المياه والكهرباء وموجة هيكلة.. ماذا ينتظر المواطن في الأشهر التالية؟

يحمل الربع الأخير من العام الحالي، الذي انطلق أمس الأربعاء، في طياته ما هو أبعد من مجرد بداية فصل جديد؛ إنه إيذان ببدء مرحلة حاسمة من خطة الإصلاح الهيكلي للحكومة المصرية، وهي خطة لا تقتصر على الأرقام الكلية والمؤشرات الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتلامس بشكل مباشر وعميق تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المصري.

في قلب هذه الاستراتيجية الطموحة، التي تمتد رؤيتها حتى عام 2027، تقع ثلاثة ملفات حيوية تشكل عصب الحياة: المياه، والكهرباء، وشبكة الحماية الاجتماعية. وهذه ليست مجرد تعديلات إدارية، وإنما تحولات جوهرية في طريقة إدارة الدولة لهذه القطاعات، بهدف تحقيق استدامة الموارد، ورفع كفاءة الخدمات، وتوفير حماية أكثر شمولًا للفئات الأولى بالرعاية.

المياه.. سيدخلها القطاع الخاص

تضع الحكومة قطاع المياه على رأس أولوياتها، مدركةً التحديات المتزايدة التي تواجه الموارد المائية. ولأول مرة بهذا الزخم، تفتح الدولة الباب على مصراعيه أمام القطاع الخاص ليس فقط للاستثمار، بل للمشاركة في إدارة البنية التحتية للمياه.

سيتم ذلك من خلال تفعيل آليات "الشراكة بين القطاعين العام والخاص" (PPPs)، وهو نموذج تعاقدي طويل الأجل يهدف إلى الاستفادة من التمويل والخبرة الإدارية للقطاع الخاص.

ولتسهيل هذه الشراكة، سيتم إنشاء وحدة فرعية متخصصة داخل وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، مزودة بالكوادر المؤهلة لإدارة هذه العملية المعقدة.

الخطة المستهدفة واضحة: تطوير أربعة مشروعات استثمارية ضخمة على الأقل في مجال البنية التحتية للمياه خلال عام 2026، وطرح مناقصتين تنافسيتين على الأقل لمشروعات جديدة بنظام الشراكة.

هذا التحول لا يعني خصخصة الموارد، بل يهدف إلى إيجاد صيغة تضمن تمويلًا مستدامًا للمشروعات، ورفع كفاءة التشغيل، والحفاظ على الأصول التي أنفقت عليها الدولة المليارات، مع ضمان وصول خدمة مياه عالية الجودة للمواطنين.

وفي سياق متصل بالحفاظ على الموارد، تتجه الحكومة نحو إدارة أكثر حزمًا للمياه الجوفية. فبحلول ديسمبر المقبل، سيتم اعتماد إرشادات وإجراءات واضحة لترخيص حفر وتشغيل الآبار، تشمل معايير فنية دقيقة والكميات المسموح باستخراجها وآليات رقابة صارمة.

ولضمان التوثيق والشفافية، سيتم إنشاء سجل مركزي لتراخيص استخدام المياه الجوفية.

ويمثل الإجراء الأكثر تأثيرًا، والمقرر بحلول يوليو 2027، إصدار قرار من رئيس مجلس الوزراء يحدد رسمًا مقابل كل متر مكعب من المياه المستخرجة من الآبار للأغراض غير الزراعية، في خطوة تهدف إلى ترشيد الاستهلاك والحفاظ على هذا المخزون الاستراتيجي للأجيال القادمة.

الكهرباء.. خطة استدامة وفتح السوق للمنافسة

لا يقل ملف الكهرباء أهمية عن المياه، حيث تستعد الحكومة لإقرار "خطة الجدوى المالية لقطاع الكهرباء" بحلول ديسمبر 2026.

هذه الخطة لا تقتصر على مجرد "تعديل التعريفة"، بل تشمل رؤية متكاملة لتحسين تكاليف التشغيل واتخاذ إجراءات تضمن الاستدامة المالية للقطاع بالكامل، بهدف الوصول إلى استعادة التكاليف بحلول يوليو 2027.

هذا يعني أن القطاع سيصبح قادرًا على تغطية نفقاته دون الاعتماد على دعم إضافي من الموازنة العامة، مما يحرر موارد يمكن توجيهها لقطاعات أخرى كالتعليم والصحة.

والأهم من ذلك، أن يوليو 2027 سيشهد تحركًا استراتيجيًا نحو فصل أنشطة سوق الكهرباء وفتحها تدريجيًا للمنافسة، استنادًا إلى دراسة شاملة سيتم اعتمادها من المجلس الأعلى للطاقة.

هذا التوجه يهدف على المدى الطويل إلى تحسين جودة الخدمة، وإتاحة خيارات متعددة للمستهلك، وتشجيع الاستثمار في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، ونقل الاختصاصات المتعلقة بها إلى شركات متخصصة لزيادة كفاءتها التشغيلية والتجارية.

الحماية الاجتماعية.. نحو التمكين المتكامل

تُحدث الحكومة نقلة نوعية في فلسفة الدعم، من خلال ربط المساعدات النقدية بشبكة حماية متكاملة تضمن للمواطن ليس فقط الدعم المالي، بل أيضًا الأمان الصحي والتمكين الاقتصادي.

قبل نهاية العام الحالي، سيُصدر قرار تاريخي يجعل تسجيل المستفيدين من برنامج "تكافل وكرامة" في منظومة التأمين الصحي الشامل "تلقائيًا" في المحافظات التي تعمل بها المنظومة.

هذا الإجراء يزيل عبئًا إداريًا عن كاهل الأسر المستفيدة ويضمن وصول الرعاية الصحية لهم بشكل فوري ومباشر.

وبحلول يونيو 2026، ستصدر اللائحة التنفيذية لقانون المساعدات الاجتماعية الجديد، والتي سترسم ملامح آلية "التدرج والخروج" من برامج الدعم. وتهدف هذه الآلية إلى تحويل المستفيدين من متلقين للدعم إلى أفراد منتجين، عبر ربط المساعدات النقدية ببرامج التمكين الاقتصادي، مع وضع معايير واضحة للاستحقاق وآليات للتظلم.

ولتعزيز هذا التوجه، تخطط الحكومة لإضافة 150 ألف أسرة جديدة لبرامج الدعم النقدي، بالتوازي مع تنفيذ 50 ألف مشروع تمويل متناهي الصغر جديد.

ولأول مرة، يحظى ملف "العمالة المنزلية" باهتمام تشريعي مباشر، حيث تستهدف الدولة بحلول يوليو 2027 إعداد مسودة قانون يضمن حقوق هذه الفئة، ويشملهم بالحماية الاجتماعية، ويقنن أوضاعهم لدمجهم في سوق العمل الرسمي، مما يمثل خطوة كبيرة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية لشريحة هامة من المجتمع.

الضرائب.. زيادة الحصيلة دون أعباء جديدة

قد تبدو عبارة "إصلاحات ضريبية" مقلقة للوهلة الأولى، لكن جوهر الخطة الحكومية يرتكز على مبدأ واضح: زيادة نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لا تقل عن 2%، ليس عبر فرض ضرائب جديدة أو زيادة الشرائح الحالية على الملتزمين، بل من خلال توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي.

قبل نهاية نوفمبر المقبل، ستكون وزارة المالية قد انتهت من الإجراءات القانونية اللازمة لتقديم حزمة من الإصلاحات التي سيتم تطبيقها في موازنة العام المالي 2026/ 2027، بهدف رفع الحصيلة الضريبية من 11.8% حاليًا إلى ما بين 15% و16% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس المقبلة.

هذا الهدف الطموح، الذي يأتي بعد أن حققت الدولة بالفعل أعلى إيرادات ضريبية في تاريخها خلال العام المالي الماضي، يعتمد بشكل أساسي على استراتيجية متوسطة الأجل لزيادة كفاءة التحصيل.

تتضمن هذه الاستراتيجية دراسة تعديل قانون ضريبة الدخل بحلول يونيو 2026، وتوسيع نطاق تطبيق المنظومة الإلكترونية للضرائب على المرتبات بعدها بستة أشهر. كما تشمل إصلاحًا جوهريًا لنظام الضرائب العقارية عبر تشريعات جديدة تسهل حل النزاعات وتعتمد بشكل كامل على المدفوعات والإقرارات الإلكترونية.

الرسالة الضمنية هنا هي أن الحكومة تسعى لتحقيق العدالة الضريبية عبر ضم فئات جديدة للمنظومة الرسمية، بدلًا من زيادة العبء على من هم بداخلها بالفعل، وهو ما يعني تعزيز موارد الدولة لتمويل الخدمات العامة دون المساس بدخل المواطن الملتزم.

الدين العام.. المواطن البسيط مستثمرًا

في تحول لافت، لم يعد التعامل مع ملف الدين العام يقتصر على المؤسسات الكبرى والبنوك فقط.

تُفكر وزارة المالية حاليًا، وبشكل جدي، في اتخاذ التدابير اللازمة للسماح بـ "الاستثمار بالتجزئة في أدوات الدين الحكومية".

هذا المصطلح الفني يحمل في طياته فرصة اقتصادية واعدة للمواطن العادي؛ فهو يعني ببساطة أن الأفراد سيتمكنون من شراء السندات وأذون الخزانة الحكومية مباشرةً بمبالغ صغيرة، مما يتيح لهم قناة ادخارية واستثمارية آمنة ومربحة، كانت في السابق حكرًا على من يملكون مبالغ كبيرة (الحد الأدنى الحالي للاستثمار في أذون الخزانة عبر البنوك هو 20 ألف جنيه).

هذه الخطوة، إن تمت، ستحقق هدفين في آن واحد: الأول هو تنويع مصادر تمويل الدين الحكومي وتقليل الاعتماد على القنوات التقليدية، والثاني، وهو الأهم بالنسبة للمواطن، هو توفير أداة استثمارية مضمونة من الدولة وبعائد مجزٍ، تساهم في حماية مدخراته من التضخم وتنميتها.

ولتعزيز الشفافية في هذا الملف الشائك، ستعمل الوزارة على توسيع نطاق التقارير الإحصائية عن ديون الحكومة العامة لتصبح ربع سنوية، وتغطي كافة جوانب الدين والإقراض، كما ستنشر تحديثًا لاستراتيجية إدارة الدين متوسطة الأجل بحلول يونيو 2026.

وتتكامل هذه الإجراءات مع التزام البنك المركزي بالحفاظ على مرونة سعر الصرف، وهو ما يعزز الثقة في الاقتصاد ويجعل الأدوات الاستثمارية بالعملة المحلية، مثل أدوات الدين التي ستتاح للأفراد، أكثر جاذبية.

وبهذا، يتحول ملف الدين العام من مجرد رقم في الموازنة إلى فرصة ملموسة للمواطن للمشاركة في تمويل اقتصاد بلاده وجني ثمار هذا الاستثمار.

وزارة المالية في مصر (وكالات)
وزارة المالية في مصر (وكالات)

غرفة محركات الإصلاح.. هيكلة وحوكمة لضمان النتائج

لكن كيف يمكن ضمان تحقيق هذه الوعود الطموحة؟ وكيف تتأكد الدولة من أن تحسين خدمات المياه والكهرباء، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية، وخلق فرص استثمارية جديدة، هي نتائج مستدامة وليست مجرد إجراءات مؤقتة؟

الإجابة تكمن في سلسلة من الإصلاحات الجذرية والعميقة في طريقة إدارة الدولة لأصولها وأموالها، وهي إصلاحات تتم خلف الكواليس لكن أثرها يمثل الأساس لكل تغيير ملموس يشعر به المواطن.

جراحة عاجلة بالهيئات الاقتصادية

على رأس هذه الإصلاحات تأتي عملية إعادة هيكلة شاملة للهيئات الاقتصادية. هذه الهيئات، البالغ عددها 59 هيئة، تمثل تحديًا كبيرًا للموازنة العامة.

فعلى الرغم من أن الدولة تتوقع تحقيق 41 هيئة منها أرباحًا، إلا أن 16 هيئة أخرى تحقق خسائر فادحة، لدرجة أن صافي ما تتحمله الموازنة العامة عنها يصل إلى 170 مليار جنيه سنويًا.

ولوقف هذا النزيف، ينتظر صدور قرار مرتقب من رئيس مجلس الوزراء قبل نوفمبر القادم، يرسم خريطة طريق واضحة لإعادة هيكلة هذه الكيانات.

الخطة، التي لا تزال قيد الدراسة، تتضمن الحفاظ على 29 هيئة فقط في وضعها الحالي، وتصفية وإلغاء هيئة واحدة، ودمج 3 هيئات في كيانات أخرى أكثر كفاءة، بالإضافة إلى تحويل 7 هيئات من طابعها الاقتصادي إلى هيئات عامة خدمية.

الهدف النهائي لهذه العملية الجراحية ليس فقط تقليل الخسائر، بل زيادة الشفافية والرقابة. فبحلول يوليو 2027، سيتم استحداث حساب نهائي مجمع للحكومة العامة يشمل كل هذه الهيئات، وهو ما يتماشى مع تطبيق نظام حساب الخزانة الموحد الإلكتروني، ويضمن إدارة محكمة وشفافة للمال العام، وهي نقطة كانت محور نقاش مطول مع صندوق النقد الدولي.

أصول الدولة.. إدارة احترافية تمهيدًا للشراكة

بموازاة إصلاح الهيئات، تتجه الحكومة نحو تطبيق قواعد إدارة احترافية على الشركات المملوكة للدولة.

الخطوة الأولى هي الشفافية الكاملة، حيث ستبدأ الحكومة في إعادة النشر المنتظم للتقارير السنوية المجمعة للبيانات المالية لهذه الشركات، مع توسيع نطاق التقرير ليشمل كافة الشركات التي تغطيها "وثيقة سياسة ملكية الدولة".

وبحلول يوليو 2026، ستكون وحدة الشركات المملوكة للدولة بوزارة المالية قد أصدرت قواعد حوكمة واضحة، واستكملت قاعدة بيانات شاملة لمعظم هذه الشركات.

هذا التوجه أكد عليه رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي، الذي شدد على ضرورة تحسين أسلوب الإدارة وتعظيم عوائد الأصول، خاصة عبر تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص. الرؤية هنا واضحة: تطوير الشركات التي أنفقت الدولة على تحديثها، ثم الترويج لها لتتم إدارتها بكفاءة عبر القطاع الخاص، مما يضمن الحفاظ على هذه الاستثمارات وتنميتها.

الموازنة العامة.. أموال الدولة في خدمة المواطن

أما التغيير الأعمق فيتعلق بطريقة إدارة أموال الدولة نفسها. فبحلول ديسمبر 2025، سيتم تفعيل تعديلات قانون "إدارة المالية العامة"، التي تعزز الانضباط المالي وتواكب التحول الرقمي.

والأثر المباشر على المواطن سيظهر من خلال تطبيق نموذجين جديدين للموازنة. الأول هو "الموازنة التشاركية"، التي سيتم تطبيقها خلال الشهرين القادمين في ثلاث محافظات جديدة هي بني سويف والمنيا ودمياط، وهي آلية تمنح المواطنين صوتًا مباشرًا في تحديد أولويات المشروعات المحلية في محافظاتهم.

النموذج الثاني هو "موازنة البرامج والأداء"، التي تربط الإنفاق الحكومي بتحقيق نتائج وأهداف محددة. ببساطة، لم يعد يكفي أن تنفق جهة ما مخصصاتها المالية، بل يجب أن تثبت أنها حققت الأهداف المرجوة من هذا الإنفاق، مما يضمن أن كل جنيه يخرج من خزانة الدولة يذهب لتحقيق فائدة ملموسة للمجتمع.

وبهذا، تكتمل الصورة. فالإصلاحات التي تبدأ من الخدمات المباشرة للمواطن، مرورًا بفتح فرص استثمارية له، ترتكز على أساس متين من إعادة هيكلة أصول الدولة، وتطبيق قواعد الحوكمة والشفافية، وتغيير فلسفة الإنفاق العام لتصبح أكثر كفاءة وتشاركية واستجابة لاحتياجات المواطنين. إنها ليست مجرد خطة اقتصادية، بل رؤية متكاملة لبناء دولة حديثة تدار بآليات القرن الحادي والعشرين.

فهل تنجح الدولة في تحسين مستوى المعيشة… أم يظل المواطن عالقًا بين الأعباء والوعود؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة