بعيدًا عن الغموض الذي يكتنف مصير انتخابات البرلمان، في أعقاب البيان الرئاسي الذي يقر ضمنيًا بأن سيل التجاوزات بلغ الزُّبى.
وبمنأى عن بؤس بهلوانات الإعلام وبهاليل النخبة السياسية، ممن كانوا يتشدقون بنزاهة وشفافية عمليات الاقتراع، فانقلبوا على وجوههم ليصبوا عليها اللعنات صبًا.
وبغض النظر عن الجدل بشأن النظام الانتخابي الأكثر تعبيرًا عن إرادة الشعب المصري، لا بد من الاعتراف بأن عديدًا من المرشحين يستحقون أن “نشكر” لهم شكرًا عميقًا، ذلك أنهم أضحكونا في عز الكآبة، بخفة ظلهم التي تناسب خفة برامجهم الانتخابية.
خفة الظل خاصية مصرية استثنائية، لا مراء في أنها تستحق أن تتصدر عوامل عبقرية مصر، بالتوازي مع الموقع الجغرافي الفريد الذي يجعلها بمثابة النخاع الشوكي للكرة الأرضية.

مصر المحسودة.. المحروسة سابقًا
وعلى ذكر الموقع الجغرافي، فإن فرادته تلك لم تُغرِ جحافل الغزاة بالانقضاض على مصر في شتى العصور فحسب، بل إنها جرَّت عليها الحسد، كما قال المفتي الأسبق؛ الدكتور علي جمعة، لدى زيارته جرحى الثورة، قبيل سقوط المخلوع مبارك بساعات: “الناس متغاظة من مصر لأنها على ناصية ولها موقع استراتيجي ومميز”.
ما شاء الله يا مولانا على الحكمة والمفهومية.
لكن رويدًا فالرجل أردف تصريحه ذاك بدعوته المتظاهرين إلى العودة إلى بيوتهم درءًا للفوضى، ما يعني أنه كان يعتبر الثورة من آثار “العين التي فلقت الحجر”.
وفقًا لذلك فقد كان ممكنًا الوقاية من تلك العين، بأن نُبَخِّر البلاد بعين الكتكوت، ونرش الملح سبع مرات، إن كنا من الجهلاء، أو نردد المعوذتين إن كنا مؤمنين، أو نمط بوزنا استخفافًا إن كنا من الأخوة الملحدين، ممن لا يعرفون لماذا هم ملحدون؟
على كل حال، وبما أن المفتي الأسبق قال إنه الحسد، وكاتب السطور لا يجرؤ على أن يماريه في أمر، ولأن الحسد مذكور في الكتاب المبين، فعلينا أن نصدق حتى لا نكون من الذين حبطت أعمالهم في الحياة الدنيا.
والظاهر أن العين التي شافت ولم تُسمِ على النبي، ضربت فيما ضربت البرلمان الموقر، وأغلب الظن أن هذه العين الحاسدة ليست جديدة، بل تتوغل زمنيًا إلى بدايات عودة البرلمان المصري في فترة الرئيس جمال عبدالناصر.
منذ عاد البرلمان المصري بعد حله في أعقاب ثورة يوليو، والمصريون يرون العجب العجاب من برلماناتهم وممثليهم تحت القبة.
برلمان الصوت الواحد بعد ثورة يوليو
من المضحكات المبكيات أن “دستور الثورة” التي تصدر مبدأ إقامة حياة ديمقراطية سليمة أدافها، قد حصر حق الترشح للبرلمان على أعضاء الاتحاد الاشتراكي، ذلك بعد أن مزقت “حركة الضباط المباركة” أواصل السياسة حين حلت ما سمَّته الأحزاب الفاسدة.
كانت تلك براءة اختراع في تفريغ الأشياء من معانيها.
مصر ابتدعت نظامًا برلمانيًا يُفترض أنه لمحاسبة الحكومة، لكن عضويته اقتصرت على الدائرة السياسية الأوثق صلةً، والأقرب مصالحها مع تلك الحكومة.. فلا تخرج قبل أن تقول سبحان الله.
نمضي إلى السادات، فإذا بالرجل يحتكر الكوميديا في مسرحية، أدى فيها دور “شحاته المعسل”، كما سمَّاه بذكاء مدهش، وقريحة عميقة الأغوار، شاعرنا الراحل أحمد فؤاد نجم، في إحدى قصائده السليطة.
كان الرئيس الراحل كلما أراد حل البرلمان، كما فعل بعد توقيعه “كامب ديفيد” أطلق على قراره بذلك: تجديد الشرعية.

يا سلام.. يحل البرلمان، ويريد أن يقنعنا أنه ينشد الشرعية.
كان الضحك إلى الركب، وكان الضحك كالبكاء، كما يقول شاغل الدنيا ومالئ الناس، أبو الطيب المتنبي، في قصيدة وصف فيها مصر تحت عرش كافور الإخشيدي، وهو التوصيف الذي يبدو لصيقًا بها إلى حد الآن.
كوميديا السادات البرلمانية الذي طالما تباهى بأنه رجل الديمقراطية، “التي كان لها أنياب”، جعلت تستدر المفارقات الساخرة وربما “الشاخرة” في كتابات معارضيه، وعلى رأسهم الراحل الكبير محمود السعدني الذي كتب ما معناه: “إن تجديد الشرعية أشبه بتجديد رخصة القيادة؛ ورق جديد، طابع جديد، أختام جديدة، لكن السائق هو السائق الذي يطلع دائمًا على الرصيف”.
كم كان رحمة الله عليه ولدًا شقيًا بكل معنى الكلمة؟ وهو تصنيف غاية في الرحمة، إذا قورن بما كان يمكن أن يوصف به كاتب يكتب نحو هذه الكلمات في الجمهورية الجديدة.. جدًا.
الأغلب أنه سيجد نفسه مقيدًا بالأصفاد، متهمًا بأنه خلية نائمة، ذلك إن أفلت من تهمة الإرهاب، وفي الحالتين فإن مصيره أسود من كوع الضبع، وطريقه مسدود مسدود مسدود يا ولدي.
وجاء مبارك لنشهد في ثلاثينيته السوداء، مضحكات مبكيات أكثر فداحة، إذ فتحت الحياة البرلمانية أبوابها على مصاريعها للفاسدين، على حين تركت ثقبًا لا يكاد أن يُرى لمرور أقل القليل من رموز المعارضة الجادة، فرأينا نواب الكيف والقروض والمتهربين من التنجيد.
الفساد الممنهج في كل المجالات أصبح يتغشى القمة والقاع، وهو فساد لم يخترعه نظام مبارك والذين معه من دهاقنة الحزب الوطني المنحل، لكنه شرعنه وأسبغ عليه صفة قانونية.
كان تغييب البرلمان منذ ثورة يوليو من نتائج هذا الفساد ومن أسبابه معًا.
كذلك تؤدي المقدمات إلى النتائج، وتتراكم الخطايا حتى تنجب كوارث.
كوميديا سلفية بما لا يخالف شرع الله
ولم يعدم برلمان ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير الكوميديا، وكان من المهازل التي لا تُنسى أن نائبًا سلفيا انتصب واقفًا ليرفع الآذان تحت القبة، بذريعة أنه إذا نودي للصلاة فعلى المسلم أن يذر كل شيء فيهرع إلى لقاء ربه.

لا جدال في احترام فريضة الصلاة في مواقيتها، ولو أن صاحبنا ذاك تقدم بطلب لوقف جلسات البرلمان عشر دقائق مثلًا، لما استدعى الأمر هجاء أو نقدًا، لكنه اختزال الإسلام في ظاهر الطقوس دون جوهر المعاني.
كانت فعلة أخينا السلفي توحي بأن الهزل البرلماني قد أصبح يتدحرج رويدًا رويدًا إلى حضيض التفاهة.
اليوم.. وبالمثل نرى مع الانتخابات الراهنة، من الهزل ما يجعل المرء يستلقي على قفاه من فرط الضحك، وذلك بالطبع أحسن من أن ينفجر غيظًا، على ما آلت إليه الحياة السياسية بعد نحو 160 عامًا على تدشين أول برلمان مصري.
مرشح على حصان وحملة دعاية “برمائية”
رأينا مرشحًا ذا شارب يقف عليه الصقر، فوق صهوة حصان مطهّم، يشهر سيفًا مسلولًا، فإذا بمؤيديه من حوله يصفقون ويتراقصون، في مشهد يؤكد أننا نعيش أزهى عصور الـ”ولا حاجة”.

تفرّجنا على مادة فيلمية لمرشح آخر، ارتأى استغلال الزخم الشعبي المرافق لافتتاح المتحف المصري الكبير، فانطلق في مسيرة ذات طابع فرعوني، ومن حوله نساء ورجال يرتدون أزياء أسلافنا قدماء المصريين، الذين لا شك في أنهم يتقلبون في مقابرهم من فرط الأسى، على ابتذال تاريخهم التليد.
وقرأنا تصريحًا لقيادي حزبي بأن حزبه يتوخى من الانتخابات “تمثيلًا مشرفًا”، دون شرح لطبيعة التمثيل الذي يعنيه، مما يحيلنا إلى المرحوم الكابتن محمود الجوهري، الذي أدخل هذا المصطلح إلى أدبيات المستطيل الأخضر، لدى وصول المنتخب القومي إلى مونديال إيطاليا 1990، ومن بعدها أصبح كل مدير فني يردد المصطلح ذاته، فإذا بالمشاركات الدولية والقارية تنتهي بمنتخبنا وهو “حصّالة” الفرق التي تلعب للفوز، ولا تؤدي المباريات مثل “التي رقصت على السلالم”.
في السياق ذاته، أراد مرشح أن يدشن حملته بوسيلة لم يسبقه إليها أحد، فشارك مجموعة من الغطاسين في حملة غوص لجمع المخلفات من أعماق البحر الأحمر، وصرح بأنه إنما فعل ذلك لكونه يملك أفكارًا “خارج الصندوق”.
حملة برمائية لا رد عليها إلا بمقولة الشيخ كشك تعليقًا على غناء العندليب الأسمر رائعة نزار قباني “رسالة من تحت الماء”: الحمدُ لله الذي جعل منا رجلًا يتنفس تحت الماء.
على أن مشاهد الانتخابات البرلمانية العجيبة الغريبة، ليست منبتة الصلة بحال البرلمان بعد الثلاثين من يونيو، الذي أضحكنا نوابه وأبكونا في آن واحد.
مما نذكره من المهازل أن نائبًا طالب بإرضاع حديثي الولادة لبن الحمير، لتحسين مستويات صحة الشعب المصري.
هذا مطلب جدير بالدراسة، فلبن الحمير سيجعل المواطن مثل “الجحش”، والمعروف أن المواطن الجحش سيقدر على سحب قاطرة أو “كارو” التنمية.
وثمة نائب ذهب إلى أن 60% من الرجال المصريين ضعفاء جنسيًا، ثم أردف “حتى اسألوا مراتي”، على حين اقترح نائب التوسع في إنشاء المراحيض العامة، وتحصيل رسوم على “فك الزنقة” لتجاوز الأزمة الاقتصادية، لكن أحدًا لم يتبن هذا مشروعه القومي للمراحيض.
هزل في موضع الجد، وقد قالت العرب إن من يهزل في موضع الجد تسقط هيبته.
لكن بطبيعة الحال ليس كل البرلمانيين هزليين، فلدينا نواب جادون محترمون ومحنكون، منهم رجل كل البرلمانات المخضرم، و”معارض مؤيد” جميع العصور؛ مصطفى بكري الذي صرَّح بأن الصراع الانتخابي “ناري”، وينم عن وعي المواطن المصري بمسؤولياته التاريخية، وذلك قبيل البيان الرئاسي طبعًا.

تصريح عظيم يرفع مستوى أدرينالين الوطنية في الدماء، لكن المؤسف أن المبالغة فيه تغلب الحقيقة، والدليل أن البيان الرئاسي نسفه نسفًا، فهل سنسمع من بكري ومن لف لفه ردًا؟
أيما يكن.. سواء كانت الانتخابات نزيهة أو مشبوهة، شفافة أو فاسدة، أعيدت كليًا أو جزئيًا أو حتى ألغيت، فالواقع أن الشارع المصري لا يحس أصلًا أن هنالك انتخابات، ولا يأبه بذلك أيضًا، الأمر الذي يذكرنا بمحمد سعد في “الليمبي” حين جعل يصرخ غاضبًا في المدعوين إلى فرحه: أنتوا مش بتزغرطوا ليه؟ هو فرح واحد محروق؟
