انتخابات بـ”الذكاء الاصطناعي”

يبدو من الإجراءات المعلنة والديكور الشكلي المتبع، أن ما يحدث في مصر، هي انتخابات برلمان 2025، وأن هناك مرشحين ومرشحات، ولكن كأنها انتخابات وكأنهم مرشحون، كما يرى المراقبون، في ظل مخاوف جدية من قطاع سياسي عريض، من أن الانتخابات انتهت قبل أن تبدأ وأن المنافسات شبه محسومة، فهل هذا صواب؟

يذهب البعض إلى تأكيد نظرته هذه بالحديث عن القائمة المطلقة المغلقة التي يخوضها بعد إسدال الستار على الترشيحات والاستبعادات، قائمة حزب مستقبل وطن، المعروفة اعلاميًا بالقائمة الوطنية من أجل مصر، والتي تتجه للفوز بالتزكية الواقعية بعد حصولها المتوقع على ما يزيد على 5% من أصوات الناخبين والناخبات.

أما على المقاعد الفردية، فقد ألقت الاستبعادات بظلالها على المشهد الانتخابي برمته، ونزعت عنه مبكراً حيويته، خاصة بعد إعلان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، انسحابه من العملية الانتخابية، وسحب مرشحه الدكتور زهدي الشامي من دائرة دمنهور بعد استبعاد مرشحيه الفرديين بالإسكندرية والمنصورة النائب السابق هيثم الحريري ومحمد عبد الحليم.

اقرأ أيضًا: انتخابات مجلس النواب 2025.. تغطية مفتوحة 

شهادة أولى من قلب الموالاة

في 30 أكتوبر الماضي، أصدر النائب ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل الديمقراطي، وعضو مجلس الشيوخ المعين، بياناً كاشفا تحت عنوان:” حزب الجيل الديمقراطي: يخوض انتخابات مجلس النواب بـ 12 مرشحاً فردياً.. واستبعاد قائمتي الحزب أفقد الانتخابات روحها التنافسية” دافع فيه عن حزبه مؤكدًا أنه “لا يسأل عن ضعف التمثيل الحزبي في الانتخابات، لأن ذلك يحاسب عليه فقط عندما تجرى الانتخابات في أجواء حرة ونزيهة تتكافأ فيها الفرص بين الجميع، أما في ظل النظام القائم على القائمة المطلقة، واستبعاد قائمتي حزب الجيل الديمقراطي من المنافسة بالمخالفة للدستور والقانون وقرارات الهيئة الوطنية للانتخابات، فإن المسؤولية تقع على من أدار المشهد الانتخابي، وليس على الأحزاب الوطنية”.

وأوضح الرجل، الذي لا تشوبه شائبة واحدة في درجات الموالاة، أن “استبعاد قائمتي حزب الجيل أفقد الانتخابات روحها التنافسية وجعلها انتخابات بلا تنوع ولا تعددية، وهو ما يتناقض مع روح الدستور ومبادئ الحياة السياسية السليمة”، مؤكدًا أن حزبه “سيظل يسعى من أجل حياة ديمقراطية حقيقية تضمن التعددية وتكافؤ الفرص، حتى تكون الانتخابات القادمة تعبيراً صادقاً عن إرادة الشعب المصري”.

شهادة قبطية سياسية

في مقاله بصحيفة وطني، كتب السياسي والصحفي القبطي نادر شكري، في 16 أكتوبر، ملاحظة أخرى، لما وصفه بالمشهد العبثي للانتخابات، حيث يرى أن “القوائم الانتخابية لمجلس النواب عكست صورةً صادمة عن طريقة إعدادها، سواء من حيث غياب المعايير أو تغييب الإرادة الشعبية، أو في تمثيل الأقباط الذي جاء على نحوٍ لا يليق بحجمهم ومشاركتهم الوطنية، عبر تمثيل غير متوازن وغياب للرجال الأقباط، حيث بلغ عدد الأقباط المرشحين على القوائم الأربع 28 مرشحًا فقط، بينهم 23 سيدة و5 رجال، وهو توزيع غير مسبوق أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط القبطية والكنسية”.

نادر شكري
نادر شكري

وتحت عنوان” المرأة القبطية بين التمكين والاستخدام السياسي“، أضاف أن الملاحظ أن كوتة المرأة تحوّلت في بعض القوائم إلى شكل ديكوري، يُستخدم لتسكين أكثر من صفة في مقعدٍ واحد (امرأة + قبطية + ذوي إعاقة مثلًا)، كما حدث في بعض الدوائر مثل البحيرة، لتفريغ مقاعد إضافية لرجال الأعمال أو الوزراء السابقين أو الشخصيات ذات النفوذ، مؤكدًا أن “هذه الصيغة أفرغت التمثيل من مضمونه، وأثارت مخاوف من أن المرأة القبطية تُستَخدم كأداة لترتيب سياسي لا يعبّر عن تمكين حقيقي أو عن المشاركة المجتمعية الفاعلة”.

وفي شهادته، أوضح شكري أنه لم يقف الخلل عند حدود التمثيل القبطي أو النوعي، بل شمل أيضًا الانتماء الحزبي للمرشحين، حيث قد ظهرت أسماء مدرجة على قوائم أحزاب لا تنتمي إليها فعليًا، وبعض المرشحين انتقلوا من حزب إلى آخر فقط للحصول على صفة حزبية تتيح لهم الترشح، مما جعل العملية الانتخابية تبدو وكأنها انتقال بين “نوادي سياسية” لا بين مؤسسات حزبية ذات فكر وبرنامج، مؤكدًا أنه “بدلًا من أن تكون الانتخابات فرصة لإحياء الحياة السياسية وتمكين الفئات المختلفة، تحولت إلى عملية اختيار فوقية، تُغيب الإرادة الشعبية وتُهمّش الكفاءات”.

اقرأ أيضًا: نيفين إسكندر: أدعو إلى حوار حول مستجدات الانتخابات النيابية.. والنساء قادمات في برلمان 2025(حوار)

مواقف من قلب الحيز المتاح

السياسية والصحفية منى عبد الراضي، أمين المرأة بالحزب المصري الديمقراطي أحد أحزاب ما يعرف بالحيز المتاح المتحالف انتخابيا مع الموالاة كتبت، في 18 أكتوبر الماضي، بيانا جاء كصرخة غضب، فاضحة لمستوى آخر لما يمكن وصفه بـ” سلق الانتخابات”، عبر القائمة المطلقة، حيث كتبت على حسابها الشخصي بموقع فيس بوك تحت عنوان :” الأحزاب ومقاعد البرلمان”: “لم تكن انتخابات البرلمان بغرفتيه — الشيوخ والنواب — هذه المرة استثناءً من قاعدة مؤسفة تتكرر: غياب المعايير الحقيقية في اختيار المرشحين على القوائم، وحضور المال والنفوذ والولاءات الشخصية على حساب الكفاءة والتاريخ الحزبي والمجهود الفعلي في الميدان”.

منى عبد الراضي

وأضافت المرشحة التي كانت محتملة لدى مراقبين كثيرين أن ” معظم الأحزاب تقريبًا، المشاركة في القوائم، تجاهلت أبسط مبادئ العدالة والتمثيل، ولم تعتمد سوى معيار “الملاءة المالية” و”الثقة الشخصية” ودوائر الأصدقاء والمقربين، وردّ الجميل على حساب الاستحقاق. أما الخبرة، والنشاط، والمواقف الوطنية، فبدا أنها لا وزن لها أمام سطوة المال ورغبة البعض في تكوين برلمان على مقاسهم”.

“إن ما جرى لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة في حق الديمقراطية”، هكذا أصدرت حكمها، وهي في قلب المطبخ الانتخابي، بعد استبعادها من قوائم المرشحين داخل حزبها لأسباب لا ترتبط بالخبرة والقدرة بل بسبب أنها لا تمتك الملاءة المالية الكافية كما قالت، مؤكدة أن العملية الانتخابية تحولت برمتها إلى “مشهد مغلق، لا مكان فيه إلا لأصحاب المال، وأهل الثقة، والمقرّبين”.

منى الشماخ أمينة الإعلام وعضوة الهيئة العليا بالحزب المصري الديمقراطي

وفي السياق نفسه، أعلنت الروائية والسياسية منى شماخ، أمين الاعلام بالحزب المصري الديمقراطي قرارها في 29 أكتوبر، بـ”الابتعاد نهائيا عن العمل السياسي والحزبي وقضاء ما تبقى لها من سنوات على هذا الكوكب في سلام نفسي”.

وفي مقالته “اختيار المرشحات في توليفة الانتخابات”، على منصة فكر تاني، شن الحقوقي محمد أبو طالب العضو المؤسس بالحزب، هجوماً حادًا على طريقة اختيار المرشحات في القوائم المطلقة وما يحدث في اختيارات الأحزاب للنساء في هذه الدورة.

 

اقرأ أيضًا: منى عبد الراضي: أعطوا للنساء فرصة أكبر في البرلمان.. وأطلقوا سراح سجناء الرأي

 احتجاج الحيز الدستوري

في مقابل أحزاب ما أسميتهم مبكرًا “الحيز المتاح”، الذي يقبل بالعمل وفق المساحات السياسية المتاحة رسميًا، يوجد أحزاب أخرى ضمن نطاق أسميه الحيز الدستوري، تتمسك بضرورة العمل في المساحات المقرة دستوريًا لا بالأمر الواقع، ومنها الحزب التحالف الشعبي الاشتراكي برئاسة الكاتب الصحفي والسياسي مدحت الزاهد المنسق السابق للحركة المدنية الديمقراطية.

هيثم الحريري ومحمد عبد الحليم
هيثم الحريري ومحمد عبد الحليم

قد يكون لديهم إجابة على السؤال المطروح في بداية المقال، حيث أن هؤلاء من الذين قاطعوا انتخابات مجلس الشيوخ، باعتبار أنها “انتخابات صورية لمجلس ديكوري” كما يرون، ولكنهم أعلنوا المشاركة في انتخابات مجلس النواب 2025، على المقاعد الفردي مع رفض القوائم المغلقة، ودفعوا بثلاثة مرشحين فقط أحدهم نائب سابق هو المهندس هيثم الحريري، والآخر كادر من جيل الوسط هو محمد عبد الحليم والثالث هو سياسي عتيق وخبير اقتصادي وهو الدكتور الأكاديمي زهدي الشامي.

كان يمكن أن يمر ترشيحهم والانتخابات، دون ضجيج منافسة أو حتى فوز، أو بفوز محتمل للحريري، ولكن ما حدث أنه تم استبعاد الحريري وعبد الحليم، لسببين مختلفين، كان محل جدل وطعن منهما، وسط استنكار حقوقي وسياسي واسع، وصل إلى اعتبار ما حدث “استهداف واضح”، في حين التزمت الهيئة الوطنية للانتخابات الصمت بعد القرار والتعليقات خاصة أنها تؤكد عادة نزاهة العملية الإجرائية بشكل منقطع النظير والشبيه، وقد يكون معها الحق فالإجراءات شيء والإرادات شيء آخر.

في 24 أكتوبر، أعلنت اللجنة المركزية لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، في ختام اجتماعها قرارها الانسحاب الكامل من انتخابات مجلس النواب 2025، وذلك خلال دورة عقدت تحت اسم “دورة هيثم الحريري ومحمد عبد الحليم”، تكريماً لمرشحي الحزب اللذين تم استبعادهما من السباق الانتخابي.

وأكد الحزب في بيان صدر عقب الاجتماع أن قرار الانسحاب جاء احتجاجاً على ما وصفه بـ”الانتهاكات الواسعة” التي شابت العملية الانتخابية، وفي مقدمتها الإقصاء المتعمد للمرشحين المعارضين والمستقلين، وهو ما اعتبره الحزب دليلاً على غياب العدالة وتكافؤ الفرص، وتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي لا يعبّر عن الإرادة الشعبية.

وشددت اللجنة المركزية على أن الحزب كان حريصاً منذ البداية على خوض الانتخابات دفاعاً عن حق المواطنين في التمثيل السياسي الحر، غير أن استمرار الممارسات الإقصائية قضى على أي أمل في منافسة نزيهة، مؤكداً أن انسحابه يأتي “موقفاً سياسياً مبدئياً دفاعاً عن الديمقراطية، لا انسحاباً من معركة الإصلاح أو من الدفاع عن حقوق المواطنين”.

اقرأ أيضًا: هيثم الحريري: من مصلحة مصر وجود 60 نائبًا معارضًا ببرلمان 2025.. وتعديل الدستور مرفوض “حوار”

وجهة نظر الموالاة

“كأنها انتخابات وكأنهم مرشحون”، تبدو الأمور هكذا وفق هذه الشهادات المعتبرة، صواب لا يحتمل الخطأ، إلا في منظومة دعاية أحزاب الموالاة، ومن والاها، التي تشيد بالمشهد الانتخابي من وقت لآخر، إشادة تذكرنا بالذي مضى، كما يقول كثيرون.

جانب من اجتماع القائمة الوطنية من أجل مصر بقيادة حزب مستقبل وطن - فيسبوك
جانب من اجتماع القائمة الوطنية من أجل مصر بقيادة حزب مستقبل وطن – فيسبوك

ومن هنا، سألت في ختام حواري على منصة فكر تاني مع النائب والمرشح البرلماني الدكتور أيمن أبو العلا: ” البعض يقول إن “الانتخابات انتهت قبل أن تبدأ” ولا داعي للمشاركة. ما رسالتك للناخبين؟” فرد بثقة قائلًا:” لو كنت أرى المشهد كما يراه هؤلاء البعض لما كنت دخلت الانتخابات. أنا لا أصرف أموالًا في الدعاية ومجهودًا وزيارات ولقاءات لشرح برنامج من فراغ”.

وأضاف أنه “في اعتقاده أن الانتخابات ستكون انتخابات حقيقية. لذلك حث المواطن على النزول والمشاركة في الانتخابات، فالموضوع ليس محسومًا، في أي دائرة في مصر”، كما أكد.

الذكاء الاصطناعي

تبدو، انتخابات مجلس النواب 2025، هكذا، وكأنها تُدار بالذكاء الاصطناعي بلا ذكاء سياسي، لدى العديد من المراقبين والسياسيين، ولذلك كانت المحصلة كما يرى هؤلاء مع اختلاف مواقعهم ” اجراء شكلي فوقي لا يعبر عن الارادة الشعبية”.

منذ بداية مرحلة الترشح، بدت المؤشرات وكأننا أمام نموذج إداري آلي يُنفذ أوامر صماء على نحوٍ يُفقد الانتخابات معناها، كما يفعل الذكاء الاصطناعي حين يسيء فهم السياق فينتج “أمرًا غير الأمر المراد تحقيقه”.

صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

المعلن أنها انتخابات مجلس نواب 2025، والشكل حتى الآن آلي دقيق حيث دقة في الإجراءات ومواعيد الفتح والغلق والدعاية، ولكن واقعيًا، هناك معضلات تكشف غياب الحكمة السياسية والمرونة والذكاء الانتخابي في التعامل مع المواقف، حتى أصبحت علامات التعجب رفيقة معظم جلسات النميمة السياسية في العديد من الأحزاب والمقاهي السياسية في مواجهة نظام انتخابي يعمل بخوارزمية جامدة لا تفرّق بين الانتخابات والتعيينات، ولكن بعضهم بررها بأنها خوارزمية مطلوبة لإعداد المشهد لما هو قادم، والذي من بينه السماح بصنع مرشح رئاسي جديد من قلب أحزاب الحيز المتاح، بعيداً عن السياسي فريد زهران.

المشهد بدَا وكأنه تجسيد لما يُعرف في عالم التقنية بـ “التحكم التام غير القابل للتدخل”، حيث لا يمكن تعديل الكود بعد تشغيله، إنه نموذج آلي يتعامل مع الأسماء والأرقام كما تتعامل البرامج مع الأكواد: لا يخطئ في الحساب، لكنه لا يفهم المعنى ولا يقدر المآلات.

اقرأ أيضًا: السادات: قد نجد 100 نائب معارض ومستقل في برلمان 2025.. وأتوقع انفراجة حقوقية كبيرة

قواعد السياسة

قواعد السياسة واضحة، فهي لا تُدار بالأوامر الآلية الصماء، بل بذكاء العقول، والانتخابات لا تُصنع بالأكواد، بل بالناس.

ما يجري يشير إلى أن القرار الإداري أصبح نهائيًا كأنه ناتج عن برمجة لا تعرف المراجعة ولا الاستدراك، ولذلك الأمر يحتاج إلى دراسة معتبرة وتأمل وطني رصين يحكمه مصالح البلد العليا تحت مظلة فنّ إدارة التوازنات.

إن الموازنة بين الصواب القانوني والصواب الوطني، مهمة للغاية، فالسياسة لعبة معقدة، لا تعرف ولا تعترف بالإطار الصفري.

ترقب للانتخابات البرلمانية الوشيكة - تصميم سلمى الطوبجي
ترقب للانتخابات البرلمانية الوشيكة – تصميم سلمى الطوبجي

إن انتخابات تُدار بهذه الطريقة، حتى قبل أن تبدأ فتح صناديقها ، قد لا تفرز برلمانًا يمثل الإرادة الشعبية، كما يرى مبكرًا العديد من الأحزاب والشخصيات العامة بمصر، بل ستفرز كشف أسماء المقبولين عبر إهدار كل ما هو مقدّس ديمقراطيًا وسياسيًا.

إن أي أحزاب تظن أنها تتحكم بالمشهد الانتخابي والسياسي عبر الضبط الآلي التام، تنسى أن السياسة ليست نظام تشغيل يمكن التنبؤ بمخرجاته، بل منظومة بشرية مفتوحة على جميع الاحتمالات.

النتيجة قد تُعلن في موعدها، وقد تبدو مستقرة على الورق، لكنها ستظل، بحسب كثيرين، مفتقدة للروح التي تجعل منها محطة لبناء الثقة والأمل والاستيعاب لا مناسبة لإعادة إنتاج الشك والإحباط.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة