في الخامسة صباحًا، لحظات قبل شروق الشمس، تصعد رحمة فلاحة شابة -في الثانية والعشرين من عمرها أو أقل قليلًا- إلى سيارة نقل متهالكة، وهي تضم طفلها الصغير إلى صدرها وتلفه بمعطف قديم في محاولة يائسة لتدفئته. وجهتهما ليست نزهة أو حتى إلى عيادة طبيب، بل يوم شاق في مزرعة نائية على أطراف الصعيد، مكانٌ مجرد من كل شيء إلا العمل؛ لا ظل يحمي من الشمس، ولا دفء يقي من البرد، ولا حضانة لطفلها حتى تنتهي من عملها في الحقل.
“مضطرة آخده معايا، أمي كفيفة، ومفيش حضانة في البلد، واللي موجودة بـ 800 جنيه في الشهر وأنا يا دوب يوميتي 120 جنيه”.. تقول رحمة بصوت خافت لـ فكّر تاني، بينما تضع علبة جبن بيضاء و10 أرغفة في كيس بلاستيكي، فطورها وغذاؤها هي وطفلها طوال اليوم.

فلاحة بالوراثة وأم بالإجبار
ورثت رحمة الفِلاحة عن أبيها الذي توفي منذ ثلاث سنوات، لكنها ورثت أيضًا الفقر والعمل في أراض الغير: “بشتغل باليومية.. كل يوم في مزرعة شكل، النهاردة بطاطس، بكرة بصل، بعده فلفل، والمزرعة بعيد، بروح أركب من 5 الصبح وأوصل 7، وأرجع بعد المغرب. ابني بينام على التراب جنب الشوالات، مفيش أي مكان نسيبه فيه”.
وفي إحدى نوبات البرد القارس، أصيب ابنها الالتهاب الرئوي الحاد. فنام في حضن أمه ليلتين كاملتين، لم يتوقف فيهما عن السعال.. والبكاء. لم تستطع أن تأخذه لطبيبٍ خاص، فاكتفت بوحدة صحية في القرية، وعدة أكياس من محلول الملح، وغطاءين استعارت أحدهما من جارتها.
أجر رحمة اليومي 120 جنيهًا، لا تحتفظ إلا بنصفه.
تُنفق 40 جنيهًا على المواصلات و20 أخرى على الطعام لها ولطفلها، ليتبقى 60 جنيهًا فقط.. لتغطية نفقات البيت وأمها الكفيفة، التي تعيش في قلق دائم عليها: “مرة واحدة وقعت على وشها في البيت وأنا في الشغل”، تقول رحمة: “بحس إني ماشية كل يوم بشيل الدنيا على دماغي”.
وفي الحقول لا توجد هناك مظلات، ولا أماكن مخصصة للأطفال، أو حتى دورات مياه قريبة: “المكان كله رملة وسلك شائك، وأنا خايفة عليه يقع أو يتلسع أو ياكل حاجة من الأرض، بس مضطرة آخده معايا، لينا رب كريم يحمينا.. مفيش في أيدي حاجة”.

كم تمنت رحمة يومًا تستطيع فيه أن تُلحق ابنها حضانة قريبة، أو على الأقل، تجد هي عملًا أكثر إنسانية، تحكي وهي تنظر لطفلها الذي يلعب في الطين: “نفسي يعيش طفل زي الناس، يلبس نظيف، يتعلم، ميقعدش طول النهار في الشمس والبرد والتراب، مش عايزة غير مكان آمن أسيب فيه ابني، وحقنا نشتغل زي الناس بكرامة.. أنا مش أقل من أي حد”.
لطالما حلمت رحمة بيوم تُلحق فيه ابنها بحضانة قريبة، أو تجد لنفسها عملًا أرحم. تتحدث وهي تراقب صغيرها وهو يلعب في الطين: “نفسي ابني يعيش زي باقي الأطفال.. يلبس نضيف، يتعلم، ميقعدش طول النهار في الشمس والبرد والتراب. مش عايزة غير مكان أسيبه فيه وأنا مطمنة، وحقنا نشتغل بكرامة زي أي حد.. أنا مش أقل من حد”.
اقرأ أيضًا:حينما يبتلع التضخم صحة الأم وطفلها
أحلام مؤجلة وخوف دائم
قبل شروق الشمس بساعات، تمتد طوابير من النساء على الطرق الترابية في القرى، يحملن المناجل فوق أكتافهن، وعيونهن معلقة بما تركنه خلفهن، هذه ليست رحلة عمل عادية، رحلة فقر وصبر وصمت، تبدأ من الثالثة فجرًا ولا تنتهي إلا بغياب الشمس، وربما.. تغيب معها الأرواح.
“طلعت تلاتة الفجر ورجعت ع العصر.. لقيت بنتها ماتت تحت عربية”.. عبارة خانقة قالتها هناء عبد الفتاح رئيسة نقابة صغار الفلاحين بمركز سمالوط، وهي أول نقيبة فلاحين/ات من النساء على مستوى الجمهورية، لا تحكي هناء مأساة خاصة، بل تلخص مشهدًا متكررًا في حياة مئات المزارعات، العاملات بأجر يومي في الحقول، حيث تتشابك مسؤولياتهن كأمهات وعاملات، ويضيع أطفالهن في فراغ الانتظار.

نساء يعملن بلا غطاء ولا قانون. يتركن أطفالهن في مواجهة الشوارع.. والموت. تقول هناء لـ فكّر تاني، أن القطاع الزراعي يضم أكثر الفئات تهميشًا وتعرضًا للعنف: “مافيش حد مهتم، ولا فيه حد بيدافع عن حقوقنا أو بيوصل صوتنا”.
وفي مواجهة الإهمال العام، قررت مجموعة من النساء، بقيادة هناء، أن يتحركن، من رحم المعاناة، ويُنشئن “نقابة الجهود الذاتية”، ومن بيت قديم تبرعت به سيدة قروية، بدأن تجربة حضانة بسيطة، تحتضن أطفال العاملات خلال ساعات العمل الطويلة في الحقول. لكن ما دفعهن لذلك لم يكن حلم الرفاهية، بل واقعًا مريرًا متكررًا من الحوادث والصدمات.
في كل صباح، تخرج النساء للعمل وسط الشمس الحارقة، والمبيدات، والأرض الجافة، مقابل أجر لا يتعدى 100 جنيهًا يوميًا. تقول هناء: “بيتخصم منهم مواصلات وأكل.. فبتاخد في الآخر خمسين جنيه.. تشتري بيهم أكل لولادها وتسدد ديونها”.
ففي الحقول.. لا يهم العمر ولا يُؤخذ في الحسبان، يبدأن العمل منذ الثالثة عشرة دون رعاية أو حماية: “بيشتغلوا من صغرهم.. مافيش إمكانيات ولا تأمين، ضربات شمس، وإصابات.. بس لازم يشتغلوا، لو ما اشتغلتش مش هتاكل”.
اقرأ أيضًا:بدعوى “الشرف” القتل للنساء و”الرأفة” للجناة
غرفتان وصالة
في لقاءهن الأسبوعي.. اجتمعت الأمهات في شقة من غرفتين وصالة، حولنها فيما بعد حضانة لأطفالهن، متواضعة كأحلامهن، أحلام بسيطة مثل حماية صغارهن وهن في الحقول. تقول نقيبة الفلاحات: “الحضانة إمكانياتها بسيطة جدًا.. مجرد رمز. إحنا نفسنا نطورها، نعمل حاجة حقيقية، نوثقها بورق رسمي على الأقل، بس مافيش دعم”.
أسسن الحضانة بلا ترخيص، وبلا دعم مالي، وبلا إشراف. لأن نقابتهن مستقلة وغير معترف بها قانونيًا: “الست اللي بتنزل من 3 الفجر لحد العصر مش قادرة تسيب ابنها في أي مكان.. ولما بنقول للأمهات يسيبوا عيالهم في الحضانة بيخافوا.. مش عشان المكان وحش، بس علشان الإمكانيات محدودة جدًا”.

“لا تأمين، ولا معاش، ولا جهة تعترف بيهم”.. تقول هناء عبد الفتاح عن عاملات الحقول باليومية: “يوم عند ‘فلان‘ ويوم عند ‘علان”. دون أي عقد أو غطاء قانوني. تحكي بنبرة مثقلة: “القانون مش شايفهم أصلًا، مفيش ورق يثبت وجودهم”.
وعن محاولات المطالبة بالحقوق: “إحنا لسه بنفكر نكتب مذكرة لوزارة القوى العاملة، بس فين الجمعيات؟ فين مؤسسات المرأة؟ أنا كنت ضد الكلام في الأول، بس خلاص.. الستات دي مش مشهد في تقرير، دول أمهات بيشتغلوا عشان يأكلوا عيالهم”.
من سمالوط، رفعت هناء عبد الفتاح صوتها: “إحنا مش بنطلب المستحيل، بس الست اللي بتشتغل فلاحة محتاجة حماية وتدريب ودعم.. محتاجة قانون يحفظها زي غيرها”. رغم كل العوائق، أسست نقيبة الفلاحات حضانة موسمية بجهد ذاتي، تخدم العاملات الزراعيات في الشتاء فقط، لكنها اليوم على وشك الإغلاق: “الاشتراكات بقت عبء.. والتمويل مفيش، إزاي أقول للأم ادفعي، وهي مش لاقية تاكل؟”.
وتنتقد دعم وزارة العمل: “المنحة 500 جنيه! حاجة رمزية.. وإحنا محتاجين آلية وعدالة في التوزيع”، وتضيف: “مش بس وزير العمل.. فين التضامن؟ أرملة تستنى معاش 3 سنين؟ ده يرضي ربنا؟ إحنا مش عايزين وعود.. إحنا عايزين تمكين حقيقي. الزراعة بتتغير، ولازم الست تبقى جزء من التغيير”.
وتختتم نقيبة صغار الفلاحات حديثها مع فكّر تاني: “لسه فيه تحرش، لسه فيه بنات بتتقتل، مافيش حماية، ولا قانون بيحمي فعليًا”.
اقرأ أيضًا: أنتِ طالق.. “غيابي”
من المخاطر الميدانية إلى الحلول الهيكلية
من منظور بحثي وسياساتي، تؤكد لمياء لطفي مسؤولة السياسات بمؤسسة المرأة الجديدة، والرئيسة التنفيذية لمبادرة المرأة الريفية، أن هذه الشهادات الفردية هي أعراض لأزمة هيكلية؛ فغياب العقود الرسمية يُبقي العاملات بأجر يومي خارج أي مظلة حقيقية للحماية، مهما وُجدت نصوص قانونية.

وتشير إلى أن الانتهاكات تمتد لتشمل الفئة الأكثر ضعفًا: الأطفال والفتيات. وتوضح لمياء، في حديثها مع فكّر تاني، أن العمل في الزراعة يبدأ في سن مبكرة، “13 أو 14 سنة تقريبًا”، حيث يتعرض الأطفال لشتى أشكال الانتهاك الجسدي والنفسي، من الضرب والوقوف لساعات تحت الشمس، إلى التحرش والاغتصاب. وتستشهد بحوادث مروعة كـ”اغتصاب فتاة قُتلت لاحقًا على يد أهلها” في ظل تعتيم إعلامي كامل.
وإلى جانب المخاطر داخل الحقول، تشدد لمياء على أن قضية النقل تمثل إحدى أخطر الإشكاليات، فـ”العربات نصف النقل المفتوحة”، التي تُكدّس فيها العاملات بكثافة، لا تفتقر فقط للأمان بل تمثل بيئة مثالية للتحرش، وتسير في طرق غير ممهدة بمحاذاة التُرع، ما يرفع نسب الوفاة في الحوادث. هذه الظروف، بالإضافة إلى ساعات العمل الطويلة واستخدام المبيدات دون رقابة، تجعل بيئة العمل “غير إنسانية تمامًا”.
فشل الحلول
تكتمل هذه الحلقة من المخاطر بغياب أي شكل من أشكال السلامة المهنية، “فإذا أصيبت إحداهن بعاهة دائمة، لا أحد يسأل عنها”. تستشهد لمياء بفيديو لعاملة تقول بوضوح: “صاحب الشغل غير مُلزَم بعلاجنا، ولا بيتحمل مسؤوليتنا في حالة الحوادث”.

ورغم وجود مبادرات رائدة كنقابة هناء عبد الفتاح، ترى لمياء أنها تظل “شبه منفردة” وتصطدم بعوائق كبرى، منها ضعف الوعي النقابي، فلا تزال العاملات يخشين الانضمام للنقابات خوفًا من الالتزامات المالية أو فقدان معاشات حكومية هشة. وأيضًا المقاومة، ففي المجتمع الريفي لم يتقبل بعد فكرة القيادة النسائية، خاصة في غياب فائدة ملموسة من التنظيم النقابي نفسه.
وأخيرًا تشير لمياء للعائق الثالث وهي “أزمة الحضانات”، مشيرةً إلى المبادرات الفردية لإنشاء حضانات تظل استثناءً، فالحضانات القائمة ربحية وغير مناسبة لمواعيد عمل الفلاحات، بينما إنشاء حضانات بالمزارع يصعب تحقيقه في ظل العمالة الموسمية، وهو امتياز لا توفره إلا الشركات الكبرى الحريصة على عمالتها.
اقرأ أيضًا: خطوط أمامية منسية.. صرخات الممرضات من خلف أسوار المستشفيات
النقابات.. طوق للنجاة
وللحل، ترى لمياء لطفي، أنه لا يمكن أن يكون فرديًا، بل يجب أن يبدأ من نقطة مركزية تنطلق من فكرة “تمكين النقابات الزراعية”.. وتقول: “دون النقابة، ستبقى كل فلاحة وحدها في مواجهة معقدة مع صاحب عمل أقوى منها بكثير”.
وتقترح رئيسة مبادرة المرأة الريفية، أن تتبنى الدولة دعم هذه النقابات، بنفس المنهج المتبع مع النقابات المهنية كـ”الصحفيين”، عبر تحمل نفقاتها وتوفير الدعم الفني، بدلًا من تحميل العاملات أعباء مالية.
“النقابة المدعومة هي من ستطالب بتوفير حضانات، وتفرض وسائل نقل آمنة، وتتفاوض على عقود عمل تحفظ الكرامة”. وتختتم لمياء، أن النقابة ليست فقط وسيلة للمطالبة، بل هي أداة لبناء الثقة وكسر دائرة الخوف والاستغلال. “حين يشعر الناس بقيمة التنظيم، تبدأ التغييرات الحقيقية. من دون نقابة فعالة، سيبقى صوت المرأة في الحقل غير مسموع”.
