حفتر بين مصر وتركيا: تحولات التحالفات وخريطة النفوذ في شرق ليبيا

في مشهد يعكس إعادة رسم التحالفات في الشرق الأوسط، التقى وزير الدفاع التركي، يشار جولر، في 22 يوليو الجاري في إسطنبول، مع الفريق صدام حفتر رئيس أركان القوات البرية في الجيش الوطني الليبي، في زيارة هي الثالثة خلال عام واحد. سبق هذا اللقاء بيومين توقيع شقيقه بلقاسم حفتر، مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، عقودًا مع شركة تركية لتطوير ثمانية مطارات ليبية.

هذه التحركات لم تكن مجرد بروتوكولات دبلوماسية أو صفقات اقتصادية متزايدة، بل تتويجًا لمسار طويل من التقارب الحذر بين أنقرة وعائلة خليفة حفتر، الرجل الأقوى في شرق ليبيا، وتجسيدًا لتحول استراتيجي قد يعيد رسم خريطة النفوذ ليس فقط داخل ليبيا، بل في حوض شرق المتوسط بأكمله.

ومع تزايد الحديث عن إمكانية تصديق برلمان طبرق الموالي لحفتر على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة طرابلس في الغرب عام 2019، دقت أجراس الإنذار في القاهرة. وبات السؤال مُلحًا: هل النهج السياسي التي يتبعه حفتر وأبناؤه قد يؤثر على مصالح مصر مستقبلًا؟

من التحالف إلى التوتر

منذ إطلاق المشير حفتر "عملية الكرامة" في عام 2014 لفرض نفوذه في شرق ليبيا والقضاء على المجموعات المسلحة، رأت فيه القاهرة الحليف المثالي. في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط الرئيس معمر القذافي، وصعود الجماعات الإسلامية، قدمت مصر دعمًا شاملًا لحفتر بهدف تأمين حدودها الغربية الممتدة لأكثر من 1100 كيلومتر، ومحاربة ما اعتبرته تهديدًا وجوديًا من تمدد نفوذ التيارات الإسلامية.

تعددت أشكال الدعم المصري لتشمل الجوانب العسكرية، عبر تزويد قوات حفتر بالسلاح والذخيرة والمعلومات الاستخباراتية، فضلًا عن تنفيذ غارات جوية لدعمه. وسياسيًا، كانت القاهرة المنصة الرئيسية التي قدمت لحفتر الشرعية الإقليمية، وبلغ هذا الدعم ذروته في "إعلان القاهرة" عام 2020، الذي قدم مبادرة لحل الأزمة بدعم كامل لموقف حفتر.

الرئيس السيسي في لقاء سابق مع خليفة حفتر (سي إن إن)
الرئيس السيسي في لقاء سابق مع خليفة حفتر (سي إن إن)

لكن نقطة التحول بدأت تتشكل مع فشل هجوم حفتر على طرابلس بين عامي 2019 و2020. التدخل العسكري التركي المباشر لدعم حكومة الوفاق الوطني آنذاك لم يوقف تقدم حفتر فحسب، بل أجبر قواته على التراجع، مما كشف عن حدود قوته ودفع القاهرة لإعادة النظر في استراتجيتها، بحسب المركز العربي في واشنطن.

وجاءت أزمة السودان التي اندلعت في أبريل 2023 لتصب الزيت على النار. فبينما دعمت مصر الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وُجهت اتهامات لحفتر بدعم خصمه قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".

هذا الخلاف في المواقف اعتبرته القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا مع سيطرة الدعم السريع، بدعم لوجستي من شرق ليبيا، على المثلث الحدودي الاستراتيجي بين البلدين. وهو ما استدعى عقد لقاء بين حفتر والرئيس عبد الفتاح السيسي لأول مرة منذ 3 سنوات؛ لإيصال رسائل بأن تهديد الأمن القومي المصري غير مقبول.

"أغضب حفتر مصر بتسهيل الدعم الإماراتي لحميدتي في السودان، وهذه النقطة تحديدًا من المهم أن نضعها في الاعتبار عند تقييم حالة النفوذ المصري في ليبيا اليوم"، يلفت وولفرام لاتشر، الباحث المتخصص في الشأن الليبي بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، في حديثه مع فكّر تاني.

يعتقد عبد العزيز اغنية الباحث الليبي في المركز الأفروآسيوي للدراسات الاستراتيجية في لندن، أن العلاقة الليبية المصرية هي "علاقة تكاملية وعلاقة أمن قومي مشترك". ويضيف لـ فَكّر تاني: "تعي مصر جيدًا، ويعي الجيش وحفتر في ليبيا، أنهم بحاجة لبعضهما البعض بشكل كبير جدًا".

لكن هذه الحاجة المتبادلة لم تمنع ظهور الخلافات وتغير طبيعة العلاقة، وهو ما يلخصه علاء فاروق، الباحث في العلاقات الدولية وشؤون المغرب العربي، بقوله إن العلاقة ما بين حفتر والقاهرة مؤخرًا "ليست علاقة استراتيجية كما كانت في السابق، ولكنها علاقات مصالح وممارسة ضغط من الطرفين".

ويشرح لـ فَكّر تاني أن "الدولة المصرية تريد أن يظل حفتر حليفًا مضمونًا في الداخل الليبي وتحركاته لا تخرج عن إطار الرؤية المصرية للتعامل مع الملفات الإقليمية وخاصة الملف الليبي. ولكن حفتر يراوغ من وقت إلى آخر، ويحاول الانفتاح على تركيا وتوقيع اتفاقيات، والتعاون مع حميدتي في السودان".

هذا يُسبب بعض المشاكل لمصر. وبحسب الباحث فإن "حفتر يريد أن يخرج بعض الشيء عن عباءة الدولة المصرية ويحاول أن يثبت أنه عنده جزء من الاستقلالية في اتخاذ القرارات".

السياسي الليبي والباحث القانوني المقرب من معسكر الشرق عبد الله الديباني، يرى أن تحركات حفتر الأخيرة لا تمثل قطيعة مع الدور المصري، بل تُفهم في سياق تنويع الشراكات الإقليمية، وهو ما ينسجم مع سياسة "الحياد الإيجابي" التي بدأت تتشكل في الشرق الليبي.

"القاهرة تدرك أن التحولات الجيوسياسية تفرض واقعًا مرنًا، وقد بات من الضروري أن يكون للشرق الليبي علاقات متعددة لا تعتمد على طرف واحد فقط، بل إن هذا التقارب مع تركيا قد يُقرأ كخدمة لمصالح مصر أيضًا من خلال تهدئة التوترات على الساحة الليبية وتوسيع دائرة التنسيق الإقليمي"، يقول الديباني لـ فَكّر تاني.

صورة من استقبال صدام حفتر في تركيا (الجيش الوطني الليبي)
صورة من استقبال صدام حفتر في تركيا (الجيش الوطني الليبي)

حفتر وأنقرة: من العداء إلى التعاون البحري

تحول العداء المطلق إلى تقارب حذر بين حفتر وأنقرة. فتركيا التي كانت سببًا مباشرًا في هزيمته العسكرية في طرابلس، أصبحت اليوم شريكًا محتملًا في مجالات الاقتصاد والدفاع.

يشير الباحث علاء فاروق إلى أن هذا التحول الأخير، جاء بعد مصالحات إقليمية في المنطقة، وأن تنسيق حفتر مع تركيا في البداية جاء بتوافق من القاهرة ونصيحة منها بأن يفتح بابًا للتواصل مع الدولة التركية.

ويوضح أن المحرك الرئيسي لهذا الانفتاح هو نجل المشير صدام حفتر صاحب رؤية التقارب مع تركيا والدول الأوروبية "ويتحكم الآن في مسار القيادة العامة في الشرق الليبي، وهو أكثر انفتاحًا من أبيه، ورجل براجماتي في الدرجة الأولى يبحث فقط عن مصالحه كبديل محتمل لوالده".

يصف وولفرام لاتشر من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، هذا التفاعل بأنه "منطقي لكلا الجانبين"، موضحًا أن لتركيا "فوائد واضحة يمكن جنيها من تنمية العلاقات مع حفتر: عقودٌ للشركات التركية في مجال إعادة الإعمار؛ وفتح أبواب لتركيا في المؤسسة الوطنية للنفط".

أما بالنسبة لحفتر، كما يضيف، فـ "تُتيح العلاقة الوصول إلى التكنولوجيا والتدريب العسكريين، بالإضافة إلى الأمل في أن تسمح تركيا لحفتر في نهاية المطاف بالسيطرة على طرابلس، حتى لو كان هذا الأمل غير واقعي، في رأيي".

يوضح جلال حرشاوي الباحث المشارك في المعهد الملكي البريطاني، في تصريحات لـ فَكّر تاني، أن لتركيا مطلبًا رئيسيًا واحدًا من معسكر حفتر، وهو "التصديق التشريعي على مذكرة التفاهم البحرية المبرمة في نوفمبر 2019".

ويشرح حرشاوي قائلًا: "كانت هذه الوثيقة مجرد مذكرة -أي مجرد ورقة- وليست معاهدة أو ميثاقًا. ورغم عدم تمزيقها، إلا أنها لم تُنفَّذ بعد". ولكي يتحقق ذلك، تحتاج تركيا إلى ضوء أخضر من عائلة حفتر، التي تسيطر على البرلمان في الشرق.

وبخصوص انعكاس التقارب بين حفتر وتركيا على موقع البرلمان الليبي برئاسة عقيلة صالح، يرى الديباني أن هذا التقارب لا يُضعفه، بل "يمنحه مساحة أوسع للمناورة السياسية، ويعيد رسم تموضعه كجسمٍ تشريعي قادر على التفاعل مع التحولات الإقليمية بمرونة؛ فموافقة البرلمان لأي تفاهمات مع أنقرة، خصوصًا في الملف البحري أو التعاون الاقتصادي، ستمنحه فرصة إعادة الحضور في الساحة الدولية كمؤسسة فاعلة".

وفي المقابل، الإغراءات متعددة وملموسة كما يُنبّه حرشاوي: "عائلة حفتر، التي تمتلك ثروة طائلة هذه الأيام، منجذبة بشدة إلى صناعة الأسلحة التركية المرموقة. يريد حفتر طائرات مسيرة تركية، وأنظمة حرب إلكترونية، ومعدات دفاع جوي".

لكنه يُحذّر في الوقت نفسه "إذا باعت تركيا أصولًا عسكرية استراتيجية مثل طائرات بيرقدار تي بي 2 من دون طيار لحفتر، فقد ترد مصر بمواجهته ودعم المبادرات الدولية ضده، والتحالف مع قطر أو المملكة المتحدة أو أجزاء من الإدارة الأمريكية التي تستاء من قرب حفتر من روسيا والصين".

طائرة مسيرة من طراز "بيرقدار تي بي 2" (وكالات)
طائرة مسيرة من طراز "بيرقدار تي بي 2" (وكالات)

مخاوف مصر الاستراتيجية في شرق المتوسط

بالنسبة لمصر، يمثل التقارب الليبي-التركي تهديدًا محتملًا متعدد الأبعاد. أولًا، قد يقوض نفوذها التاريخي في شرق ليبيا. ثانيًا، وهو الأهم، قد يضرب في قلب مصالحها الاقتصادية في شرق المتوسط، بحسب المختصين.

بعد هزيمتها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، خسرت تركيا جزءًا كبيرًا من مياهها الإقليمية لصالح اليونان.

ولهذا، تسعى أنقرة اليوم للتحرر من الاتفاقيات التي تحدّ من نفوذها، وتبحث عن سبل لتوسيع سيطرتها البحرية.وترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في البحر المتوسط من أبرز هذه السبل، خاصة وأن هذه الحدود لم تُرسم بشكل نهائي بعد، مما يعطي بُعدًا تاريخيًا للتحركات التركية الحالية، بحسب الباحث اغنية.

سعت تركيا إلى تحقيق رؤيتها "الوطن الأزرق"، التي وُضعت لأول مرة منذ ما يقرب من 20 عامًا، عبر شريط مائي يمتد من جنوب غرب تركيا إلى شمال شرق ليبيا. ولتحقيق ذلك، والحديث على لسان حرشاوي، فإنه يتطلب تعاونًا ودعمًا فعالين من عائلة حفتر للتنفيذ الفعلي والمصادقة التشريعية من البرلمان "والتي قد تحدث أو لا تحدث. لا نعلم حتى الآن".

"تريد شركة البترول الوطنية التركية دخول قطاع النفط والغاز الليبي؛ فهي تريد إجراء مسوحات زلزالية فعلية قبالة درنة ومشاريع ملموسة أخرى. وعلى الرغم من كون تركيا مستوردًا رئيسيًا للطاقة واحتفاظها بحضور كبير في شمال غرب ليبيا، إلا أنها لم تدخل بعد صناعة الهيدروكربونات الليبية، سواء البرية أو البحرية. ولكن الآن تتقدم تركيا على هذه الجبهة، وذلك لأن حفتر يسمح بذلك أخيرًا"، يسلط حرشاوي الضوء على الأهداف التركية.

يؤكد فاروق المتخصص في الشأن الليبي، أن القاهرة تنظر لهذا التحول على أنه "طبيعي"، ولكن ضمن خطوط حمراء واضحة، "طالما لا يهدد المصالح والأمن القومي ولا يصل إلى درجة قواعد عسكرية في شرق ليبيا لتركيا أو اتفاقات عسكرية تسبب أضرارًا للدولة المصرية، أو اتفاقيات في البحر المتوسط مثل الاتفاقية الأخيرة توسع أكثر النفوذ التركي في المتوسط وتؤثر على مصالح القاهرة".

ويغوص فاروق في تفاصيل الموقف المصري من الاتفاق البحري "تسعى مصر لتأمين مصالح ليبيا في هذه الاتفاقية. وترى أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية مع حكومة الوفاق الليبية السابقة تمت تحت الابتزاز السياسي التركي، حيث اشترطت أن تدافع عنها مقابل أن توقع معها اتفاقية عسكرية وبحرية في 2019، مما يضر بمصالح مصر في شرق المتوسط. ولذلك وقعت اتفاقيات مماثلة مع اليونان وقبرص للحد من النفوذ التركي المتزايد في المنطقة".

"حتى لو تحسنت علاقات مصر مع تركيا بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، فمن غير المرجح أن تُرحّب مصر بتنامي علاقات حفتر مع تركيا. في نهاية المطاف، تُضعف هذه العلاقات النفوذ المصري في شرق ليبيا، حيث تُضطر مصر بالفعل إلى التنافس مع الإمارات وروسيا على النفوذ على حفتر"، يشير وولفرام لاتشر.

وزير الدفاع التركي يشار جولر خلال لقائه صدام حفتر رئيس أركان القوات البرية في الجيش الوطني الليبي، على هامش معرض الدفاع IDEF25 في أنقرة، 23 يوليو 2025 (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يشار جولر خلال لقائه صدام حفتر رئيس أركان القوات البرية في الجيش الوطني الليبي، على هامش معرض الدفاع IDEF25 في أنقرة، 23 يوليو 2025 (وزارة الدفاع التركية)

هل يوازن حفتر بين المحاور؟

وفي ظل هذه الديناميكيات، يبدو أن حفتر وأبناءه يسعون إلى تنويع الشراكات. "يطمح آل حفتر الآن إلى أن يصبحوا أكثر من مجرد ديكتاتورية إقليمية، وأن يتحولوا أخيرًا إلى الهيمنة على ليبيا بأكملها"، كما يوضح حرشاوي الذي أشار إلى وعد تركي لحفتر بالضغط على رئيس الوزراء في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، من أجل الإطاحة به وتمهيد الطريق لحكومة موالية لحفتر مستقبلًا.

كان هذا التحول مدفوعًا بإحباطات تركية متعددة، منها مغازلة الدبيبة للعديد من الداعمين الأجانب، والتفتت الواضح بين الجماعات المسلحة في غرب ليبيا، والمخاوف المتزايدة في أنقرة بشأن تضاؤل العوائد على استثماراتها في القطاع الأمني.

"تركيا لاعب رئيسي في غرب ليبيا، حيث تسيطر على الفصائل المسلحة المتناحرة هناك من خلال قواعدها ونفوذها المباشر، وتوحّد مصالح التيارات القبلية والمناطقية والإسلامية. هذا التأثير الكبير قد يجعلها قادرة على تسهيل دخول حفتر إلى طرابلس، وذلك عبر ترتيب تحالفات سياسية مع الفاعلين في العاصمة. وهنا أشدد على قد (باعتباره محتملًا وليس مؤكدًا)"، يشير عبد العزيز اغنية.

ويعتقد حرشاوي أن عائلة حفتر "لا تغير علاقاتها مع جهات فاعلة رئيسية مثل الإمارات أو روسيا. بدلًا من ذلك، يستغلون مصالح تركيا لتنفيذ أجندتهم الحالية. إنها لعبة توازن خطيرة، تمنحهم أوراقًا تفاوضية أقوى".

فيما يرى لاتشر، المتخصص في الصراع الليبي، أن هذا التطور هو جزء من اتجاهٍ أوسع نطاقًا تُنوّع فيه الدول الأجنبية الرئيسية علاقاتها في ليبيا، وكذلك الجهات الفاعلة الليبية الرئيسية "لم يعد حفتر يتمتع بعلاقات وثيقة مع داعميه التقليديين مصر والإمارات وروسيا فحسب، بل أيضًا على نحو متزايد مع تركيا وإيطاليا والولايات المتحدة. أما الدبيبة فقد عزز علاقاته مع الإمارات، وحاول التودد إلى مصر بعقود بناء، وطبّع العلاقات مع روسيا".

لكنه يحذر من أن "تعدد تحالفات" الفاعلين الليبيين يطرح أيضًا تحديات، مستشهدًا بما حدث عندما أغضب حفتر مصر بتسهيل الدعم الإماراتي لحميدتي.

هذا الواقع الجديد يضع القاهرة أمام خيارات صعبة. فبدلاً من المواجهة، قد تجد نفسها مضطرة للقبول بهذا الواقع، وإعادة تعريف علاقتها مع حفتر على أسس أكثر براجماتية. "مصر لا تزال فاعلًا أساسيًا في المشهد، لكنها باتت تقبل بهامش تحرك أكبر لحلفائها"، بحسب الناشط السياسي الليبي عبد الله الديباني الذي يرى أن هذا "شكلاً من أشكال النضج السياسي الإقليمي".

فيما يلفت الباحث فاروق، إلى أنه "مع انشغال مصر في ملفات كثيرة في المنطقة، ربما يرى حفتر أو يبحث عن حلفاء أكثر استقرارًا وقوة حتى يعوضها حال تخلت عنه القاهرة في لحظة ما". هذا التحول يضع مصر في موقف حرج، كما ينوّه جلال حرشاوي، إذ "تعاني مصر من ضعف يعود أساسًا إلى أزمة اقتصادية خطيرة للغاية. هذا الضعف يحد من قدرتها على تقديم حوافز ملموسة لحفتر، كما يقلل من قدرتها على مواجهة النفوذ الإماراتي".

ويظن الباحث في المعهد الملكي أن الدور المصري يتعرض للتهميش من الإمارات، مضيفًا أنه من منظور حفتر "لا تقدم القاهرة قيمة ملموسة تُذكر، فلا تبيع أسلحة متطورة ولا تمنح فرصًا لغسل الأموال كما تفعل دبي وإسطنبول". وفي هذا المسرح المعقد، يبدو أن حفتر وأبنائه باتوا لاعبين طموحين في لعبة التوازنات الكبرى، التي لا يزال مستقبلها غامضًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة