ورقة بحثية: البرلمان يعكس توازنات مسبقة التصميم لا تعبر عن الناخبين

خَلُصت ورقة بحثية جديدة أعدها الباحث في العلوم السياسية محمد سعد،  إلى أن البرلمان المصري رغم ما حملته الدساتير المتعاقبة من نصوص واضحة بشأن مسؤوليته السياسية في مساءلة الحكومة، ظل أسير معادلة هيمنة السلطة التنفيذية على المجال السياسي، مؤكدًا أن المؤسسة النيابية المصرية باتت انعكاسًا لتوازنات مصممة مسبقًا، لا تعبيرًا عن إرادة الناخبين.

لقراءة الورقة كاملة.. اضغط هنا

قدمت الورقة الصادرة عن منصة فكّر تاني، والتي جاءت بعنوان "المساءلة المعلّقة: قراءة في عجز البرلمان المصري عن محاسبة الحكومة"، خلفية تاريخية عن الدور ما يقوم به المجلس، منذ مجلس شورى النواب (1866) مرورًا بدستور 1923، ودساتير الجمهورية الأولي من 1956 إلى 1971 وأخيرا دستور الجمهورية الثانية 2014 وتعديلاته في 2019، تراكمت تقاليد برلمانية، إما مدعومة بالنص الدستوري أو مناقضة له، رسّخت أولوية السلطة التنفيذية في تشكيل المشهد وإفراغ الأدوات الرقابية من مضمونها.

لفتت الورقة إلى أن حادثة 1882، والتي استقالت فيها الحكومة، استجابة لضغوط البرلمان، حادثة معزولة واستثناء غير قابل للتكرار، فالنصوص لم تُترجم إلى واقع مؤسسي بسبب بيئة سياسية صيغت تاريخيًا لتضع البرلمان في موقع التابع لا الشريك.

مجلس النواب
مجلس النواب

تجفيف التنافسية

طرحت الورقة البحثية ما وصفته بـ"إشكالية التجفيف الممنهج للتنافسية" عبر تضييق على المعارضة، والهندسة المسبقة للعملية الانتخابية، وتموضع الأحزاب الموالية داخل البرلمان، والتي جعلت المؤسسة النيابية انعكاسًا لتوازنات مصممة مسبقًا، ولا تعبيرًا عن إرادة الناخبين.

وبذلك، فإن النصوص الدستورية التي منحت البرلمان حق مساءلة الحكومة أو حتى رئيس الجمهورية نفسه، تحولت إلى نصوص معلّقة، تُستخدم كواجهة لإضفاء الطابع المؤسسي دون أن تُمارس فعليًا، وفق الباحث.

مجلس النواب في العاصمة الإدارية (وكالات)
مجلس النواب في العاصمة الإدارية (وكالات)

أوضح الباحث أن أزمة عجز البرلمان المصري عن ممارسة الرقابة، هو نتاج تفاعل مزدوج من تراكم تاريخي لثقافة سياسية رسّخت أولوية السلطة التنفيذية من جهة، وبيئة سياسية وأمنية في الجمهورية الثانية جففت مصادر التعددية وأعادت تشكيل المجال الحزبي ليخدم مشروع الدولة لا التمثيل الشعبيمن جهة أخرى.

وأوصت الدراسة، بأن أي نقاش جاد حول مستقبل الرقابة البرلمانية في مصر لا ينبغي أن يقتصر على تعديل النصوص، بل يتطلب تغييرًا في البنية السياسية التي تحتكر إنتاج المؤسسات ذاتها.

قدمت الدراسة تحليل للإطار التاريخي والدستوري للمسؤولية الحكومية أمام البرلمان، موضحة أن هناك مسؤلية سياسية كاملة على عاتق البرلمان فهو سلطة منح أو حجب الثقة عن الحكومة كهيئة متضامنة (وليس كأفراد)، ما يعني أن البرلمان هو الذي يشكّل الحكومة من أغلبيته البرلمانية وهو أيضًا القادر على إسقاطها إذا حجب ثقته عنها.

والشق الآخر من المسؤولية السياسية المحدودة أو الشكلية، بحسب الورقة، هو أن يحتفظ البرلمان بحقوق رقابية مثل السؤال أو الاستجواب، لكنه لا يملك سلطة تشكيل الحكومة أو إسقاطها مجتمعة إلا عبر إجراءات معقدة.

تاريخ من التبعية

أما عن التطور التاريخي للمسؤولية السياسية في مصر، فقد تناولت الدراسة المسألة منذ بداية دستور 1923 وبذور التعطيل، موضحة أنه برغم من وضوح النصوص، وميل دستور 1923 إلى المبادئ الليبرالية للدساتير الأوروبية وروح الحركة الوطنية المصرية آنذاك فإنه أبقى على صلاحيات جوهرية للملك مثل حق حل البرلمان.

وبحسب الورقة، فقد استُخدم هذا الحق كأداة سياسية متكررة لإجهاض أي محاولة لمحاسبة الحكومة أو حجب الثقة عنها، أبرزها في 1930 حين فُضّ البرلمان قبيل مناقشة استجواب لحكومة إسماعيل صدقي ونظر سحب الثقة منها على إثر أزمة إلغاء الدستور. إذن، كانت النصوص قائمة، لكن الإطار المؤسسي أتاح للسلطة التنفيذية تعطيلها عند الحاجة.

برلمان صدقى باشا- مواقع الكترونية
برلمان صدقى باشا

تتبعت الدراسة التطور التاريخي، بداية من الجمهورية الأولى منذ عهد ناصر مروراً بالسادات ثم مبارك، فقد حافظ دستور 1956 على مبدأ المسؤولية السياسية شكليًا، فنصّ على رقابة مجلس الأمة لأعمال السلطة التنفيذية، لكنه عُطّل عمليًا مع غياب التعددية والمعارضة.

كما ألغى حق البرلمان في سحب الثقة من الحكومة مجتمعة وأبقى فقط على الوزراء فرادى، أما دستور 1971، وأعاد تنظيم أدوات الرقابة كالأسئلة والاستجوابات والتحقيق لكنه كرّس التقييد ذاته بقصر حجب الثقة على الوزراء فرادى، ووضع قيودًا معقدة على سحب الثقة من الحكومة عبر الاستفتاء الشعبي، ومع اتساع سلطات الرئيس، خاصة حق الحل والدعوة للاستفتاء، أصبحت الرقابة شكلية، وتحول البرلمان إلى مؤسسة تابعة و'واجهة ديمقراطية لم تصدر عنها معارضة جدية.

لقراءة الورقة كاملة.. اضغط هنا

الجمهورية الجديدة القديمة

وانتقل الباحث بالدراسة إلى الجمهورية الثانية ودستور 2014، والذي أحدث ما وصفه بـ "انقلابًا" على الفلسفة الراسخة للجمهورية الأولى، فنصّت المادة (146) على أن تشكيل الحكومة، وإن ظل من حق الرئيس، بات مشروطًا بمنح مجلس النواب الثقة. ثم جاءت المادة (147) لتكمل هذا التحوّل، حيث قيدت سلطة الرئيس في إقالة الحكومة بضرورة موافقة البرلمان، لتضع لأول مرة سلطة الرئاسة تحت رقابة نيابية أكثر حضورًا وفاعلية على الأقل على مستوى النص الدستوري.

مجلس الشيوخ المصري - فيس بوك
مجلس الشيوخ المصري - فيس بوك

لم يقف دستور 2014 عند حدود تقليص صلاحيات الرئيس، بل ذهب أبعد مما عرفته التجربة الدستورية المصرية كلها، بل وحتى دستور 1923 الذي أبقى رأس الدولة في مرتبة ذات مصونة لا تُمس، فقد نصّت المادة (161) على منح مجلس النواب سلطة اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وهو تحول بالغ الدلالة، فالرئيس، الذي كان مركز النظام السياسي وذروة سلطته، أصبح من الناحية الدستورية خاضعًا للمساءلة البرلمانية والشعبية معًا.

وأوضح الباحث أن فلسفة دستور 2014 اختلفت عن فلسفة دساتير الجمهورية الأولى التي حصّنت منصب الرئيس وجعلته فوق المحاسبة، فاتحًا الباب، ولو على مستوى النص، لإدخال رأس الدولة في دائرة المسؤولية السياسية أمام البرلمان.

إعادة تشكيل المجال السياسي

على جانب آخر، ناقشت الدراسة تجفيف التنافسية السياسية عبر التضييق على المعارضة منذ 2013 فأخذت الدولة المصرية في إعادة تشكيل المجال السياسي واستعادت القواعد القديمة التي تأسست عليها جمهورية يوليو الأولى منذ إعلان الجمهورية في يونيو 1953  وهى القواعد التي تم استعادتها بشكل تدريجي في 2013 و2014 على نحو جعل المعارضة جزءًا من معادلة أمنية أكثر من كونها عنصرًا طبيعيًا في عملية تداول السلطة.

وأشارت الدراسة إلى أن الاستراتيجية الرسمية سارت، في اتجاه ربط النشاط السياسي السلمي بتهديد الأمن القومي، من خلال توسع تشريعي شمل قواني كافحة الإرهاب لسنة 2015 وقانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2018، التي صيغت بعبارات فضفاضة تسمح بتجريم الانتقاد أو التعبير عن الرأي باعتباره نشر أخبار كاذبة أو الانضمامًا إلى جماعة محظورة، وأُعيد تعريف المعارضة لا باعتبارها مكوّنًا من مكونات التعددية، بل باعتبارها تهديدًا محتملًا لاستقرار الحكم يُستدعى لمواجهته منطق الطوارئ.

الحركة المدنية الديمقراطية (أرشيفية - وكالات)
الحركة المدنية الديمقراطية (أرشيفية - وكالات)

تحدث الباحث عن ما واجهته أحزاب مثل الدستور والكرامة والتحالف الشعبي وتيار الأمل ومصر القوية والوسط والعيش والحرية، وغيرها تضييقًا ممنهجًا شمل منع أنشطة ميدانية، وإغلاق مقار، وإلقاء القبض على الكوادر التنظيمية.

ركزت الورقة البحثية، على أن هذا التآكل التنظيمي لم يكن عرضيًا، بل رافقه ضخ إعلامي ومؤسسي لصالح أحزاب موالية للدولة حيث استبدلت الجمهورية الجديدة الصيغة القديمة للحكم (تنظيم أو حزب حاكم واحد مثل الاتحاد الاشتراكي أو الحزب الوطني) بصيغة أحزاب موالية متعددة تخدم نفس الهدف، والذين سرعان ما تحوّلوا لبدائل وظيفية للحزب الوطني الديمقراطي السابق، ليقدموا صورة “التعددية” دون منافسة حقيقية.

لقراءة الورقة كاملة.. اضغط هنا

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة