المساءلة المعلّقة: قراءة في عجز البرلمان عن محاسبة الحكومة (1-2)

تتجلى ثقافة البرلمان المصري في أنماط مؤسسية متراكمة عبر الزمن، تجعل من الصعب فصل الممارسات الراهنة عن جذورها التاريخية. ويُمثل ضعف أدوات الرقابة والمساءلة نموذجًا لظاهرة ممتدة نتجت عن توازن مختل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لصالح الأخيرة.

فرغم النصوص الدستورية الواضحة منذ مطلع القرن العشرين على مسؤولية الحكومة أمام البرلمان، فإن الممارسة العملية كرّست تفوق السلطة التنفيذية عبر آليات متكررة، مثل التحكم في تشكيل البرلمان، وحق حله، والسيطرة على جدول أعماله. وهو مسار متواصل شهدته مصر الخديوية والملكية والجمهورية، ما يجعل استمرار هذا الاختلال سمة عابرة للعصور.

بدأت هذه البنية مع مجلس شورى النواب (1866)، الذي أنشأه الخديوي إسماعيل عبر ترشيحات محلية تُصدّق عليها السلطة المركزية، من دون انتخاب شعبي أو صلاحيات رقابية، مكتفيًا بدور الهيئة الاستشارية للحكومة والخديوي

الخديوي اسماعيل
الخديوي اسماعيل

تمثل أزمة يناير–فبراير 1882 حالة استثنائية في التاريخ البرلماني المصري، حين أصر النواب، بدعم من الحركة العرابية، على حقهم في إقرار الميزانية، رافضين مقترح شريف باشا بتأجيل البت تحت ضغط بريطاني–فرنسي. هذا التعارض انتهى باستقالة شريف باشا وتكليف البارودي بتشكيل الحكومة، في واقعة فريدة يمكن وصفها بـ’استثناء 1882’، إذ لم تُجبَر أي حكومة لاحقًا على الاستقالة بفعل ضغط برلماني. (الرافعي 2020، ص 65)

يمثل هذا المسار التاريخي الممتد من مجلس شورى النواب عام 1866، مرورًا بـ “استثناء 1882″، وصولًا إلى برلمانات المراحل الملكية والجمهورية، إطارًا لفهم طبيعة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في مصر. فقد ظل هذا التوازن، عبر مختلف الحقب، يتأثر بعوامل مؤسسية وثقافية جعلت آليات الرقابة البرلمانية تتراوح بين التفعيل المحدود والتعطيل الجزئي، دون أن تستقر على ممارسة رقابية كاملة الأركان.

البرلمان ومساءلة الحكومة

ومن هنا تنطلق هذه الورقة لطرح السؤال البحثي التالي:
إلى أي مدى يمتلك البرلمان المصري القدرة الفعلية على مساءلة الحكومة، وما حدود آليات المحاسبة المتاحة له بين النص الدستوري والممارسة السياسية؟

تعتمد الورقة منهجًا تحليليًا–تاريخيًا يجمع بين تحليل النصوص الدستورية والقانونية المنظمة للرقابة البرلمانية منذ دستور 1923 حتى دستور 2014 وتتبع تطورها، وبين دراسة السياق السياسي الذي أعاق تفعيلها عمليًا، بما في ذلك القيود الأمنية وهندسة العملية الانتخابية وطبيعة التعددية الحزبية.

مجلس النواب
مجلس النواب

وتستند الورقة أيضًا إلى دراستي حالة: تمرير اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية (2015–2020) وقانون الإيجار القديم (2020–2025)، كنماذج لتشريعات جدلية لتوضيح كيفية تفاعل النصوص مع الممارسة في الواقع البرلماني.

تركّز الورقة على مفهوم المسؤولية السياسية، أي مسؤولية الحكومة أمام البرلمان وما يترتب عليها من التزامات حكومية، مع مقاربة تاريخية لتطور هذا المفهوم. ويجري التركيز على أداء مجلس النواب المصري في الفصلين التشريعيين الأول والثاني بعد دستور 2014، نظرًا لحداثة تشكيل مجلس الشيوخ (2019) ولأن التقاليد البرلمانية في مصر استقرت على منح الغرفة السفلى (مجلس النواب) صلاحيات أوسع.

بهذا النهج، تسعى الورقة إلى الربط بين المسار التاريخي والتحليل المؤسسي لفهم واقع الرقابة البرلمانية في مصر، مع مراعاة التباين بين النصوص الدستورية والتطبيق العملي عبر الحقب المختلفة.

  • تحليل الإطار التاريخي والدستوري للمسؤولية الحكومية أمام البرلمان

الدساتير، مثل أي نص إنساني، لا تنطق بذاتها؛ بل تُكتسب معناها من خلال إرادة الفاعلين وأصحاب المصلحة، وفوق كل ذلك مدى استعداد أصحاب النفوذ والقوة على احترام النص الدستوري أو تجاوزه. فالنصوص الدستورية قد تحمل في ظاهرها صلاحيات واسعة للبرلمان، لكن فعاليتها تتوقف على ميزان القوى الذي يحدد إن كانت هذه الصلاحيات ستُمارَس فعلًا أم ستظل مجرّد عبارات فخمة على ورق.

 

وفي التجربة المصرية، تراكمت عبر الدساتير المتعاقبة نصوصٌ كثيرة تبدو وكأنها “مواد متحفية”  للعرض وليس الاستخدام: حاضرة في النصوص المكتوبة، محفوظة في الأبواب والفصول، لكن معطلة عمليًا في ساحة الممارسة. فهي تُعرض كدليل على حداثة البنية الدستورية، بينما تُفرَّغ في الواقع من مضمونها بفعل آليات سياسية ومؤسسية تجعل البرلمان عاجزًا عن ممارسة دوره الرقابي الكامل ومحاسبة الحكومات.

هذا التناقض بين النص والممارسة لم يكن عارضًا، بل تكرر في مختلف المراحل من دستور 1923 مرورًا بدساتير 1956 و1971، وصولًا إلى دستور 2014، حيث يظهر بوضوح أن النصوص الرقابية وُجدت دومًا، لكن تفعيلها ظل مرهونًا بمدى قبول السلطة التنفيذية بحدود الرقابة، أو قدرتها على إعادة تعريفها.

1.1. مفهوم المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان

قبل أن نبدأ في استعراض التراكم التاريخي والدستوري لفكرة المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان نحاول أن نضبط أولا ضبط المفاهيم والمقصود بالمسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان.

المساءلة أو المسؤولية، في معناها العام، هي علاقة مؤسسية بين طرفين أو أكثر، يلتزم فيها أحد الأطراف بتقديم المعلومات والتفسيرات عن أفعاله للطرف الآخر، والخضوع لرقابته وما قد يترتب عليها من جزاءات. في المقابل، يلتزم الطرف الآخر بممارسة هذه الرقابة والحكم على تلك الأفعال في إطار من القواعد المتفق عليها مسبقًا، سواء كانت دستورًا أو قوانين أو أعرافًا. وجوهر هذه العلاقة يقوم على تبادل متكرر للمساءلة والمحاسبة بما يعزز من ضبط السلطة. (Schmitter P4-5)

اجتماع سابق لحكومة مدبولي (وكالات)
اجتماع سابق لحكومة مدبولي (وكالات)

وفي النظم الدستورية الديمقراطية يُعدّ البرلمان الساحة المؤسسية الأساسية التي تمارس من خلالها الرقابة الشعبية على السلطة التنفيذية. وتقوم هذه الرقابة على مبدأ المسؤولية السياسية الذي يجعل بقاء الحكومة مشروطًا بقدرتها على الخضوع للمحاسبة الدائمة عن أعمالها والاحتفاظ بثقة الأغلبية النيابية. وتُترجم هذه الفكرة إلى التزام جماعي وفردي للوزراء بتبرير سياساتهم وأفعالهم، بل وحتى تقاعسهم، أمام ممثلي الأمة.  (Roger, & Murray, 2022)

تقوم الديمقراطية على توسيع دائرة الرقابة والمساءلة لتشمل المواطنين باعتبارهم أصحاب المصلحة، في مقابل الأنظمة غير الديمقراطية التي تحصرها في نخبة حاكمة محصّنة ضد الرقابة الشعبية والبرلمانية. ومن هذا المنطلق تُعد المساءلة السياسية حجر الزاوية في البنية الدستورية، إذ تضمن بقاء السلطة خاضعة للضبط العام. وبالاستناد إلى هذا المبدأ يمكن تتبع الإطار الدستوري والقانوني للرقابة البرلمانية في مصر من دستور 1923 إلى دستور 2014، حيث ظل جوهرها قائمًا على مبدأ المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان، أي أن استمرارها مرهون بالحفاظ على ثقة الأغلبية النيابية، وهو ما يميز النظم البرلمانية وشبه البرلمانية عن النظم النخبوية الأوتوقراطية.

ويمكن التمييز بين نوعين من المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان في مصر:

أ. المسؤولية السياسية الكاملة:

حيث يملك البرلمان سلطة منح أو حجب الثقة عن الحكومة كهيئة متضامنة (وليس كأفراد) ، ما يعني أن البرلمان هو الذي يشكّل الحكومة من أغلبيته البرلمانية وهو أيضًا القادر على إسقاطها إذا حجب ثقته عنها. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في دستور 1923، الذي نصّ في المادة (65) على أن الوزارة مسؤولة أمام مجلس النواب وله حق حجب الثقة عنها، وفي المادة (66) على حق المجلس في اتهام الوزراء ومساءلتهم. بهذا أرسى الدستور نموذجًا للمسؤولية السياسية الكاملة على غرار النظم البرلمانية الأوروبية في ذلك الوقت، حتى وإن ظل تطبيقه عمليًا محدودًا.

مجلس النواب
مجلس النواب

ب. المسؤولية السياسية المحدودة أو الشكلية: يحتفظ البرلمان بحقوق رقابية مثل السؤال أو الاستجواب، لكنه لا يملك سلطة تشكيل الحكومة أو إسقاطها مجتمعة إلا عبر إجراءات معقدة. وقد تبنّى دستور 1956 ثم دستور 1971 هذا النموذج؛ إذ نصّا على مسؤولية الحكومة أمام البرلمان من حيث الأداء، لكنهما حصرا حق تعيين الحكومة أو عزلها في رئيس الجمهورية. كذلك، أتاح كل من دستور 1956 (م 113) ودستور 1971 (م 126) للبرلمان حجب الثقة عن الوزراء فرادى من دون إقرار مبدأ المسؤولية التضامنية للحكومة.

قيّد دستور 1971 بشدة إمكانية حجب الثقة عن الحكومة؛ فالمادة 127 خوّلت البرلمان رفع تقرير للرئيس بشأن رئيس الوزراء، لكن الرئيس يملك رفضه أو طرحه في استفتاء شعبي، بحيث يعني تأييد الحكومة حلّ البرلمان نفسه. وبهذا الترتيب فُرغ مبدأ المسؤولية السياسية من جوهره، وأصبح البرلمان مؤسسة رقابية جزئية لا شريكًا فعليًا في تشكيل السلطة التنفيذية أو عزلها.

أما دستور 2014 فقد أعاد الاعتبار إلى نموذج المسؤولية السياسية الكاملة، حيث نصّت المادة (146) على أن رئيس الجمهورية يكلّف رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة، على أن تعرض برنامجها على مجلس النواب ولا تباشر عملها إلا بعد حصولها على ثقته. كما نصّ على حق المجلس في سحب الثقة من الحكومة مجتمعة أو من أحد الوزراء، ما أعاد للبرلمان سلطة تشكيل الحكومات وإقالتها بعد عقود من الغياب.

1.2 التطور التاريخي للمسؤولية السياسية في مصر

دستور 1923 وبذور التعطيل

رغم وضوح النصوص، وميل دستور 1923 إلى المبادئ الليبرالية للدساتير الأوروبية وروح الحركة الوطنية المصرية آنذاك (Ikeda, 2022) ، فإنه أبقى على صلاحيات جوهرية للملك مثل حق حل البرلمان (م 38). وقد استُخدم هذا الحق كأداة سياسية متكررة لإجهاض أي محاولة لمحاسبة الحكومة أو حجب الثقة عنها، أبرزها في 1930 حين فُضّ البرلمان قبيل مناقشة استجواب لحكومة إسماعيل صدقي ونظر سحب الثقة منها على إثر أزمة إلغاء الدستور. إذن، كانت النصوص قائمة، لكن الإطار المؤسسي أتاح للسلطة التنفيذية تعطيلها عند الحاجة.

يمكن رد التقاليد البرلمانية المصرية لمرحلة ما بعد انتخابات 1924، وهي التقاليد التي سيكون لها أثر لاحق مستمر عبر الزمن في صناعة ما يمكن ان نسميه ثقافة السيادة الحكومية على البرلمان. رسخت الحكومات المتعاقبة مبدأً جوهريًا في علاقتها بالبرلمان: أن الحكومة هي وحدها حارسة “المصلحة الوطنية العليا”، وأن أي برلمان قد يتحول إلى تهديد لهذه المصلحة إن عارضها أو هدد بقاءها.

إسماعيل صدقي - مواقع الكترونية
إسماعيل صدقي – مواقع الكترونية

يمكن اعتبار إسماعيل صدقي، أحد أبرز رؤساء الحكومات في العهد الملكي، من الآباء المؤسسين لثقافة سياسية رسّخت أولوية السلطة التنفيذية على البرلمان. ففي تفسيره لحل برلمان 1925، قدّم الحكومة بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للمصلحة الوطنية، حتى إن تعارضت مع إرادة الأغلبية المنتخبة؛ إذ لم ينكر فوز الوفد أو شرعية سعد زغلول، لكنه رأى في هذه الأغلبية خطرًا على ‘الهدوء’ المطلوب لإدارة العلاقة مع الدولة المحتلة، ما برّر في نظره حل البرلمان بدلًا من الخضوع لمساءلته (صدقي 2014، 55).

وهنا تنعكس ثقافة سلطوية تقلب فكرة البرلمان رأسًا على عقب: فبدل أن ينتج الحكومات ويحاسبها، تصبح السلطة التنفيذية صاحبة قدرات غير محدودة لا تستمدها من الأغلبية الشعبية، وتملك عند الحاجة أدوات لحل البرلمان نفسه. بهذا المنطق، أعاد صدقي تعريف وظيفة الحكومة باعتبارها وصية على الدولة لا خادمة للإرادة الشعبية، تمتلك حق تعديل القوانين أو تفكيك المؤسسات التمثيلية باسم ‘الاستقرار’، في تأسيس مبكر لفكرة أن السلطة التنفيذية تقف فوق البرلمان وأن أدوات المحاسبة تُعطَّل كلما رُفعت شعارات مثل ‘الظروف العصيبة’ أو ‘الاستقلال الوطني’.

الجمهورية الأولى (ناصر – السادات – مبارك)

 

حافظ دستور 1956 على مبدأ المسؤولية السياسية شكليًا؛ فنصّ على رقابة مجلس الأمة لأعمال السلطة التنفيذية (م66)، لكنه عُطّل عمليًا مع غياب التعددية والمعارضة، كما ألغى حق البرلمان في سحب الثقة من الحكومة مجتمعة وأبقى فقط على الوزراء فرادى (م113). أما دستور 1971 فقد أعاد تنظيم أدوات الرقابة كالأسئلة والاستجوابات والتحقيق (م124–131)، لكنه كرّس التقييد ذاته بقصر حجب الثقة على الوزراء فرادى (م126)، ووضع قيودًا معقدة على سحب الثقة من الحكومة عبر الاستفتاء الشعبي (م127). ومع اتساع سلطات الرئيس، خاصة حق الحل والدعوة للاستفتاء، أصبحت الرقابة شكلية، وتحول البرلمان إلى مؤسسة تابعة و’واجهة ديمقراطية’ لم تصدر عنها معارضة جدية (Völkel 2017).

هذه الممارسات تعكس ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “السلطات الدراكونية ” (Draconian powers)، أي القوة اللامحدودة التي تحتفظ بها السلطة التنفيذية لتفريغ الرقابة من مضمونها.

الجمهورية الثانية ودستور 2014

بعد ثورة يناير كان لزامًا تغيير الإطار الدستوري الذي قاد إلى انسداد الأفق السياسي وأفضى إلى اندلاع أول ثورة شعبية تنتهي بالإطاحة برئيس للجمهورية. وقد جاء دستور 2012 في ظل حالة تجاذب سياسي واستقطاب حاد بلغ حدّ الصدامات الدموية، غير أنه لم يصمد طويلًا بعد الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013 على أثر احتجاجات شعبية واسعة.

ومن هنا تركز هذه الورقة على دستور 2014، الذي ما يزال، مع تعديلات 2019، الإطار الدستوري الناظم للحياة السياسية في مصر. فهذا الدستور لم يأتِ في فراغ، بل كان ثمرة لحظة احتجاجية ممتدة ضد السلطات الاستبدادية التي احتكرها منصب الرئيس والحكومات المتعاقبة ومعها أجهزة الدولة الصلبة. وقد حمل النص الدستوري في طياته محاولة لتقديم تطمينات للحركة الاحتجاجية المستمرة منذ يناير 2011، فمال إلى تعزيز موقع البرلمان على حساب السلطة التنفيذية، ووضع الحكومة نظريًا تحت رقابة دائمة حتى لا تفقد ثقة البرلمان.

أحدث دستور 2014 انقلابًا على الفلسفة الراسخة للجمهورية الأولى (عهد ناصر–السادات–مبارك). فنصّت المادة (146) على أن تشكيل الحكومة، وإن ظل من حق الرئيس، بات مشروطًا بمنح مجلس النواب الثقة. ثم جاءت المادة (147) لتكمل هذا التحوّل، حيث قيدت سلطة الرئيس في إقالة الحكومة بضرورة موافقة البرلمان، لتضع لأول مرة سلطة الرئاسة تحت رقابة نيابية أكثر حضورًا وفاعلية على الأقل على مستوى النص الدستوري.

اقرأ أيضًا: ورقة بحثية: البرلمان يعكس توازنات مسبقة التصميم لا تعبر عن الناخبين

لم يقف دستور 2014 عند حدود تقليص صلاحيات الرئيس، بل ذهب أبعد مما عرفته التجربة الدستورية المصرية كلها، بل وحتى دستور 1923 الذي أبقى رأس الدولة في مرتبة ‘ذات مصونة لا تُمس’. فقد نصّت المادة (161) على منح مجلس النواب سلطة اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وهو تحول بالغ الدلالة: فالرئيس، الذي كان مركز النظام السياسي وذروة سلطته، أصبح من الناحية الدستورية خاضعًا للمساءلة البرلمانية والشعبية معًا (أبوريدة 2015). وعليه يمكن القول إن دستور 2014 شكّل انقلابًا عن فلسفة دساتير الجمهورية الأولى التي حصّنت منصب الرئيس وجعلته فوق المحاسبة، فاتحًا الباب ـ ولو على مستوى النص ـ لإدخال رأس الدولة في دائرة المسؤولية السياسية أمام البرلمان.

 الرئيس الأسبق عدلى منصور وقع على وثيقة إصدار دستور جمهورية مصر المعدل، المعروف بدستور 2014، وفي الصورة الوزير الأسبق عمرو موسى رئيس اللجنة التأسيسة للدستور
الرئيس الأسبق عدلى منصور وقع على وثيقة إصدار دستور جمهورية مصر المعدل، المعروف بدستور 2014، وفي الصورة الوزير الأسبق عمرو موسى رئيس اللجنة التأسيسة للدستور

بهذا المعنى، لم يكن دستور 2014 مجرد تعديل تقني في توزيع الصلاحيات، بل كان استجابة سياسية لزخم يناير. فقد صيغ على نحو يعكس قلق الدولة من الشارع، ورغبتها في تقديم ضمانات شكلية تعيد التوازن بعد عقود من استئثار الرئاسة بالقرار. لذلك يمكن النظر إلى النصوص الخاصة بمنح وسحب الثقة، سواء للحكومة أو لرئيس الجمهورية نفسه، كتجسيد لدستور صُمم كي يطمئن الحركة الاحتجاجية ويحتويها، أكثر مما صُمم ليُفعَّل عمليًا. فقد أراد أن يقول بوضوح: إن البرلمان لم يعد مجرد غرفة للتصفيق، بل سلطة قادرة ـ على الأقل في النص ـ على محاسبة الحكومة ورئيس الدولة معًا.

المسؤولية السياسية عبر النصوص الدستورية تاريخياً
القيود/الملاحظات طبيعة المسؤولية السياسية الصلاحيات الممنوحة للبرلمان الدستور
نموذج أقرب للنظم البرلمانية الأوروبية، وإن كان التطبيق محدودًا عمليًا نظرًا لمنح الملك حق حل البرلمان بلا ضوابط بالإضافة للتدخلات السياسية في تحديد نتائج الانتخابات في كثير من الأحيان. مسؤولية سياسية كاملة
  • منح أو حجب الثقة عن الحكومة (م 65).
  • حق اتهام الوزراء ومساءلتهم (م 66).
1923
تعيين الحكومة وعزلها بيد رئيس الجمهورية، لا البرلمان. لا مسؤولية تضامنية للحكومة. بالإضافة لغياب التنافس السياسي والتعددية وتركيز السلطة في يد الرئيس بما جرد البرلمان من الإطار السياسي اللازم للمراقبة والمحاسبة. مسؤولية سياسية محدودة/شكلية
  • رقابة برلمانية عبر السؤال والاستجواب.
  • حجب الثقة عن وزراء فرادى (م 113).
1956
الرئيس يملك ردّ التقرير، وإذا أصرّ البرلمان يُعرض الأمر على استفتاء شعبي؛ دعم الاستفتاء للحكومة يؤدي إلى حلّ البرلمان نفسه. بالإضافة إلى البيئة السياسية التي تميل إلى تركيز القوة في يد الرئيس والحزب الحاكم. مسؤولية سياسية شكلية مع قيود مشددة
  • حجب الثقة عن وزراء فرادى (م 126).
  • تقرير حول مسؤولية رئيس الوزراء (م 127).
1971
أعاد للبرلمان سلطة تشكيل الحكومات وإقالتها بعد عقود من الغياب. مسؤولية سياسية كاملة (مع استعادة صلاحيات البرلمان)
  • الحكومة لا تباشر عملها إلا بعد ثقة البرلمان (م 146).
  • حق سحب الثقة من الحكومة مجتمعة أو من أحد الوزراء.
2014

 

مع أن دستور 2014 نصّ صراحةً على مبدأ المسؤولية السياسية، يبقى السؤال الجوهري: هل استطاع البرلمان المصري أن يتجاوز الإرث الذي رسّخه إسماعيل صدقي ووزارات الأقليات في العهد الملكي وما تلاه في عصر الجمهورية الأولى، حين وُضع البرلمان في موقع تابع للسلطة التنفيذية؟ وما العوامل السياسية والمؤسسية التي كرّست استمرار هذا الوضع؟ هذه الإشكالية ستكون محور القسم التالي حول البيئة السياسية التي يعمل في ظلها البرلمان وتمكنها أو تعطله عن تنفيذ دوره الرقابي.

يتبع.. 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة