دعاء فتوح: لا تُشغلني الانحيازات الجندرية لكنني “امرأة”.. والكتابة وسيلة مدهشة للتواصل مع العالم (حوار)

كان الإنسان قديمًا جزء من الطبيعية مثل باقي الكائنات الحية، لكن بمرور الزمن تطور مبتعدًا عن رفاقه في الطبيعة، ومع ظهور المدينة الحديثة انفصل الإنسان تمامًا عن غيره من الكائنات الحية؛ ليصنع مملكة خاصة زادت من إحساسه بالغربة والتيه الأبدي.

في مجموعتها القصصية “لإلهاء قطة” تعود الكاتبة دعاء فتوح بإنسان المدينة إلى عالم الطبيعة من جديد عبر مجموعة من القصص تتقاطع فيها صفات ومشاعر وتجارب وأفعال ومصائر أبطالها من البشر مع العديد من الحيوانات والطيور والحشرات.

تستدعي دعاء فتوح عالم الطبيعة وكائناتها الحية لتكون جزءً أساسيًا من قصصها المحملة بالكثير من الأسئلة والأفكار والمشاعر والتأملات، التي تضعها على طاولة القراء وتدعوهم للتماس مع عالمهم، المشحون بالرمزية والأفكار والمعاني الوجودية عن الغريزة والماهية والوجود والصراع والأمومة والخوف والقلق والجموح والفقد والأحلام والهواجس.

عن مجموعتها القصصية وما فيها من أسئلة وأفكار ومشاعر وتأملات حاورنا دعاء فتوح.

  • اهداء المجموعة جاء إلى الأم “دولت” وابنتيك “رقية” و”مارية” كيف تتعاملين مع سؤال الأمومة في كتاباتك وحياتك الشخصية وإلى أى مدى اختلف منظورك للعالم في كإبنة ثم بعد ذلك كأم؟

كتبت الإهداء بعد الانتهاء من كتابة المجموعة، كنت كعادتي أعيد النظر في تفاصيل وأحداث العوالم المختلفة لبطلاتي اللاتي اخترتهن، وربما هنَّ من اختارني لا أدري، فلاحظت أنني تحاملت كثيرًا على أغلب الأمهات، اللاتي أصبحن جدات وشكلن شخصية البطلات بطرق تربيتهن الذكورية في كثير من الأحيان.

وقصص المجموعة حولتني إلى حلقة وصل بين ما تربيت عليه من تناقضات، ومفاهيم مختلطة، بسبب طريقة تربية جدتي لأمي، ثم طريقة تربية أمي لنا المشتملة على أخطاء حتمية في التربية من جانبهما؛ وقعتا فيها لكونهما إنسانتان وضعتا في معادلة الزواج والإنجاب في سن صغيرة، بخبرات لا تراعي البعد الاجتماعي والنفسي المعقد في زماننا.

تأملت وتعاطفت وتفهمت أفكارًا وتصرفات غضبت منها لتأثيرها الشديد عليّ، ثم شعرت بخوف لما يواجهه زوجي وبناتي بسبب عبء ثقيل واشتباك صعب شكّله مفهوم الـ “أنا” كفرد له وجوده وتميزه وأحلامه وعوالمه الخاصة، وما تفرضه حقيقة أن وجودي الإنساني كـ “أنا” لا يقوم ولا يتطور إلا في إطار “نحن”.
ربما توصلت لنتيجة نظرية متشابهة لمفهوم “ألفرد آدلر” عن التعاون كأساس وحيد للنمو في إطار معنى حياة حقيقي، وشتان ما بين وعينا، ثم قدرتنا على تطبيق ما نعيه. لهذا كان الإهداء لأمي وبناتي فرض، فهم أصل ما أنا عليه بغض النظر عن الأخطاء والمخاوف.

  • يطرح “ألفرد آدلر” مفهومي النقص/القوة كدافع للوجود، بينما يرى “فرويد” الغريزة والجنس محرك أساسي للإنسان، ويطرح “فيكتور فرانكل”رؤى تتعلق بالمعنى والأمل والعطاء.. كل هذه الفرضيات نراها بصور متنوعة في شخصيات قصصك، كيف تتأملين العلاقة والتقاطعات بين الأدب وعلم النفس؟

أعتقد أن كل الجهود الإنسانية تتكامل لفهم الإنسان والحفر داخل نفسه، فإن سعى علم النفس إلى فهم علمي لتفسير السلوك الإنساني ووضعه في أطر ونظريات، سعى الأدب إلى ضخ الدم في تلك السلوكيات النظرية، وتحويلها إلى حياة معقدة ومتشابكة بعفوية، فالأدب يتسلل داخل النفس البشرية ليفهم فلسفتها الخاصة في الفعل ورد الفعل، وتعقيد العمل الأدبي في رأيي ينبع من تعقيد وتشابك العلاقات الإنسانية بالإضافة إلى تعقيد النفس ذاتها، وقدرتها الفريدة على تبني أكثر الأفكار والأفعال تناقضا وغرابة.

ففي النهاية يتماس علم النفس بنظرياته ومصطلحاته الجامدة مع الأدب بعوالم شخصياته وظروفها النابضة بالحياة، فيشتركا معًا في البحث والحفر عميقًا داخل النفس البشرية لثبر أغوارها الغامضة والمعقدة. وإن طبقت كل نظرية ذكرتها في سؤالك على شخصيات المجموعة: سترى وجهة نظر “آدلر” عن عقدة النقص والتعويض تظهر في قصة “الحية”، رغم هشاشة البطلة وقلة حيلتها أمام الظروف الاقتصادية الطاحنة إلا أنها تبحث عن ذاتها القوية القادرة على المواجهة، وربما تتجلى تلك الذات في ظهور “زوجة الأب” المفاجئ وشعورها بجبر خاطر لم تترجمه القصة بكلمات مباشرة، بل تشعر به لحظة القراءة والنظر للمشهد من أعلى.

وجهة نظر “فرويد” عن الغريزة واللاوعي واضحة في عوالم قصة “القنفذ”، سواء مبررات فعل الزوج وعشيقته، أو رد فعل زوجه الصادمة لمجرد تصور مغامراتها الفارقة في الصحراء، وكأنها قنفذ حقيقي. أما وجهة نظر “فرانكلين” المنعكسة على شخصيات تبحث في أحلك الظروف عن الأمل والعطاء، كان واضحًا في قصة “النحلة” التي تنتظر بطلتها لحظة موتها فتعيد النظر إلى نعمة حياة قصيرة وهبها الله فيها بابنتها كدليل ممتد على أنها مرت من هنا من قبل.

  • ماذا عن فكرة التصنيف في الكتابة الأدبية والانحيازات الجندرية، إلى أي مدى تشغلك الأفكار والتوجهات النسوية في حياتك وكتاباتك؟

تجربتي علمتني أنني منحازة لما أنا عليه كإنسان، نفسيًا وفسيولوجيا خلقه الله امرأة، وعلى قدر استطاعتي فهم هذه النفس وأسباب اختياراتها، في إطار واقعها المعاش أكتب وأعبر عن هذا الواقع.

وربما لا تشغلني بشكل مباشر الأفكار والتوجهات النسوية، إلا أنني أحتك بها بصورة دائمة واعبر عنها بوعي وبدون وعي، فأنا أعمل في دائرة تشغل النساء كل فراغتها، وألعب دور الابنة والأم والزوجة والأخت والصديقة والزميلة والجارة، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية طاحنة، تجبرنا على إعادة توزيع تاريخية لدور كل من الرجل والمرأة حتى يعودا إلى نقطة تكامل ومشاركة حتمية، نبتعد فيها عن تصنيف مخل وموجع لكل منهما، فما نواجهه الآن غير مسبوق عالميًا، والكتابة في أصلها أداة للتعبير والتواصل لخلق جسر جديد يراعي ما طرأ على الرجل والمرأة من تغيرات سلوكية وشخصية ونفسية صنعتها ظروف قاهرة لذات كل منهما.

  • كل قصة في المجموعة يشير عنوانها لنوع من الحيوانات أو الزواحف أو الحشرات وتدور أحداثها بين عالمي البشر وهذه الكائنات كيف بدأت وتطورت فكرة المجموعة؟

بدأت الفكرة بمنشور على صفحة “فيسبوك” شُبهت فيه المرأة بـ “فرس” و”قطة ناعمة”. فغضبت، وشعرت أنه لا يعيش على كوكبنا الذي تغيرت فيه الصورة النمطية عنها كغزال أو فرس أو قطة، بل تحورت وتغيرت نفسيًا وسلوكيًا وفي إطار القصص يمكن أن تستمد صفاتها وسلوكياتها الجديدة من فأر، وحمار وقنفذ.

وربما بسبب اتساع الهوة ما بين صورة قديمة عن المرأة لدى كثير من الرجال الذين تربوا بطريقة ومفاهيم قديمة، بينما لها الآن صورة جديدة صنعتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية -لها ما لها من مميزات وعليها ما عليها من عيوب- أدى كل ذلك إلى ارتفاع نسب الطلاق بشكل مخيف. فكتبت المجموعة في إطار محاولة لرصد هذه التغيرات.

  • في البدء كان الإنسان جزء من الطبيعية وبمرور الزمن صنع عالمه الخاص، حتى وصلنا لحياة المدن الحديثة حيث الانفصال التام عن الطبيعية، كيف تتأملين هذه الرحلة، وإلى أي مدى غيرت هذه القصص رؤيتك للإنسان والوجود بشكل عام؟

أدى الانفصال عن الطبيعة إلى قتل قدرة الإنسان على وعي كونه جزء هشًا وضئيلا في هذا الكون الشاسع، أشعر أن كتل الأسمنت التي أحاطت بنا أفقدتنا القدرة على فهم الجمال والسحر الكامنان في كل ما أبدعه الله من جمال حولنا، ترى الإنسان يعيش متآلفا مع مكب النفايات، ولا يشمئز من رائحة القبح والدمار المحيط به بسبب استعلائه فاستحل دماء قرنائه ونسج سردية تميز عجيبة تستبح من اختلف معه.

في الحقيقة سؤال مؤلم، وربما يتجلى ألمي واغترابي هذا في قصة “الفراشة” على لسان بطلتي :”القرية هي جدتي، وذكرياتنا معًا شرنقة دافئة من الحرير، أستمر في غزلها منذ طفولتي، حتى يومي هذا لأتقي قسوة برد المدينة”، فما شكل وعيي كطفلة كان علاقتي بجدتي من أبي “نزهة” رحمها الله، كانت زيارتي لها في القرية هي نقطة تواصلي مع جمال عالم القرية بمساحاته الخضراء الواسعة، وحيواناته الأليفة المبهجة.

  • نلاحظ في العديد من القصص معرفة ومعلومات ومجهود كبير في تتبع عالم الكائنات الحية الأخرى، ووجود سمات وصفات مشتركة بين الإنسان والحيوانات والزواحف، ما المصادر والمراجع التي ساعدتك في خوض هذه الرحلة؟

بعكس مشاريع كتابتي السابقة، قبل البدء في كتابة المجموعة كان لديّ تصور عام لفكرة تحكم كل قصص المجموعة، وكما ذكرت الأساس هو تصور جديد عن شخصية المرأة التي كان لديها في الذاكرة الجمعية صورة نمطية تضعها في قالب يمكن تشبيهه ببعض الحيوانات.

استبدلت تلك الحيوانات بأخرى، مثلا الـ “فرس” بالـ “فأر”، ولهذا وجب عليَّ دراسة سلوك وغرائز الحيوان أو الحشرة المختارة بشكل مفصل قبل البدء في الكتابة، ثم أترك انطباعي الشخصي وفهمي يتماس مع سلوكيات من أحتك بهم من شخصيات مختلفة لأخرج بقصة تبرز التغيير وتوضح انعكاس السلوك الجديد وتغلغله في الشخصية العصرية الجديدة، مع استخدام طريقة سرد موحدة عبارة عن تقسيم كل قصة في الأغلب على ثلاثة مشاهد لتوضيح الفكرة بشكل غير مباشر من خلال المواقف والأحداث.

الكاتبة دعاء فتوح
  • تجارب الفقد والموت والألم، حاضرة بوضوح في معظم قصص المجموعة كيف تتعاملين مع هذه المشاعر، وإلى أي مدى تمنحك الكتابات مساحة للتعامل معها بصورة مختلفة؟

تجاربنا مع الفقد لبعض أقراننا من الأصدقاء والأقارب بالموت تصاحب تقدمنا الطبيعي في العمر، وبالنسبة لي، حفرت تلك التجارب بداخلي ذكريات وفراغات ومخاوف وآلام صعبة.
الكتابة حولت تلك المخاوف والتجارب إلى قصص ملموسة أمكنني تفكيكها لتحليل مشاعري ثم استيعابها، فكان دورها فعال بجانب مساندة زوجي، لتقبل وتفهم هذه الآلام، فتعلمت أنها لن تختفي وكأنها لم تكن موجودة، ولكن قدرتي على فهمها والتعامل معها أصبحت أفضل.

  • الغريزة والصراع بأشكاله المختلفة محور أساسي في قصصك، في ظل الحروب والصراعات والجرائم المروعة الممتدة على مدار التاريخ البشري، كيف تتأملين ماهية الإنسان بكل ما فيه من تناقضات؟

يا الله، إن سألتني يومًا عن أكثر شخص أخافه، أقول نفسي، تخيل قدرة الإنسان العبقرية على خلق مبررات وسرديات تبرر قبحه وقدرته الفائقة على تدمير ذاته قبل تدمير العالم!!
أذكر عندما سألتني صديقة عزيزة عن ابتعادي الدائم عن الوسط الثقافي، توقعت أنني سوف أنتقد الوسط، إلا أن إجابتي وبمنتهى الصدق لأتجنب انعكاس ما أتعامل معه مع سوء نفسي وعدم قدرتي على التعامل مع مشكلاتها وتناقضاتها، فما بالك بتحليل عالم متسع تتهافت فيه أحلام الإنسان وأوهامه عن السلطة والقدرة، الإنسان أكثر الكائنات جمالًا وأكثرها قسوةً وظلمًا وكلما عجزت عن الفهم عدت إلى قوله تعالى لملائكته: “إني أعلم ما لا تعلمون”، فأتشبث بها لعلّي أنجو.

  • تقنيات السينما والصورة من مشهدية ومونتاج وغيرها حاضرة بوضوح في قصص المجموعة، كيف تتأملين حياتنا المعاصرة التي تهيمن عليها ثقافة الصورة وأثره على الكتابة؟

أعتقد أن الصورة عنصر أساسي في السرد فلن تخلو قصة من مشهد، فأنت تضع فكرتك في إطار حدث يشغل حيز زماني ومكاني عليك وصفه ليستطيع القارئ من خلاله الولوج بلطف إلى عالمك القصصي الذي تبنيه، بالتأكيد توجد فراغات يملأها خياله، إلا أن الصورة كحاجة أساسية لتحفيز حاسة الإبصار ليست جديدة ولا رهينة بوقت معاصر، بمنطق أن الإنسان خُلق سميعًا بصيرًا.

  • تتقاطع بعض قصص المجموعة مع تحديات العمل الصحفي وضغوط الحياة داخل المدينة وغيرها من التفاصيل شديدة الواقعية، كيف تتأملين سؤال الواقع والخيال في كتاباتك؟

أرى دائما أنه لا خيال يخلو من واقع، ولا واقع يخلو من خيال، وبهذا المفهوم كتبت قصص المجموعة، داخل حيز مدينتي ومهنتي كصحفية، فكان ما يوجهه بطلاتي من صعوبات عملية وحياتية يمكن بناؤه في إطار تلك المدينة وهذا العمل، فمثلًا.. الآن بجانب الكتابة الصحفية الحرة، أعمل معلمة لأطفال الروضة، ولهذا ربما أُغير وأُنوع الإطار الذي تدور في فلك الحكاية إلا أن الأساس هو الفكرة الواجب ووضعها في حيز مكاني وزماني ما.

  • حصلت على منحة تفرغ من وزارة الثقافة المصرية لإتمام كتابة المجموعة القصصية، كيف كانت هذه التجربة وإلى أي مدى ساعدتك في التركيز والتفرغ للكتابة؟

حصولي على المنحة لم يكن دعمه ماديًا بالدرجة الأولى لأن مبلغ المنحة ضعيف ولا يرقى لفكرة التفرغ للكتابة، إلا أنها كانت دعمًا معنويًا كبيرًا. وكأن يدًا وُضعت على كتفي لتدفعني للاستمرار.

  • تتنوع كتاباتك بين الشعر والقصة والرواية أيهم أقرب لك وما أبرز السمات التي تميز كل نوع أدبي؟

الكتابة وسيلة مدهشة للتواصل مع العالم المحيط، عندما تحتد المشاعر يمكن تكثيفها في صور تخرج على شكل قصيدة شعر، وعندما تتشابك الحكايات والأفكار وتحتاج إلى تأمل واتساع فيأتي دور القصة ثم الرواية.

في النهاية كل الأنواع الأدبية تتكامل مثل العلاقات الإنسانية، والتجريب عصا سحرية لاكتشاف النفس وما تتماس معه من أفكار ومعتقدات وحيوات ربما لا نهاية لها، لهذا لا أفضل الآن نوعا أدبيًا على نوع آخر.

  • ما هو عملك القادم؟

تجربتي في العمل مع أطفال الروضة خرجت في إطار يوميات أنشرها بانتظام في موقع ثقافي إلكتروني، أما تعلمهم مني وتعلمي منهم انعكس كحاجة ملحة لاكتشاف طرقًا للتواصل والتفاهم فيما بيننا.

نتج عنها فكرة “حكي وقصة”، حيث أترك لهم مساحة للحكي عما يدور في بالهم لتعزيز قدرتهم على التعبير والخيال، ومما يحكون استوحي قصصًا تدور في محافظات مصر المختلفة، ليكتشف الأطفال بشكل غير مباشر مدى ثراء وتنوع الإرث الثقافي المصري، واكتشف معهم أنا عوالم إنسانية وتجارب جديدة لم أدخلها من قبل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة