جاءت نتيجة "صفر" التي حصلت عليها المرشحات على المقاعد الفردية في انتخابات مجلس الشيوخ، لتدق ناقوس خطر، وتثير تساؤلًا ملحًا: كيف يمكن تجنب تكرار هذا المشهد في انتخابات مجلس النواب 2025؟
فالمعركة تبدو صعبة في ظل تحديات متشابكة، أبرزها عدم تماس برامج المرشحات مع هموم المواطن، وضعف الموارد، واتساع الدوائر الانتخابية، إضافة إلى ما يُعرف بـ"هندسة الانتخابات" التي تتحكم بها جهات التنسيق الانتخابي. وهذه المعادلة الصعبة تتطلب لحلها ليس فقط تشخيصًا للأزمة، وإنما طرح تصور عملي لكيفية دعم المرأة لمرشحات البرلمان المقبل، وضمان وصول أصوات قادرة على تمثيلها بفاعلية، كما تقول نُخب نسائية ومواطنات لـ فَكّر تاني.
عقبات في طريق البرلمان
لفهم كيفية تقديم الدعم، لا بد أولًا من تحديد العقبات التي تواجه المرشحات، وهي بين تحديات مالية ولوجستية، وأخرى تتعلق بالبنية السياسية الحاكمة.
التكاليف الباهظة وغياب البرامج المؤثرة

تخوض المرشحات على المقاعد الفردية معركة غير متكافئة، حيث تبرز التكاليف المادية كأحد أبرز المعيقات. وتشير نيفين إسكندر الباحثة الحقوقية وعضوة تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إلى أن "ارتفاع تكاليف الكشوفات الطبية، وارتفاع تكلفة التأمين للأسف، هي واحدة من المعيقات للنساء، خصوصًا المرشحات على المقاعد الفردي".
هذا العبء المالي يزداد وطأة مع كبر الدوائر الانتخابية الذي يتطلب جهدًا وموارد مضاعفة، وهو ما تؤكده منى عزت رئيسة مؤسسة النون لرعاية الأسرة، فتقول إن المرشحات يواجهن "أعباء شديدة من ناحية التكلفة المالية والجهد الذي من المفترض أن يبذلنه في حملاتهن الانتخابية". بينما تصف من يخضن هذه التجربة بـ"السيدات اللاتي تتسمن بالشجاعة لخوض الانتخابات في ظل هذه الظروف القاسية"، في مناخ "لا يدعم، ولا يُرّحب بوجودهن في مواقع مهمة".
بنية سياسية مُعيقة ودور الأحزاب

ترى منى شماخ أمينة إعلام الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن نتيجة "صفر الشيوخ" لم تكن مجرد انعكاس لغياب الرغبة في المشاركة، بل كانت مؤشرًا على تحدٍ أعمق.
وتلقي نيفين إسكندر باللوم أيضًا على الأحزاب، التي ترى أن عليها "دورًا كبيرًا في تشجيع النساء لخوض المعركة والتجربة حتى لو على مقاعد الفردي، وحتى لو كانت فرص نجاحهن قليلة".

وتشدد على أن مجرد وجود النساء في الصورة وخوضهن التجربة يشجع أخريات على المشاركة.
وتؤكد نيفين على ضرورة أن تختار الأحزاب، خاصةً المشاركة في القائمة الوطنية الأكثر حظًا في الفوز، "نساء تمثل قضايا حقوقية، ولا يكون تمثيلهن مبني على الوساطة أو القبلية أو غيره".
وتحذر من أن ترشيح نائبات لم يؤدين دورًا مؤثرًا في دورات سابقة "يُفشل ويُفسد تجربة تمكين النساء ويكون تأثيره أكثر سلبية من فكرة عدم تمكينهن بالأساس".
روشتة الدعم: مسؤولية مشتركة
وفق مراقبات المشهد الانتخابي اللاتي تحدثن لـ فَكّر تاني، تتوزع الحلول العملية التي يمكن أن تساهم في تغيير معادلة الانتخابات الصعبة لصالح المرشحات، بين مسؤولية الناخبة في الاختيار، والدور المؤسسي الذي تلعبه المنظمات المدنية والإعلام.
الناخبة الواعية.. صوت لاختيار الكفاءة
تؤكد سميرة الجزار عضوة مجلس النواب 2020، أن نقطة البداية تكمن في وعي الناخبات أنفسهن. وتشدد في حديثها لـ فَكّر تاني على ضرورة ألا تمنح النساء أصواتهن إلا "لمرشحات تساند قضايا المرأة والإنسان عمومًا، وتقف إلى جانب المواطن وحقوقه، لأن غير ذلك يعتبر تمكينًا لمن لا يستحق".

وتضيف البرلمانية أن المعيار الأساسي للاختيار يجب أن يكون "رصيد المرشحة من المواقف المؤثرة، والوقوف مع الحق"، فهذا هو الدور الرئيسي لأي نائب يمثل الشعب.
كما تناشد الناخبات على مستوى الجمهورية بضرورة المشاركة والإدلاء بأصواتهن عن وعي ودراية، مؤكدةً أن "المرأة صوتها الانتخابي قوي ومؤثر"، إذ تمثل النساء نحو 49% من التعداد السكاني.
ويتفق هذا الطرح مع رؤية منى شماخ، التي توضح أن القضية ليست مفاضلة آلية بين الرجل والمرأة، "وإنما اختيار مبني على القناعة بالمرشح وبرنامجه ومصداقيته". وتلفت إلى أن الناخبة "لا تبحث إلا عن صوت واضح وموقف صادق، وحين توجد هذه الصفات في مرشحة، فإنها تصبح الاختيار الطبيعي".
دعم مؤسسي.. من التدريب إلى التغطية الإعلامية
إلى جانب دور الناخبات، هناك مسؤولية كبرى تقع على عاتق المؤسسات المختلفة. فترى منى عزت أن على المهتمات بالمجال العام تقديم أشكال الدعم المختلفة للمرشحات "من خلال الترويج لهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، كما يجب على المنظمات الحقوقية "الدعم بتدريب النساء على معرفة الإجراءات، وتقديم التدريب اللازم لحملاتهن الانتخابية في مراحل التصويت والفرز، وكذا التوعية بالإجراءات القانونية".
وتضيف منى: "نحن لن ندعم السيدات المرشحات في المطلق، لكننا سنقدم كل الدعم لمن لهن برامج نتوافق معها".
ومن جانبها، تقدم نيفين إسكندر رؤية شاملة للدعم المؤسسي المطلوب، مؤكدةً أنه "واجب على كل الأطراف". وتلخصه في عدة نقاط:
- الهيئة الوطنية للانتخابات: يجب أن تسهل الإجراءات أمام المرشحات.
- الحركات النسوية والمنظمات الحقوقية: عليها "إتاحة مساحات للنساء وتسليط الضوء عليهن، وعلى جهودهن السابقة، خصوصًا المرشحات على المقاعد الفردي".
- المؤسسات الإعلامية: سواء القنوات النظامية أو المنصات الحرة مثل فَكّر تاني، يجب أن تخصص مساحة للنساء صاحبات التجارب المهمة والرؤى الجادة، وعمل حملات إعلامية لهن.
وتشدد نيفين على أهمية دعم من لم يحالفهن الحظ أيضًا "حتى يكملن البناء داخل دوائرهن، لنضمن أننا نبني على التجارب بشكل حقيقي".
"التجار يديرون".. قراءة حادة في مشهد الانتخابات
بعيدًا عن الحلول الإصلاحية، تقدم فاطمة غنيم عضوة مجلس نقابة المحامين سابقًا والمرشحة البرلمانية السابقة، قراءة أكثر تشاؤمًا، حيث تشكك في جدوى المشاركة من الأساس في ظل ما تصفه بـ"هندسة" العملية الانتخابية.

ترى فاطمة أنه لا فرق بين دعم رجل أو امرأة طالما أن النظام الانتخابي لا يتغير. وتقول لـ فَكّر تاني: "إذا كانت انتخابات مجلس النواب ستُدار بالطريقة نفسها التي أُديرت بها انتخابات مجلس الشيوخ، نقعد في بيوتنا أفضل".
وتعيد النقابية والمرشحة البرلمانية السابقة إلى الأذهان أن "سبب قيام ثورة 25 يناير 2011 كانت انتخابات مجلس الشعب 2010، والتزوير الذي حدث فيها"، معربةً عن أملها في أن تشهد مصر انتخابات حقيقية. وتعلق بحدة على نتيجة "صفر الشيوخ"، فتقول: "الصفر لما تأخذه المرأة في انتخابات مجلس الشيوخ، لكن هم من أعطوها هذا الصفر، فانتخابات مجلس الشيوخ كنا نعلم نتيجتها قبل أن تبدأ".
وتضيف أن الانتخابات تحولت إلى "تورتة وبتتقسم"، وأن "التجار هم من يديرون الانتخابات، ويفوزون بمقاعد المجالس النيابية". وبسبب هذا الواقع، تعتبر المقاطعة خيارًا أفضل طالما أن صوتها "لا يؤخذ في الاعتبار"، معتقدةً أن ما حدث في انتخابات الشيوخ سيتكرر في النواب. بينما تختتم حديثها بـ: "إذا المناخ لم يتغير، فلن نشارك في الانتخابات، لأنه في ظل منظومة لم تتغير، فلا يوجد ما يحفزنا على المشاركة"، مؤكدة في الوقت ذاته قناعتها بأن "الرئيس ليس شريكًا في هذه المنظومة".
"انتخابات إيه اللي ندي صوتنا فيها للستات؟"
بينما يدور النقاش في الدوائر السياسية والحقوقية حول آليات الدعم والتمكين، يتردد في الشارع صدى مختلف تمامًا، يكشف عن فجوة هائلة بين طموحات النخبة وواقع المواطنات العاديّات اللاتي لا يرين في العملية برمتها أي فائدة تُذكر.
"انتخابات إيه اللي ندي صوتنا فيها للستات؟" تتساءل صباح التوني (اسم مستعار)، قبل أن تضيف: "هو حد مننا بيشوف أي حد فيهم غير في الانتخابات كل كام سنة؟ هايعملوا إيه يعني أكتر من غيرهم اللي بيجيبولنا كراتين الشاي والسكر والزيت، ولا يدونا نجيب فرخة؟".
بالنسبة لصباح، لا فرق بين مرشح ومرشحة، فـ"كلهم شبه واحد"، وهي تختصر علاقتها بالانتخابات في جملة: "بيقولولنا نخش نعلم على دي أو ده وخلاص". ثم تطرح سؤالًا يلخص يأسها: "هي الست واخدة حقها في بيتها عشان تجيب حقوقنا احنا وهي في المجلس؟".
هذا اليأس يتحول إلى واقعية قاسية لدى كريمة ناجي (اسم مستعار)، التي تعمل بالأجر اليومي في المزارع. بالنسبة لها، المعادلة ليست سياسية، بل اقتصادية بحتة.
"لما ييجي حد تبع البيه المرشح، ويقول لكل وحدة فينا تعالي علمي على ده وهتاخدي 300 ولا 500 جنيه، هارتاح يوم من التعب والشقا، وممكن أريح قصاد اليوم ده يومين من الشغل، ولّا أجيب لعيالي حتة لحمة ولا فرخة، في زمتك انت لو مكاني هتختار إيه؟!".
تختم كريمة حديثها لـ فَكّر تاني بحقيقة يراها كثيرون، لكن قلما تُقال: "كدا كدا اللي عايزينه همّ هاينجحوه، سوا روحنا ولّا ما روحناش.. وإحنا مش بنشوف غير الحسنة دي كل كام سنة".