مواسم شيطنة عبدالناصر 1-2

لا نعرف لماذا يسبق لقب "السيد"، اسم وزير الخارجية الأسبق؛ عمرو موسى على الدوام؟ هل يحرص على ذلك؟ هل هي توجيهاته شخصيًا؟ وهل يتوخى أن يبدو متميزًا ومتمايزًا عن سواه من السياسيين؟

أمر غريب بخاصة أن "السيد" ليس لقبًا رسميًا، على غرار الباكوية والباشوية في العهد الملكي، أو الدوقية والبارونية في أوروبا، لكن ما علينا، فليطلب ما يشاء، وليُطلق عليه أي لقب فخيم عظيم.. خاطبوا الناس بما يحبون، أو بتعبير شعبوي "ريَّح الزبون".

غير أن ما نعرفه مما يحيط به من شهادات مقربين، عملوا إلى جواره واحتكوا به احتكاكًا وثيقًا، أنه لم يكن ديمقراطيًا في إدارته وزارة الخارجية، ولا في الجامعة العربية التي تولى أمانتها خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق.

من تلك الشهادات؛ شهادة محمد حسنين هيكل، الذي يقول: "دبلوماسي موهوب، وصاحب رأي قوي، لكنه لا يحب أن يُخالَف كثيرًا، ويُظهر إزاء المعارضة صرامةً تبدو تصلبًا"، وشهادة عبدالله السناوي التي جاء فيها: "شعبيته تطغى على زملائه، ما يجعله يتصرف كثيرًا باعتباره صاحب الكلمة الفصل"، وشهادة السفير عبدالرؤوف الريدي الذي يذهب إلى أن ثقته الشديدة في نفسه، جعلت البعض يراه متسلطًا، وشهادة عبدالمنعم الهوني، مندوب ليبيا بالجامعة العربية سابقًا: "لا يعطي مساحة واسعة للنقاش".

 

"السيد" و"كتابيه"

الظاهر أن هناك إجماعًا على أن "السيد" ليس ديمقراطيًا، والظاهر أن هذا الإجماع قد أزعجه، حتى إنه عمد في سيرته الذاتية "كتابيه" إلى نفيه قائلًا: "اعتادوا أن يقولوا عني متصلب، لكنني كنت أرى دائمًا أن الوضوح والحزم ضروريان في العمل السياسي، ولا أؤمن بالميوعة في القرار".

تمعن إنه يقول: "اعتادوا"، شبه جملة من فعل ماضٍ والفاعل واو الجماعة، والمعنى يفيد الذيوع والشيوع.. هل هذا رد ينفي الديكتاتورية أم يؤكدها؟ وما تعريف الحزم والميوعة باعتبارهما متناقضين لا يجتمعان في مفهوم "السيد"؟

عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق
عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق

أغلب الظن أن الشهادات في "السيد" ليست شجرة شيطانية، بغير جذور راسخة وعميقة في شخصيته، ولعل لغة جسده ونبرة صوته في مقابلاته المصوَّرة توحي بشيء من هذا التصلب والتشدد، أو فلنقل الاعتداد بما في رأسه هو، وعدم قبوله رأي غيره رأيه هو، ورفض سماع صوت غير صوته هو.

ذلك ليس مفاجئًا؛ إنَّ "السيد" ابن بيئته الاجتماعية والسياسية، وشخصيته هي محصلة خبراته الحياتية والوظيفية، والمنطقي أنَّ رجلًا عمل تحت إمرة المخلوع مبارك، الذي يُؤثَر عنه أنه كان يقول: "أنا معايا دكتوراة في العند".. المنطقي أن تتشرب نفسه الديكتاتورية، وتطغى على روحه سماتها، فيغدو شديد الاعتداد بذاته، ولا نقول متضخم الذات.

هل انضم "السيد موسى" لحركة 6 إبريل؟

لكن الغريب أن "السيد" رغم ذلك، حين تطرَّق إلى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، سارع إلى اتهامه بالديكتاتورية، حتى بدا كما لو كان من نشطاء حركة 6 إبريل، أو عتاة الحقوقيين الذين أفنوا أعمارهم في المعتقلات ذودًا عن الحريات.

من حق موسى وغيره أن ينتقدوا ناصر، فالراحل لم يكن معصومًا، وقرارته لم تكن وحيًا يُوحى، ولا بد من إخضاع مرحلته رغم الكم الهائل مما كُتب عنها وفيها، وما كتب عنه وفيه إلى النقد والتقييم.

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

تتخلف الأمم حضاريًا حين تُقيم أصنامًا بشرية، فتخرُّ لها ساجدة، وترفعها إلى مراتب الألوهية رافضةً المساس بها.

إعادة قراءة التاريخ "فرض عين"، على الأمم التي تتوخى استلهام دروسه، للبناء على الإيجابي وتجنب السلبي، وهذا يقتضي أن تتسم عملية القراءة بالحياد البارد، فتعمل عمل مشرط الطبيب لدى إجراء جراحة دقيقة.

فوق ذلك فإن تقييم ما فات من تراجم وأخبار، لا ينبغي أولًا أن يكون أحاديًا في نظرته، ولا يجوز ثانيًا أن يجنح إلى اجتزاء الأحداث من خارج سياقاتها الظرفية، ولا يصح ثالثًا أن يرتكب خطيئة تشويه الحقائق، لتعزيز وجهة نظر بعينها.

وهذه الآفات الثلاث تتجمع معًا في الكثرة الغالبة من قراءات مرحلة ناصر، فمن قائل بأنه آخر الأنبياء، كما وصفه شاعرنا نزار قباني في قصيدة رثائه، إلى قائل بأنه إبليس الرجيم، الذي لفظه القبر كما يهرطق "الإخوان" و"اللي مش إخوان بس بيحترموهم".

الخطوة الأولى في قراءة ناصر ينبغي أن تنطلق من الاعتراف بخطاياه، وما من شك في أن الديكتاتورية كانت كبيرة كبائر مرحلته السياسية، غير أن تقييم ذلك أو بالأحرى تأثيمه، لا يستقيم مع تجاهل ملابسات الظرف التاريخي ووقائعه الثابتة.

الزعيم بين دراويشه والحاقدين عليه

انتزاع ناصر من سياقه الزمني، هو ما يفضي إلى قراءتين متضاربتين له؛ واحدة يتبناها أعداؤه ممن يجنحون إلى شيطنته كليًا، والثانية يعتنقها "دراويش الطريقة الناصرية"، ممن يستميتون في نفي كل خطاياه، عبر ذرائع متهافتة هشة، فإذا بهم يسيئون للرجل من حيث يريدون إنصافه.

جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

ارتقى ناصر حكم مصر خلال الخمسينيات، في حقبة لم تكن "موضة الديمقراطية" فيها ذائعة، فأفريقيا بأسرها ترزح في أغلال الاستعمار، وآسيا تتخبط بين النظم الملكية والشيوعية والعسكرية، وأمريكا اللاتينية تُحكم بالحديد والنار، بل إن أوروبا الشرقية التي كانت تضم يوغوسلافيا السابقة، والمجر والتشيك وبولندا والبرتغال وألمانيا الشرقية ورومانيا وألبانيا ناهيك عن إسبانيا، كانت تحت قبضة السلطوية الحديدية.

كانت الديمقراطية مبعثرة كبعر الآرام في عَرَصَات الأطلال، كما يقول أمير شعراء العصر الجاهلي؛ امرؤ القيس في معلقته البديعة.

وكانت تقتصر على الولايات المتحدة بعد حرب أهلية دامية، وبريطانيا بعد تاريخ نضالي ممتد، بدأ من وثيقة "ماجنا كارتا" سنة 1215، وصولًا إلى الثورة المجيدة ما بين عامي 1642 و1689، وفرنسا بعد ثورة شعبية حمراء، وفي اليابان بعد هزيمة الحرب العالمية المذلة، وهكذا.

الشعوب التي حظيت بالديمقراطية سددت ثمنها، أما المصريون فلم يسددوا أية أثمان، بل إنهم تمايلوا طربًا مع صوت عبدالوهاب: "وشفنا ثورة من غير دموع"، للمقارنة بين ثورتي 19 ويوليو، وكان ذلك منطقيًا في مجتمع تبلغ نسبة الأمية فيه 80%.

لم يكن ناصر وهو رجل عسكري تشبعت نفسه بقواعد "الضبط والربط" الصارمة، وتنفيذ الأوامر بغير مناقشة ليتبرع طوعًا بالديمقراطية لشعب لم يسع لنيلها، أو بالأحرى لم يحاول انتزاعها.

هذا من قبيل الخرافات المستحيلة، كالعنقاء والغول والخِل الوفي.

ما من حاكم إلا يتمنى أن يحكم بطريقة: "اسمعوا كلامي أنا فقط"، ولا تخرجوا عن طوعي، بل أنه قد يقتفي مقولة محمود درويش في قصيدته "خطب الديكتاتور الموزونة": "سأختار أفراد شعبي.. سأختاركم واحدًا واحدًا، كي تكونوا جديرين بي".

الحاكم إنسان والنفس الإنسانية أمَّارة بالشر، وما لم تتصدَ له قوى المجتمع سيمضي في الاستئثار بالسلطات جميعًا، وسيعاقب الخارجين عليه بالحديد والنار.

كذلك تجيب ظروف المرحلة التاريخية على السؤال: لماذا لم يكن ناصر ديمقراطيًا؟ لكنها بالقطع لا تبرر الديكتاتورية التي ستبقى دائمًا وأبدًا، أقدم وأقبح اختراعات البشرية على مدى التاريخ.

هزيمة يوليو التي لا تنتهي آثارها

لكن بعيدًا عن مسألة الديكتاتورية، وعودًا إلى انتقادات موسى، وما يتصل بهذه وتلك من حتمية تحري الموضوعية لدى نقد التاريخ، فاللافت أن "السيد" حين أطلق لسانه في نقد الزعيم، كان يتحدث عن هزيمة يونيو باعتبارها نتاج ديكتاتورية ناصر وحده لا شريك له.

يبدو تفنيد هذه المقولة أو نفيها صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا، ذلك أن ناصر حكم مصر وحده بالفعل، وكان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وما دام الحال كان كذلك، فمن العدالة أن يتحمل وحده أيضًا تبعات خطايا مرحلته.

في ذكرى ثورة 23 يوليو 1952 يحضر دائما في النقاش العام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر - صورة من تصميم فكر تاني
في ذكرى ثورة 23 يوليو 1952 يحضر دائما في النقاش العام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر - صورة من تصميم فكر تاني

من الإنصاف أن نقر بأن ناصر هو المسؤول الأول والأوحد عن الهزيمة، ومن الموضعية أن نستقبح تجميلها بمصطلح "نكسة" الذي اخترعه محمد حسنين هيكل، بمنتهى الذكاء والدهاء وأيضًا الحرفية أو "الحرفنة".

لكن أليس من الإنصاف أيضًا أن نقر بأن الراحل خرج على الناس ليعترف على رؤوس الأشهاد بمسؤوليته الكاملة؟

"إني قد اتخذت قرارًا أريدكم جميعًا أن تساعدوني عليه، لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي، أو دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي كأي مواطن آخر".

كذلك قال الرجل في لحظة الهزيمة، ثم زاد: "إنني قد تحمَّلت المسؤولية كاملةً عن هذه النكسة، ولم أخدعكم ولم أخفِ عنكم شيئًا".

دع عنك ما يقال من أن الأمر كان تمثيلية، والمظاهرات التي انفجرت بعد الخطبة لإثنائه عن التنحي كانت مطبوخة، وهذا احتمال وراد أكثر من كونه مستبعدًا، ستبقى المحصلة أن ناصر اعترف.. بالله عليك هل رأيت بعده رئيسًا أو وزيرًا أو حتى رئيس حي يعترف بالخطأ؟

الديكتاتور الأعتى ومؤسس الشمولية في المنطقة العربية، كما يدعي أعداؤه، وكأن الحياة قبله كان ربيعًا والجو بديعًا والمواطن المصري لا يفقد عمله وحياته لمجرد أنه أطلق نكتة على الملك؛ "شخشيخة الإنجليز"، قد اعترف بالمسؤولية.

الديكتاتور الأعتى الذي دمر الديمقراطية التي كانت في عهد الملك المخلوع، والذي كانت فيه تهمة "العيب في الذات الملكية" سيفًا موجهًا إلى صدور أصحاب الكلمة، وقد حوكم بمقتضاها كل من المازني ومصطفى آمين، وزُجَّ بزعيم مصر الفتاة؛ أحمد حسين إلى غيابات السجون بناءً عليها.. قد اعترف بالمسؤولية.

قبل ناصر وبعده لم ينم إلى علمنا أن زعيمًا عربيًا واحدًا خرج على الناس معترفًا بالخطأ، فدائمًا "هو حلو بس اللي حواليه وحشين".

هل اعترف السادات بأن الانفتاح "جاب الخراب مشمول" وفق تعبير شاعرنا الراحل؛ أحمد فؤاد نجم؟

هل أقر مبارك بأن مشروع "توشكى" كان بلا جدوى؟

هل نمضي قدمًا فنضرب الأمثلة؟

يكفي أن نقول إن أي وزير اليوم يأبى النقد مهما كان هينًا، ويهرع إلى اتهام "مقترفي هذه الجريمة" بأنهم "من أهل الشر".

لا أحسب أن هنالك ضرورة لسوق المزيد من الأمثلة، فالطيب أحسن، وكاتب السطور قد جرب "البُرش" ولا يريد قطعًا الرجوع إليه، في عهد الحريات غير المسبوقة التي تحققت بعد ناصر.

وللحديث صلة.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة