“أول ما بدأت شغل تمريض في المستشفى مكنتش عارفة إيه اللي بيحصل وبعدين اكتشفت مع الوقت أن لو الدكتور وقت الشغل قال إفيه ولا نكتة وأنا مضحكتش عليها يبقى يومي مش فايت ويحطني في دماغه، للأسف اللي شغالين معانا متصورين أنهم لازم يكونوا محط إعجاب الممرضات والعاملات طول الوقت وأننا لازم نبوس إيدينا عشان شغالين معاهم”.
بسمة عطية في الصف الثالث من معهد فني تمريض والتي تقضي فترة تدريبها في إحدى المستشفيات الخاصة تحكي لـ فكّر تاني، عن تعرضها من وقت لآخر لكثير من السخافات من قبل الممرضين الذكور بل والأطباء أيضًا.

حقوقهن ضائعة
هنّ العمود الفقري للقطاع الصحي وركيزته الأساسية، لكن خلف أسوار المستشفيات والعيادات الخاصة، تواجه العاملات فيه معارك يومية تؤثر على حياتهن المهنية والشخصية.
فالمعاناة، كما يوضح باحثون وباحثات، لا تقتصر على فجوة الأجور أو النظرة المجتمعية لمهنة التمريض، بل تتجاوزها في كثير من الأحيان إلى عنف لفظي وجسدي داخل بيئة العمل، وصولًا إلى الطرد التعسفي، وهي تجاوزات تقع ضحيتها الممرضات والفنيات في المقام الأول.
ورغم أن الممرضات يلعبن دورًا رئيسيًا ويتحملن العبء الأكبر في منظومة الرعاية الصحية، تظل حقوقهن ضائعة تحت ضغط التمييز، الذي يتجلى في أوضح صوره بالفارق في الرواتب والحوافز بينهن وبين زملائهن الذكور. هذا الواقع دفع المجلس الدولي للممرضات هذا العام، في احتفالية اليوم العالمي، لاختيار شعار يلخص الأزمة: “ممرضاتنا مستقبلنا.. رعاية الممرضات تعزز الاقتصادات”، في دعوة صريحة للاهتمام بوضعهن الاقتصادي والنفسي لضمان استمرارية عطائهن.
وهو ما تؤكده حقوقيات يرين أن هناك إجحافًا واضحًا بحقوق العاملات في القطاع الصحي، وأن العائد المادي الذي يحصلن عليه لا يوازي أبدًا حجم الضغوط والمخاطر التي يتعرضن لها أثناء عملهن.
اقرأ أيضًا:يروهن “صيدة سهلة”.. من يحمي عاملات المحال والشوارع “أجرًا وجسدًا”؟
ملاكًا لم تجد الرحمة
“ممرضة يعني تشتغلي وتسكتي. يتريقوا ويدلعوا لما يحبوا وتسكتي. مثلاً، الدكتور لو عايز يقولك يا بت، محدش يقدر يقوله لأ. ولو فكرت أقوله لأ، يبقى أنا مش وش نعمة، دا الدكتور بيدلعني! ولو زميل لي طلب مني حاجة زيادة على شغلي واعترضت، يبقى أنا متكبرة على شغلي”.. نوال -اسم مستعار- في منتصف الثلاثينات.
اعتقدت نوال أن العمل في مجال التمريض قد يمنحها مكانة “ملاك الرحمة” وأن مهنتها إنسانية في المقام الأول، لكنها لم تظن يومًا، أن تكون هي نفسها عُرضةً للسب والسخرية من الممرضين الأكبر سنًا والأقدم منها، ولم تتخيل أن تتعرض لهذه الإنتهاكات من الأطباء أيضًا.
“لكن الواقع مختلف، أنا أرملة من 3 سنين ومسؤولة عن 3 أطفال، المرتب من المستشفى الحكومي مش بيكفي، وبيئة العمل مليانة إهانات”.. تقولها نوال لـ فكّر تاني، بخبرة سبع سنوات من المعارك اليومية التي تخوضها فقط لأنها ممرضة!.
ومعارك نوال لم تكن داخل بيئة عملها فقط، بل وصلت إلى حياتها الشخصية: “كانت حماتي بترمي كلام عليّ بسبب شغلي للصبح، رغم إن جوزي كان عارف قبل ما نتجوز إني ممرضة وكان مبسوط إن لي مرتب وهساعده. دا طبعًا غير كلام الناس، حتى لو فاهمين شغلنا برضه مابيرحموش”.
رواتب لا تكافئ التضحيات
هذه الفجوة بين الجهد والمقابل المادي أكدتها الدكتورة كوثر محمود نقيبة التمريض، في تصريحات تليفزيونية لها، موضحة أن رواتب التمريض “ما زالت غير كافية”. وأشارت إلى أن الممرضين/ات الشباب يضطرون للعمل في أكثر من مكان لتلبية احتياجاتهم/ن.
“الممرضين والممرضات كانوا يأخذون في النوبتجية 10 جنيهات. الآن، أقل راتب في المستشفيات الحكومية هو 6 آلاف جنيه ويصبح 7 آلاف قريبًا، لكن هذا الراتب في القطاع الخاص يتضاعف ثلاث مرات أو أكثر”. وأضافت أن أقصى ما قد يصل إليه راتب الممرض في القطاع الحكومي قبل المعاش هو عشرة آلاف جنيه.
ومنذ أيام، وفي محاولة لتحسين الأوضاع، أقر مجلس النواب مؤخرًا تعديلًا يمنح بدل مخاطر مهن طبية بقيمة 1500 جنيه لأخصائي التمريض العالي، و1350 جنيهًا للحاصلين على دبلومات فنية. ورغم أن هيئة التمريض تمثل الإناث فيها القسم الأكبر، 91.1% في القطاع الحكومي و75.7% في الخاص، وفق مؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن معاناتهن تظل هي الأعمق.
في الخطوط الأمامية بلا حماية
ما تتعرض له الممرضات لا يختلف كثيرًا عما تعانيه الرائدات الريفيات. فنجلاء 44 عامًا، ممرضة من كفر الشيخ، أُصيبت بكورونا في عام 2020 أثناء عملها في أخذ العينات من المرضى. تقول لـ فكّر تاني: “جالي كورونا وأنا باخد عينة من واحد مصاب، قعدت في المستشفى 3 أسابيع من غير شغل، ومن غير بدلات بعد إصابتي. كانت فترة صعبة، وللأسف مفيش قانون يحمي حقوقنا وقت الإصابة بأي مرض”.
وتجربة نجلاء تؤكد ما أشارت إليه منظمة الصحة العالمية في منشور لها وقت الجائحة، أن قطاع التمريض هو “العمود الفقري” للقطاع الصحي، وأن العاملين والعاملين فيه الأكثر عرضة للإصابة، بالإضافة إلى تعرضهم/ن لضغوط نفسية هائلة، خاصة النساء العاملات في أقسام العناية المركزة.

تهمتها: حماية نفسها
غياب الحماية ليس مجرد شعور، بل هو واقع مرير يضرب بجذوره في عمق المنظومة الصحية. هذا ما اكتشفته نسمة -اسم مستعار- أثناء عملها بوحدة المعمل في مستشفى جامعي لمدة سنوات، قبل أن تجد نفسها مطرودة تعسفيًا. وجريمتها؟ أنها اتصلت بالشرطة لحماية نفسها من الاعتداء بالضرب.
تحكي نسمة تفاصيل الواقعة لـ فكّر تاني: “كانت هناك حالة وفاة، وكنت بستعد أروح البيت، اعتدى أهل المتوفى عليّ بالضرب. حاول زملائي الدفاع عني، ومع شدة الضرب وإصابتي، اتصلت بالنجدة، لكن، فوجئت بأن مدير الأمن اعترض على اتصالي بالشرطة، وانتشر كلام مغلوط عني، وتم الافتراء عليّ ليتم نقلي من مكان عملي”. لكن لم يتوقف الأمر عند النقل التعسفي، بل امتد ليشوه سمعتها ويحرمها من حقوقها.
“حرموني من البدلات والمكافآت اللي كانت من حقي، ومديرة التمريض بلغتني بقرار النقل وفي نظرهم أنا ‘شوهت صورة المستشفى‘ المصيبة الأكبر، إن أبو ابني جالي الشغل وسمع من زمايلي كلام غير أخلاقي عني”.
اقرأ أيضًا:بيئة العمل بين الكفاءة والجمال.. متى يتوقف المجتمع عن جعل النساء “لذيذات”؟
نقابة متجمدة وحقوق ضائعة
ترى مي صالح، استشارية قضايا العمل والنوع الاجتماعي، أن أزمة العاملات في القطاع الصحي تكمن بشكل أساسي في غياب دور النقابة، التي تصفها بأنها “متجمدة منذ عام 2010” دون أي انتخابات. وتضيف مي لـ فكّر تاني: “النقابة هي الداعم الأساسي، وحقوق العاملات يجب أن تطالب بها النقابة أولًا. وللأسف، دور النقابة مغيّب، بل وسلبي أحيانًا ضد مصالح الممرضات”.

وتوضح مي أن هناك “وصمًا اجتماعيًا” يلاحق العاملات في قطاع الرعاية بشكل عام، سواء كن عاملات منازل أو ممرضات. وتضيف: “لدينا مشكلة في الورديات والنوبتجيات، فهناك غياب للحماية في المنشآت الطبية، سواء حماية أمنية أو غيرها، فالعاملات يتعرضن للتعدي والانتهاك من الأطباء والزملاء والمرضى وأهلهم دون أي حماية”.
وحتى الحماية من العدوى، كما تشرح مي، تظل قاصرة: “بدل العدوى لا يُذكر، ويأخذه الأطباء في الغالب. والتعامل مع المخلفات الطبية غير صحيح. وكثير من الممرضات يحضرن أولادهن للمستشفيات وقت العمل لعدم وجود حضانات، مما يعرض الأطفال للعدوى. كما أن بدلات النوبتجيات زهيدة جدًا، خاصة أنها تصل إلى 8 أو 12 ساعة”.
ومن جانبها، تتحدث ماجدة سليمان، مديرة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، عن التقصير في حقوق “الرائدات الريفيات” لـ فكّر تاني: “هن قطاع كبير جدًا ولا يوجد قانون حماية لهن. غير معينّات، ومرتباتهن ضئيلة، وهن من يقمن بحملات طرق الأبواب والتوعية. لو فقد القطاع الصحي هذه الفئة، سيحدث خسارة كبيرة، ولكن للأسف لا يوجد تقدير لهن”.
معركة من أجل الاعتراف
أزمة التمثيل النقابي تمتد أيضًا إلى الفنيين/ات الصحيين/ات. توضح الدكتورة منى حبيب أمين عام النقابة العامة للعلوم الص

حية، حجم المعاناة: “الفنيون/ات تخرجوا من معهد فني صحي بمجموع مرتفع ومن المتفوقين/ات بالثانوية العامة، ومتخصصون/ات في وظائف خطيرة وحيوية مثل المراقبة الصحية وصيانة الأجهزة، ومع ذلك لم تكن لنا نقابة”.
وتوضح الدكتورة منى في حديثها مع فكّر تاني، أنه في عام 2010، وبعد كثير من السعي، تم إشهار نقابة عمالية مستقلة: “فتحنا كليات علوم صحية دون دعم. نكافح منذ 15 عامًا للحصول على حقوق خريجينا، ودخلنا في حرب حتى يتم تكليفهم/ن وإدراجهم/ن في كادر المهن الطبية”، ورغم كل هذه الجهود، لا تزال النقابة تواجه “تعنتًا من الوزارة” لكونها نقابة عمالية وليست مهنية.
وفي السياق نفسه، يرى المحامي الحقوقي ياسر سعد، أن المشكلة تكمن في خضوع العاملات لأكثر من قانون، ما يسبب تضاربًا وضياعًا للحقوق. فالمستشفى الحكومي يخضع لقانون الخدمة المدنية، والخاص لقانون العمل، بالإضافة إلى اللوائح الداخلية لكل مستشفى.
ويضيف سعد لـ فكّر تاني: “هناك حالة من التمييز في الأجور والضمانات بين الرجال والنساء، فالفكر السائد دائمًا أن الرجل هو المستحق لأنه رب الأسرة، وما زالت المرأة محرومة من المناصب القيادية غير تعرضها للاستغلال”.
ويضع ياسر الحل في تمكين النقابات، ومنحها صلاحيات كاملة كأي نقابة مهنية لتمثيل العاملين والعاملات فيها والدفاع عن حقوقهم/ن، مع ضرورة وجود قانون واحد ينظم القطاع الصحي.
اقرأ أيضًا:أمومة خارج ترويسة الاهتمام.. نساء في بيئات صحفية قاسية
نظرة دونية وعنف مزدوج
توضح منى عزت استشارية التمكين الاقتصادي والاجتماعي، أن النظرة الدونية للممرضات والفنيات هي أصل المشكلة: “للأسف، يتم التعامل معهن على أنهن درجة ثانية، وأقل على المستوى العلمي، وهذه نظرة خاطئة”.
وتضيف منى لـ فكّر تاني، أن النساء في هذا القطاع يتعرضن لتمييز مزدوج: “تمييز على أساس اجتماعي بأنهن في مرتبة أقل من الأطباء، وتمييز آخر لأنهن نساء، مما يجعلهن أكثر عرضة للعنف اللفظي والجنسي”.

هذا الواقع تؤكده ورقة بحثية قدمها الباحث كريم طارق هذا العام 2025، وهي قراءة تحليلية لبيئة العمل الحكومي وواقع عمل النساء في المهن المختلفة في القطاع الصحي، وتم اختيار المشاركات من مستشفيات حكومية، ووحدات صحية، ورعاية أولية.
وكشفت الدراسة التي شملت 14 ممرضة من محافظتي قنا والغربية، أن جميعهن يعملن بعقود مؤقتة، ويفتقدن للأمان الوظيفي، ويعانين من سوء المعاملة، ما يدفعهن للتفكير المستمر في ترك العمل. وأوصت الدراسة بضرورة توفير الدعم النفسي وبيئة عمل صديقة للمرأة، وتعديل آليات توزيع الحوافز.
هكذا ننقذ المستقبل
إن الأزمة التي يعيشها “الجيش الأبيض” في مصر ليست مجرد سلسلة من الحوادث الفردية أو نتاج ظروف عمل سيئة، بل هي عرض لخلل بنيوي عميق يهدد استدامة قطاع الصحة بأكمله. فالشهادات التي تكشف عن التمييز الممنهج، وغياب الحماية، والفجوة الصارخة بين التضحيات والمقابل، تُجمع على حقيقة واحدة: إن صحة المنظومة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بكرامة وأمان مقدمي الرعاية فيها.
ولذا، فإن أي محاولة جادة للإصلاح يجب أن تتجاوز الحلول المؤقتة والتعديلات الطفيفة، لتتجه نحو رؤية استراتيجية متكاملة.
يتطلب هذا المسار بناء إطار تشريعي ومؤسسي صلب، يبدأ بتفعيل النقابات المهنية، وعلى رأسها نقابة التمريض، ومنحها الصلاحيات اللازمة لتكون خط الدفاع الأول عن حقوق منتسبيها. ويستلزم ذلك أيضًا توحيد الفوضى القانونية الحالية عبر سن قانون موحد للقطاع الصحي، يضمن للجميع – في القطاعين الحكومي والخاص – أمانًا وظيفيًا، وبدلات عادلة للمخاطر، وآليات واضحة للتعويض.
وبموازاة ذلك، لا يمكن فصل الحقوق القانونية عن بيئة العمل اليومية. فالحماية الفعلية من الاعتداءات، وتوفير آليات سرية وفعالة للشكوى من العنف والتحرش، وتوفير خدمات داعمة كالحضانات الداخلية، ليست مجرد مطالب رفاهية، بل هي أساسيات لترجمة الحقوق إلى واقع ملموس، والحفاظ على الكوادر النسائية التي تشكل عصب القطاع.
وأخيرًا، تبقى معركة الوعي هي الأهم على المدى الطويل. فلا يمكن لأي قانون أو لائحة أن تنجح في ظل ثقافة مجتمعية تنظر بدونية إلى مهن حيوية كالتمريض. إن تغيير هذه النظرة النمطية، والتأكيد على أن الفريق الطبي وحدة متكاملة ومتكافئة، هو استثمار ضروري في مستقبل الصحة، وإنقاذ من يقدمون الرعاية ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو شرط حتمي لضمان نظام صحي قوي وعادل يستفيد منه المجتمع كله.
