“القانون ده معمول عشان يخلق طبقة جديدة من المشردين مش لحل مشكلة، دي موجة طرد وإخلاء قسري. الناس الغلابة دي كلها هتلاقي نفسها إما في الشارع أو في المساكن العشوائية، وفوق ده كله بيوتنا اللي عشنا فيها عمرنا هتتحول لسبوبة ليهم، لأن في شركات وهيئات حكومية هتستغل القانون ده عشان تستحوذ على العقارات القديمة بتاعتنا دي، وبعد ما يرمونا في الشارع، يرجعوا يطرحوها تاني بس بأسعار مضاعفة”، يتحدث إبراهيم خليل متقاعد يبلغ من العمر 68 عامًا لـ فكّر تاني.
“أنا ساكن في شقتي دي من 50 سنة، إيجارها 40 جنيه، بيقولوا في القانون الجديد إن الإيجار هيترفع 20 ضعف، يعني مطلوب مني أدفع 800 جنيه، وقالوا الحد الأدنى في المناطق المتوسطة زي بتاعتنا 400 جنيه، طيب أجيبهم منين وأنا معاشي كله على بعضه 1600 جنيه، ده غير إنهم هيزودوا الإيجار 15% كل سنة، ده مش قانون، ده طرد بالتقسيط”.
إبراهيم واحد من مئات الآلاف ممن استفاقوا على خبر تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 164 لسنة 2025، الذي ينظم العلاقة الإيجارية في ما يُعرف بـ”الإيجار القديم“، ويحدد مدة الانتقال إلى العلاقة التعاقدية الجديدة بـ7 سنوات فقط، بعدها يجب على المستأجر إخلاء الشقة، لكن المدة لم تكن وحدها ما أثار فزع الأهالي.

بداية الجدل
بدأت القصة في نوفمبر 2024، حين أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا بعدم دستورية تثبيت الأجرة في عقود الإيجار القديم، ومنحت البرلمان مهلة حتى نهاية دورته لتعديل القانون، تفاديًا لصدمة اجتماعية تمس ملايين المستأجرين، ومع تأخر التشريع، دخل الملف مرحلة فراغ قانوني زادت من قلق الأسر المتضررة.
وفي وقت سابق، وتحديدًا في أكتوبر 2023، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تعديل قانون الإيجارات، لافتًا إلى وجود نحو مليوني وحدة مغلقة أصحابها متوفون، ما اعتبره إهدارًا للثروة العقارية.
مشروع القانون الجديد حسم الجدل، وحدد فترة انتقالية لإنهاء العلاقة الإيجارية: سبع سنوات للسكني وخمس لغير السكني، مع تطبيقه على كافة الوحدات المؤجرة والخاضعة للقانونين 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981.
كما ألزم المشروع المحافظين بتقسيم المناطق إلى ثلاث فئات “متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، مع تحديد قيمة إيجارية تبدأ من 1000 جنيه للوحدات المتميزة، و400 للمتوسطة، و250 للاقتصادية. وتُدفع الأجرة المؤقتة بدءًا من الشهر التالي لسريان القانون، على أن تُسدد الفروق -إن وُجدت– بالتقسيط بعد إعلان نتائج الحصر.
فاطمة سعيد، أرملة وأم لأربعة أبناء، تقيم في شقة صغيرة بحي صفط اللبن ببولاق الدكرور، تتحدث لـ فكّر تاني: “أنا سكنت هنا وأنا عروسة وخلفت ولادي هنا، دلوقتي الدولة بتقولي قدامك 7 سنين وتخرجي، طب أروح فين بعد العمر ده”.
تحكي فاطمة أنها حصلت على الشقة بعقد إيجار قديم بعد طلاقها، حين تركها زوجها وهي حامل في ابنها الثاني وسافر إلى السعودية دون عودة، ربت أبناءها وحدها، وبَنَت على استقرار هذا السكن حلمًا بالحياة، دون أن تتخيل أن يومًا ما سيصدر فيه قانون يسلبها هذا الأمان، تصفه بأنه “حكم مؤجل بالإخلاء”.
“أنا خايفة بعد 7 سنين ألاقي نفسي في الشارع أنا وولادي، بعد ما اتصدق على القانون، الأمر أشبه بالساعة الرملية، كل يوم بشوف حبات الرمل وهي بتقع، وكل حبة بتمثل يوم بيعدّي من عمري في البيت ده، يوم بيقربني من نهاية أنا معرفش شكلها، بس عارفة إنها مصير مجهول ليا ولأولادي”.
وفي الجانب الآخر من القصة، تتداخل السياسة مع المنصات الرقمية، سعد محمد الأربعيني، يحكي لـ فكّر تاني، ما رآه من تزامن مثير للريبة: “فجأة الناس كلها بدأت تتكلم عن التيك توكرز اللي اتقبض عليهم، وفي نفس الوقت كنا بنشوف آلاف الفيديوهات بتتوسّل للرئيس إنه ميصدقش على القانون، حسينا إن صوتنا أخيرًا مسموع، لكن فجأة اتقلبت الترابيزة”.
يشير سعد إلى أن حملة الاعتقالات التي طالت مشاهير السوشيال ميديا تسببت في تحويل الأنظار تمامًا عن قانون الإيجار، مضيفًا: “تيك توك نفسه أعلن إنه مسح حوالي 3 مليون فيديو من مصر بحجة السلامة الرقمية.. يعني حتى صوتنا اللي طلع، اتمسح”.
يؤكد سعد أنه لا يجد في ذلك مجرد مصادفة، بل خطة منظمة لتمرير القانون وسط “دخان كثيف”، ويتابع: “في الوقت اللي انشغلنا فيه بالتيك توك، كانت الخطة الحقيقية ماشية في الخفاء، تزامن ده مع انتخابات مجلس الشيوخ، وكان فيه تأمين أمني غير مسبوق بحجة زيارة الرئيس، لكن الحقيقة إنهم كانوا بيخنقوا صوت المواطن، دي كانت خدعة متكاملة.. وإحنا صدقناها”.
اقرأ أيضًا:مطرود م الزمن والمِلْك (حكايات الإيجار القديم)

“الكارثة مش في الطريقة اللي مرروا بيها القانون، الكارثة في القانون نفسه، في البنود اللي كاتبينها واللي بتقول لنا بالحرف الواحد “اطلعوا من بيوتكم”، هكذا بدأ حسين محمد حديثه مع فكّر تاني، وهو يمسك بنسخة من تفاصيل القانون كأنه يمسك بورقة نعيه.
“المشكلة لها وجهان، فاليوم هناك أسر لا تستطيع حتى سداد إيجار بقيمة 50 جنيهًا، وإخراجهم من منازلهم يخلق فجوة اجتماعية كبيرة، وفي المقابل، هناك من يستغل القانون “ويحتفظ بشقق مغلقة لسنوات مقابل 30 جنيهًا شهريًا، وهذا ظلم بيّن يجب أن ينتهي.
فيما يقول منصور عبد الرازق لـ فكّر تاني: “أنا كمستأجر بعاني بشدة في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، هجيب فلوس منين أدفع، ولو خرجت من شقتي النهارده، أواجه إيجارات جديدة تصل إلى 15 و20 ألف جنيه، بينما أنا عامل باليومية، أجيب منين لكل ده؟!”.
ويقول أنه حين استأجر جده هذه الشقة، كانت قيمتها الإيجارية البالغة 30 جنيهًا تمثل قيمة حقيقية من أجره، مكنته من بناء أسرة وتأسيس حياة، موضحًا أنه لا يمانع في الزيادة، ولكن يجب أن تكون عادلة ومنطقية وتراعي هذا البعد التاريخي.
بينما تؤكد هانم رأفت، في حديثها مع فكّر تاني، مصدر دخلي الوحيد هو المحل الصغير الذي أستأجره، اليوم مع إرتفاع الإيجار أحاول الإجابة على سؤال واحد: “هدفع الإيجار ولا أشتري علاجي؟!”، وتضيف “مساحة الشقة 30 متر بس وفي منطقة شعبية، هل من العقل إني أتعامل بنفس مقياس من يستأجر شقة بمساحة 200 أو 300 متر في منطقة راقية، ده ظلم!”.
فيما وصف النائب عبد المنعم إمام، في تصريح سابق له، مشروع تعديل قانون الإيجار القديم بأنه “مستفز”، معتبرًا أنه جاء في توقيت شديد الصعوبة، اللافت في موقف إمام أنه، رغم كونه “مالكًا وصاحب مصلحة”، أعلن رفضه لإخلاء الوحدات السكنية، مستشهدًا بتجارب أسر حصلت على الشقق بعد دفع “خلوات” كبيرة في الماضي، حين كانت العلاقة الإيجارية مفهومة على أنها ممتدة عبر الأجيال.

إمام لم يكتف بالرفض، بل وجه انتقادات حادة لما اعتبره “ازدواجية في المعايير”، متسائلًا عن سبب اقتراح الحكومة زيادة بنسبة 20 ضعفًا على السكني، في حين كانت الزيادة 5 أضعاف فقط للأشخاص الاعتبارية، واقترح في المقابل حلولًا أكثر توازنًا، منها ربط الحد الأدنى للأجرة بمعاش “تكافل وكرامة” بدلًا من مبلغ ثابت قدره 1000 جنيه، إلى جانب جعل الزيادة دورية كل 3 سنوات بدلًا من كل عام، وتسهيل آليات التمويل العقاري لتوفير بدائل حقيقية.
اقرأ أيضًا:ما جمّعته الحارة تفرّقه الحكومة (حكايات الإيجار القديم)
قبلة الحياة للملاك
على الجانب الآخر، استقبل الحاج كريم محمد الخبر بتنهيدة ارتياح عميقة، تنهيدة ظل يحبسها لعقود، بالنسبة له، ولآلاف الملاك، لم يكن التصديق على القانون انتصارًا، بل كان إنصافًا طال انتظاره، ويردد في نفسه كلمات المستشار القانوني لرابطة الملاك أحمد البحيري، التي سمعها في الأخبار: “إنه ليس انتصارًا لفئة على أخرى، بل هو إحقاقًا للحق”.
يقول كريم لـ فكّر تاني: “الـ 7 سنوات مدة طويلة وكنت أتمني تكون 3 سنوات فقط، ولكن الآن أنا ممتن للدولة لإعادة التوازن الل حصل ده”.

“عمري ما كنت ضد المستأجرين، لكن كمان عمري ما حسّيت إن ليّا حق في اللي ورثته عن أهلي”، تبدأ نادية السيد، صاحبة أربعة عقارات قديمة وسط القاهرة، حديثها مع فكّر تاني، عن القانون الجديد للإيجار القديم، وتتابع: “أوراق الأملاك دي متسجلة من أيام جدي، بس اللي حصل على مدار سنين، إن الإيجار بقى شبه معدوم، والعمارات اتاكلت حرفيًا من غير ما نقدر نعمل لها صيانة محترمة”.
تقول نادية إن أقدم عقد إيجار تملكه العائلة يعود لعام 1954، وأحدثها في 1981: “معظم الشقق دي بتتأجر بجنيهات قليلة، أقل من تمن كوباية قهوة، واحنا اللي بنتحمل الضرائب والترميم”، تشعر نادية أن التصديق على القانون الجديد هو بمثابة “قبلة حياة للعقارات اللي بتنهار”، وفرصة لاستعادة التوازن، بعد ما اعتبرت العلاقة بين المالك والمستأجر “ميتة سريريًا” لعقود، بحسب وصفها.
“المفارقة إن والدتي اللي بتملك العقارات ساكنة بإيجار في حي تاني، وبتدفع شهريًا 4 آلاف جنيه، بينما اللي ساكن في شقتها بيدفع 20 جنيه، هل ده عدل؟!”، وبالنسبة لها، فإن المهلة الانتقالية اللي حددها القانون الجديد معقولة، وبتفتح باب لتسويات إنسانية ومنطقية، من غير صدام، لكنها تشدد على ضرورة أن يتعامل الجميع مع الملف باعتباره “فرصة للتصحيح مش للانتقام”.
هذا الشعور بالإنصاف الذي يتحدث به بعض الملاك، يقابله إحساس بالخطر الوجودي يسيطر على المستأجرين، في بيوت مثل بيت فاطمة، لم يعد القلق صامتًا، بل تحوّل إلى صرخة تتنقل بين جدران البيوت القديمة وصفحات السوشيال ميديا، قبل أن تأخذ شكلًا منظمًا على لسان من يمثلهم.
شريف الجعار رئيس اتحاد مستأجري الإيجار القديم، كان صريحًا في موقفه، وأعلنها صراحة: “سنتصدى لهذا القانون بكل الأدوات الدستورية المتاحة”، حيث يرى الجعار أن القانون لا يهدد فقط استقرار السكن، بل يخل بمبدأ المساواة ويضع ما يقرب من 10 ملايين مواطن في مهب التهديد.
في تصريح له قال اللواء خيرت بركات رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، خلال مداخله هاتفية مع الإعلامية لبنى عسل في برنامجها على قناة الحياة، أنه تم رصد وعمل بيانات عن الوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم، حيث أظهرت البيانات أن الأسر المتواجدة في تلك الوحدات يبلغ عددها مليونًا و 642 ألفًا و 870 أسرة تمثل 7% من إجمالي عدد الأسر البالغ 23 مليون أسرة مصرية.
في المقابل، تُظهر البيانات تفاوتًا ملحوظًا في حجم التأثر بالقانون بين المحافظات، فمحافظات الوجه القبلي مثل المنيا 51.2 ألف، وأسيوط 77.2 ألف، وسوهاج 84 ألف، تسجل أرقامًا أقل بكثير من مثيلاتها في الدلتا والمراكز الحضرية، أما المحافظات الحدودية، فجاءت في ذيل القائمة، حيث سجلت شمال سيناء 2619 نسمة فقط، وجنوب سيناء 3642 نسمة، والوادي الجديد 5103 نسمة، وهو ما يتماشى مع الكثافة السكانية المنخفضة في هذه المناطق.

من جانبه، حذر النائب فريدي البياضي من أن القانون بصيغته الحالية يهدد “السلام الاجتماعي” لنحو 6 ملايين مواطن، معتبرًا أنه يظلم المالك والمستأجر معًا، لتغييبه مقاربات العدالة الاجتماعية، واقترح البياضي اعتماد فترة انتقالية عادلة، تُربط فيها الزيادة بمعدل التضخم الذي يعلنه البنك المركزي، وأعلن رفضه التام لتحرير العلاقة الإيجارية، داعيًا إلى إنشاء صندوق حكومي لدعم المستأجرين غير القادرين.
أما النائبة ضحى عاصي، فرأت في الزيادة المقترحة خطرًا اجتماعيًا محدقًا، بحسب تقديراتها، فإن بعض الوحدات قد تصل قيمتها الإيجارية إلى 8 آلاف جنيه شهريًا، وهو رقم يتجاوز قدرة آلاف الأسر على الاستمرار في أماكن سكنها، من هنا طالبت بوضع حد أقصى للزيادة، حماية للاستقرار المجتمعي، وتفاديًا لانفجار اجتماعي محتمل قد تسببه مثل هذه التعديلات غير المتوازنة.

غير أن النائب عن حزب التجمع، أحمد بلال البرلسي ربط مشروع القانون بسياسات الحكومة الاقتصادية “هذا القانون ينحاز للملاك الجدد، لشركات الاستثمار العقاري اللي أساميها على كل شوارع وعقارات وسط البلد”، كما لفت إلى استفادة الحكومة “عينيها فقط على الضرائب العقارية ودماغها في استخدام هذه الضرائب عشان سداد فوائد الديون التي حذرنا منها مرارًا وتكرارًا”.
اقرأ أيضًا:مالك ما أخدش حاجة.. حكايات الإيجار القديم
طوق نجاة حكومي.. على الورق
أعلنت الحكومة عن إطلاق منصة إلكترونية خلال شهر، لتسجيل طلبات المستأجرين المتأثرين بالقانون الجديد، ووفقًا لتصريحات المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، تهدف المنصة إلى فهم رغبات المستأجرين، وتحديد نوع السكن البديل المناسب لهم، سواء بنظام الإيجار، أو الإيجار التمليكي، أو التمويل العقاري.
كما تعهدت بتوفير هذه الوحدات السكنية قبل انتهاء الفترة الانتقالية المنصوص عليها في القانون: سبع سنوات للوحدات السكنية، وخمس للوحدات التجارية، وستتم عمليات الفرز بالتعاون مع وزارتي التضامن والداخلية، مع إعطاء أولوية لكبار السن، وأصحاب المعاشات، ومحدودي الدخل، إلى جانب مستفيدي مبادرة تكافل وكرامة وخدمات ذوي الإعاقة.
اقرأ أيضًا:الأمان المهدد.. بيوت النساء يلاحقها قلق دائم (حكايات الإيجار القديم)
بين الوعد والواقع
لكن هذا الوعد يصطدم بجدار الواقع الصلب، حيث يعيش عبد اللطيف سعد في إمبابة يومه بجوار عربة النعناع، مصدر رزقه الوحيد منذ 30 عامًا، إيجار شقته لا يتعدى الـ 18 جنيهًا شهريًا، والزيادة السنوية بنسبة 15% تعني أن المبلغ قد يتضاعف خلال سنوات قليلة، بحسب ما قاله لـ فكّر تاني.
“يعني لو الإيجار بقى 300 جنيه، بعد 7 سنين هيعدي الـ 700، أنا هنا من التسعينات، الشقة دي مفيهاش رخام ولا أسانسير.. بس على قدنا والزيادات لا هتراعي ظروفنا ولا حتى هترحم وضعنا”.
لم تعد الزيادة وحدها هي ما يخيف المستأجرين، بل أيضًا إمكانية الطرد، إذ يسمح القانون للمالك برفع دعوى طرد إذا أثبت أن الشقة مغلقة لأكثر من عام، أو أن المستأجر يملك وحدة أخرى.
ففي حلوان، تجلس إيمان حمدي الموظفة الأرملة، وهي تفكر في مصيرها وتقول لـ فكّر تاني: “جوزي ساب لنا شقة في العاشر، لكننا عايشين هنا عشان شغلي ومدارس الأولاد، هل هيطردنا المالك عشان عندي شقة تانية على الورق، طب الحل إيه، أبيعها وأرمي ولادي في الشارع؟!”.
وفي وسط البلد، تقف سنية منصور، أرملة شهيد، عاجزة عن استيعاب ما يحدث، وتحكي لـ فكّر تاني: “أنا أرملة شهيد في حرب أكتوبر، وساكنة في الشقة دي من 1978، فيها تاريخ عيلتي.. إزاي فجأة تبقى عبء قانوني يهددني بالإخلاء”.
أما نرمين صالح، فتقول لـ فكّر تاني: “أنا مش ضد القانون.. بس عايزة أعيش في بيتي، مش هموت هنا، بس عايزة أموت وأنا مطمنة”، وتؤكد أن القانون لا يمنح ضمانات حقيقية للمستأجرين، ولا يربط الزيادات بأي معيار اجتماعي أو دخل. وترى أن الناس لا تطلب المستحيل، بل فقط قواعد شفافة وعادلة تحفظ كرامتهم، وتضمن لهم سقفًا آمنًا لا يسقط فوق رؤوسهم في أي لحظة.
بينما يؤكد مصطفى السيد، مستأجر آخر، لـ فكّر تاني: “الدولة بتقول إني مؤجّر بربع القيمة.. بس أنا فعلًا مش قادر أدفع أكتر، أعمل إيه يعني أبيع كليتي؟! لحد دلوقتي ماشفناش بديل، ولا دعم، ولا تعويض حقيقي”.
ورغم أن الحكومة تعهدت بتوفير بدائل سكنية، إلا أن تجربة مصطفى رفعت مع منظومة الإسكان الاجتماعي كانت مريرة، موضحًا لـ فكّر تاني، أنه قدّم أكثر من مرة للحصول على شقة مدعومة، وقوبلت كل محاولاته بالرفض دون أسباب واضحة: “عملت تظلمات، ولا خدت حق ولا باطل.. في الآخر حسيت إن الموضوع كله سبوبة لجمع الفوايد، ووصل بيا الإحباط إلى حد الشك في جدوى المنظومة كلها، حاسس إننا بنتعلق بقشة وفي الآخر هنغرق”.
ويرى مصطفى أن سوق الإيجارات المفتوحة هو الملاذ الوحيد، لكن يصفه بالـ “متوحش”، مؤكدًا: “دلوقتي الإيجار بره وصل 5 آلاف جنيه، وأنا مش قادر أتحمل 500”.
ليجد نفسه، ككثيرين، قد هرب من أزمة قانونية، فقط ليقع في براثن أزمة اقتصادية لا ترحم. فوفق تقرير صدر عن “JLL” المتخصصة في سوق العقارات ارتفعت أسعار العقارات السكنية في مصر بما يتراوح بين 112 و116 في المئة للتمليك و108 في المئة للإيجار خلال عام 2024، مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق له.
وبالعودة إلى إبراهيم خليل، في شقته التي شهدت عمره كله، يجلس صامتًا ويمسح بيده على عقد الإيجار الأصفر البالي، فلم يعد يراه كوثيقة سكن، بل صك طرد مؤجل، ينظر إلى أحفاده وهم يلعبون علي الأرض، مرددًا:
“هل سأورثهم يومًا مرارة التشرد كما ورّثتهم اسمي!!”.
