع أن يؤدي إلى فقدان 5 عملاء محتملين، مطالبًا البنوك بتغيير فلسفتها فيما يتعلق بطبيعة الرسوم وكذلك أداء موظفي خدمة العملاء الذين يفتقدون لمهارات العمل.

كما يحذر أحمد عبد الوارث، مدير سابق ببنك الإسكندرية، من خطورة تسرب العملاء الصغار، ضاربًا المثل بفترة عمله المصرفي وأثناء إعداد البيانات الشهرية لخطة التنمية الاقتصادية في عام 2000، كانت الودائع أقل من 10 آلاف جنيه تمثل الحجم الأكبر من أرصدة ودائع العملاء من حيث قيمة الودائع وعدد العملاء والأكثر استمرارية في محفظة ودائع البنك.

ويضيف أن العميل الذي يمتلك مبالغ كبيرة يميل للاستثمار في العقارات والذهب أو التجارة عند هبوط معدل سعر العائد، بينما صاحب الأرصدة الصغيرة لا يهتم كثيرًا بارتفاع أو انخفاض معدلات العوائد، وكانت إدارة البنك هي التي تحتفظ بعملاء الأرصدة الصغيرة.

ويتابع: “توسعت البنوك في فرض رسوم مبالغ فيها كمصاريف غرامة السحب النقدي لمبلغ أقل من 30 ألف جنيه أو انخفاض رصيد الحساب عن حد معين وكذا مصاريف تشغيل الحساب ومصاريف أخرى كثيرة، رغم أن اتجاه الدولة للشمول المالي كان يتطلب العكس تمامًا بانتفاء المصاريف أو تحصيلها بقيمة معتدلة”.

صالة انتظار في بنك (وكالات)
صالة انتظار في بنك (وكالات)

صراع على الأرباح

“م. س”، أحد الموظفين بفرع بنك إماراتي إسلامي بمصر، يقول إنه تعرض للجزاء لأنه جادل في فرض رسوم على حسابات لا يوجد فيها سوى 100 جنيه، خاصة أنها تعليمات شفهية لا يوجد لها تعليمات مكتوبة من البنك المركزي.

ووفقًا لبيانات البنك المركزي، سجلت 10 بنوك كبرى أرباحًا بلغت 212.23 مليار جنيه خلال أول 6 أشهر من 2025، بينما قفزت الأصول إلى 18.97 تريليون جنيه بنهاية يونيو، مقابل 15.18 تريليون جنيه قبل عام، بنمو تجاوز 25%، فيما قفزت الودائع إلى 11.59 تريليون جنيه، مستحوذة على نحو 78% من إجمالي ودائع القطاع.

جهل المواطن المالي يجعله فريسة

محمد جمال، مسؤول ببنك حكومي، يقول إن أكثر من 90% من المصريين يفتقرون للوعي المصرفي ولا يعرفون الشروط، ضاربًا المثل بالذي قام بفتح الحسابات للقُصر وهو الولي الطبيعي، فقام بفتح أكثر من حساب للقُصر ووضع الحد الأدنى الذي لا يسمح بالحصول على عائد وتراكمت عليه المصاريف وتم الخصم.

ويضيف أن البعض يريد أن يفرح أولاده بأن لهم حسابات ولم يفطن إلى شروط فتح الحساب، فلو وضع المبلغ كله بحساب واحد لأخذ عائد، ولكن غياب الوعي المصرفي لدى جمهور العملاء يؤدي إلى مصائب كثيرة في ظل ضغط إدارات البنوك على العاملين لتحقيق المستهدف المطلوب.

المكسب للبنك فقط

التضييق من البنوك على عملائها اتخذ محطة مع رغبتها في تحقيق المكسب الأكبر على حساب العميل، فكما يقول الخبير المالي هاني توفيق، فإنه تلاحظ أن بعض العاملين بالبنوك يعرقلون عن عمد اكتتاب العملاء في السوق الأولية لأذون الخزانة، ليحقق البنك أرباحًا أكثر بشرائها لهم من السوق الثانوية.

ونمت استثمارات البنوك في الأوراق المالية وأذون الخزانة، بنسبة 37% لتصل إلى 5.76 تريليون جنيه، خلال النصف الأول، ما يدل على توجيه البنوك قدرًا كبيرًا من استثمارها للأذون، وأنها أصبحت أحد المحركات الأساسية لمكاسب القطاع المصرفي المصري حاليًا.

ويشتكى العديد من أصحاب الودائع من مماطلة البنوك في الاستثمار لهم في أذون الخزانة خاصة أن البنك المركزي يشترط لاستثمار الأفراد بها أن يكون عن طريق بنك، ما دفع توفيق لمطالبة البنك المركزي بإنشاء وحدة خاصة لمتابعة هذه الممارسات، مضيفًا أن “الناس في عرض جنيه زيادة لاسيما والاتجاه العام خفض الفائدة”.

وهو يوضح أن رؤساء البنوك يتصورون بجوار أرباح بنوكهم، وهذه الأرباح معظمها من إقراض الحكومة (بلا مخاطر) لسد العجز، وليس إقراض مصانع، وتشغيل، وتصدير، وضرائب كانت لتساهم في سد هذا العجز… وخاطب أصحاب الودائع، قائلًا: “اكتتبوا مباشرة في أذون الخزانة، فأنتم أولى بهذه الأرباح”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة