لم يثبت تاريخيًا أن استطاعت الأيديولوجيات المؤسَّسة على التمييز العنصري، أياً كانت دعائمها وركائزها الفكرية والمادية، أن تحقق استقراراً أو استدامة؛ فاستقرارها المؤقت يقوم دائماً على أساس القمع واستخدام العنف والقوة الباطشة، وهو في النهاية استقرار غير حقيقي وغير مشروع.
ويُعَدُّ نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (الأبارتايد) 1948-1994 خير دليل على ذلك، فهو رغم كل عناصر القوة التي توفرت له، إلا أنه لم يصمد أكثر من 46 عامًا، وهي فترة زمنية تشكّل لحظة قصيرة وجملة عابرة في تاريخ الشعوب، رغم ما تحمله من مرارة وألم يصعب نسيانه أو تجاوزه بسهولة.
وكذلك فإن دولة الكيان العنصري الصهيوني، التي أُنشئت قسرًا في فلسطين، والتي يمتد عمرها حتى الآن لمدة 77 عامًا، لم يتسنَّ لها خلال تلك العقود الثمانية أن تهنأ بالاستقرار والعيش الآمن، كما لم تحظَ بالقبول الشعبي حتى الآن من محيطها العربي والإقليمي الذي زُرِعت فيه، والأهم من ذلك كله أنها لم تنجح في تحقيق فكرتها الأساسية على أرض الواقع؛ فالفكرة الصهيونية يتمثل نجاحها بالأساس في تحقيق مبدأ الإحلال الكامل للشعب الفلسطيني، ومرحلته الأولى هي تأسيس دولة أغلبية سكانها من اليهود مع القبول بأقلية من الفلسطينيين المغلوبين على أمرهم، والخاضعين تمامًا وكليًا لشروط الأغلبية، وصولاً إلى مرحلة الإحلال الكامل، وهو ما عجز عنه مشروع الدولة الصهيونية العنصرية حتى تاريخه.
ما حققه نتنياهو
يُعتبر نتنياهو التعبير الدقيق والمثالي الذي يجسد الفكرة الصهيونية، ومن هنا فإن جميع التوصيفات التي ترى فيه مجرد زعيم يميني متطرف هي توصيفات غير دقيقة، بل ومضللة بعض الشيء؛ فالوصف الدقيق له هو أنه التعبير النقي والتجسيد الكامل للمشروع الصهيوني الذي يقوم على أساس اقتلاع وتشريد السكان الأصليين الفلسطينيين (التمييز العنصري والاستعماري)، حيث لا يمكن تحقيق "دولة يهودية" إلا على أنقاض الهوية الفلسطينية، مما يجعلها فكرة إحلالية وليست مجرد فكرة تحقيق الاستقرار والأمن للشعب اليهودي.
فهو عندما يمارس حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني والتطهير العرقي الكامل، ويستخدم جميع أشكال وأدوات العنف والبطش والتدمير في غزة، وعندما يقتل الأطفال والنساء قبل الرجال والشيوخ، وعندما يأتي على الأخضر واليابس، ويضع مهمة تهجير الفلسطينيين من القطاع كهدف استراتيجي، إنما يقوم — من وجهة نظر الفكرة الصهيونية وأيديولوجيتها الحاكمة — بمهمة مقدسة، وهي المهمة التي لا يمكن أن ينجح المشروع الصهيوني في إقامة دولته العنصرية على الأراضي الفلسطينية بدونها.

إن الإصرار على تعريف الدولة الإسرائيلية كـ"دولة يهودية"، مع استمرار القوانين التي تمنح الأفضلية للجماعة اليهودية على حساب حقوق الأغلبية الفلسطينية في مناطق النفوذ الإسرائيلي، هو ما يقطع بصحة وصف الصهيونية كفكرة ذات طبيعة عنصرية وتمييزية معًا.
لقد حقق الصهاينة نصرًا عسكريًا كبيرًا في غزة، بل أكثر من ذلك بكثير؛ لقد نجح الزعيم الصهيوني العنصري نتنياهو في حشد كافة القوى الصهيونية ومناصريهم من غير اليهود في جميع أنحاء العالم، ليقدّموا مجتمعين الصورة النموذجية لبشاعة وعنصرية الفكرة الصهيونية؛ تلك الصورة التي أفزعت شعوب العالم أجمع وأصابت الإنسانية بالهلع والرعب على مستقبل البشرية إذا ما استمرّ ذلك النهج واعتمد كأسلوب حياة.
لقد نجح نتنياهو وجميع قادة وأنصار الفكرة الصهيونية في الكشف عن جوهر فكرتهم وبشاعة عنصريتها وتعاليها على كافة الشعوب، بل وكشفوا بذلك القدر المرعب من الفجاجة، وبممارساتهم الصريحة لها، عن كل ما تحمله من قيم عنصرية تمييزية متعالية على البشر جميعًا، وكذلك عن الجوهر اللاأخلاقي الإجرامي الذي يرتكب الجرائم ضد الإنسانية بذلك المستوى من التوحش، مع عدم الاعتذار عنه، بل بالعكس التباهي به باعتباره انتصارًا للأمة اليهودية!!!
شكرًا نتنياهو، وكل الشكر لليمين الفاشي العنصري في العالم على ذلك الأداء الكاشف الذي فضح جوهر فكرتكم العنصرية المقيتة وأصابها في مقتل.
الشعب الفلسطيني
على الجانب الآخر، نجح الشعب الفلسطيني العنيد بتصديه البطولي الملحمي لمخطط الإبادة والتطهير العرقي الذي مارسته قوات جيش الاحتلال العنصري الصهيوني طوال عامين كاملين، في إفشال المخطط الصهيوني ومنعه من تحقيق أهم أهدافه، وهو إجلاء الفلسطينيين عن الأرض وإجبارهم على الرحيل والشتات.
لقد قدّم الشعب الفلسطيني عشرات الآلاف من الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ والمقاتلين الشباب، لكنه أبدًا لم يسمح للعدو بتحقيق الغرض الرئيسي من حربه العدوانية المجرمة، لم يسمح لهم بتحقيق أغراضهم، بل كسب الحرب عندما فاز بأوسع وأضخم دعم وتعاطف إنساني عرفته قضية شعب مُعتدى على حقوقه في التاريخ الإنساني كله، وهو ما أجبر تحالف اليمين العنصري مع ممثلي ورموز وقادة الصهيونية العالمية على التوقف والتسليم، قبل أن يدمّرهم غرورهم ويقضي عليهم تمامًا بعد أن عزلتهم حربهم العدوانية ضد شعب أعزل إلا من إيمانه بحقه في الحياة على أرضه وفي وطنه.

نعم، استطاع الصهاينة، باستخدام آلة الحرب العسكرية والتفوق الساحق عتادًا وتسليحًا، وبالدعم الاقتصادي والمالي، وباستخدام آخر ما توصلت إليه المعارف التكنولوجية المتطورة، أن يدمروا كل مظاهر الحياة على الأراضي الفلسطينية في غزة، لكنهم أبدًا لم يستطيعوا حتى الآن هزيمة إرادة الحياة والبقاء لدى الشعب الفلسطيني، كما أنهم لن يستطيعوا تحمّل العزلة والحصار الشعبي الدولي الذي يجسد بوضوح التضامن الإنساني الواسع من كل شعوب العالم؛ ذلك التضامن الذي أجبر حكومات ودولًا غير معروف عنها التعاطف مع الشعب الفلسطيني أو أنها تبنّت الدفاع عن قضيته العادلة يومًا، على أن تجهر علنًا برفض مخطط الإبادة الصهيوني العنصري الذي تمارسه دولة الكيان في غزة، وهو ما يؤكد مرة تلو الأخرى استحالة إقامة دولة يمكن أن تحظى بالاستقرار والديمومة بمجرد زرع مجموعات بشرية مجمّعة من جميع أنحاء العالم على أساس فكرة عنصرية تمييزية، مهما امتلكت من عناصر ومقومات مادية، ومهما حصلت على الدعم والتأييد من عناصرها المنتشرين في جميع أنحاء العالم بكل ما لهم من تأثير مادي ودعائي وإعلامي.
إن النظرة الفاحصة المدققة للتحولات التي جرت على طبيعة الصراع الصهيوني - الفلسطيني ومآلاته الأخيرة تحيلنا إلى تلك الحقيقة التي أدركها المناصرون والداعمون تاريخيًا لدولة الكيان العنصري الصهيوني قبل الرافضين والمقاومين لها، وهي حقيقة فقدان ذلك المشروع القدرة على البقاء والاستمرار؛ فقد ثبت لهم جميعًا أن تحقيق الانتصار القائم على الاحتلال والظلم والقهر ليس كافيًا لإقامة دولة تحظى بالاستقرار، وذلك بالاستناد إلى المؤشرات التالية التي تشكل تحديات وجودية لدولة الكيان:
أولًا: التحدي الديموغرافي والاجتماعي:
التحدي الديموغرافي داخل حدود الدولة والمناطق المحتلة، حيث يتزايد عدد السكان الفلسطينيين، الأمر الذي يهدد هدف الصهيونية الأساسي، ألا وهو الحفاظ على أغلبية يهودية ساحقة.

إن استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين يعني إما التضحية بالديمقراطية التي يتشدقون بها ويسوقون أنفسهم بها أمام شعوب العالم، ويتحولون بالكامل إلى (دولة فصل عنصري) أو التضحية بالهوية اليهودية للدولة، وهو ما يخلق تناقض داخلي يمنع الاستقرار طول الوقت.
ثانيًا: تحدي العزلة الدولية المتزايدة
على الرغم من الدعم الأمريكي المطلق، أصبحت إسرائيل أكثر عزلة دبلوماسية في الأمم المتحدة ومن شعوب العالم مقارنة بأي وقت مضى. فالحركة الدولية المعروفة بـ BDS وهو الاسم المختصر للحركة العالمية التي تهدف إلى الضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها وسياساتها التمييزية ضد الفلسطينيين والذي يعني المقاطعة، سحب الاستثمارات، وفرض العقوبات أصبح له وزن لا يستهان به في التأثير علي تزايد الوعي بممارسات الاحتلال وبات يشكل قوة ضاغطة علي شرعية دولة الاحتلال وبالتالي علي قدرتها علي التعامل الطبيعي مع الاقتصاد العالمي.
يعتبر نتنياهو التعبير الدقيق والمثالي الذي يجسد الفكرة الصهيونية
ثالثًا: تحدي الانهيار الأخلاقي والشرعي
إن بناء الأمن على القوة الغاشمة الدائمة والاحتلال يقوض أي شعور داخلي بالعدالة والسلام. فالدولة التي تعيش دائماً على "حد السيف" لن تعرف أمانًا حقيقيًا، لأن أمنها يعتمد على قدرتها الدائمة على القمع وليس على قبول أو شرعية من الجيران.

وعليه، فإن الواقع الحالي يوفر مؤشرات قوية على أن الفكرة الصهيونية، القائمة على الإحلال والسيطرة بالقوة على أراضي الغير، فكرة تفتقر إلى مقومات الاستمرار والسلام الحقيقيين اللذين تستمتع بهما الدول المؤسسة على شرعية داخلية وإقليمية.
وهو ما يلخص الوضع الراهن، حيث النصر العسكري الناتج عن اختلال موازين القوة والذي يحمل في نفس الوقت عوامل هزيمته الاستراتيجية التي باتت قريبة.
مقال رائع وتحليل جيد أصاب الحقيقة
هذا الاحتلال الاحلالى التوسعى العنصرى وهى عوامل تؤدى الى عزلة وزوالة بالتأكيد على المدى ليس بالبعيد.. وايضا مع استمرار المقاومة و مع تحمل دول العالم مسؤليتها عن قضية فلسطين بوصفها ليست قضية وطنية فقط بل قضية انسانية... بطرق متعددة منها ( ان يعود كل مستوطن الى دولته الاصليه وتسعى كل دول العالم الى استعادة مواطنيها الاصلين/ او يقبل المستوطن ان يعيش كمواطن فى دولة فلسطينية) او خيار الحرب النظامية بجيوش عربية مثل حرب اكتوبر ٧٣ ومقاومة شعبية مثل المقاومة الشعبية فى٥٦ .. وستظل الخيارات مفتوحة الى ان تعود كامل فلسطين محررة بأذن الله..