كانت آمال سمير تعتقد أن جسدها الممتلئ بآثار التعنيف الوحشي على يد زوجها المدمن كافيًا للحصول على الطلاق. بعد أن قطعت طريقًا طويلًا إلى كنيسة نائية تابعة لمحافظة القليوبية، هناك، لم تجد من ينظر إلى جروحها، بل وجدت من يضيف إلى ألمها ألمًا جديدًا، فوجئت برد قاسٍ لم تتوقعه، نهرها المسؤولون ومن معها من المتضررين: “متقرفوناش، معندناش طلاق”. تسترجع آمال تلك اللحظة وهي تبكي: “كانوا بيعاملونا كأننا حيوانات. مرت 12 سنة على اليوم ده، ولسه عندي أمل يطلع قانون.. وينقذني”.

كالوعد الأبدي.. لا يتحقق. بين تصريحات الكنيسة الرسمية وشعبها، يتردد الحديث لعشر سنوات عن “قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين”، لكن القانون لا يأتي، ومسودته تظل وثيقة سرية، مُحرم الاطلاع عليها. على مدار عقد كامل، تحولت رحلة البحث عن هذا القانون إلى محاولة لحل لغز مُحير، رحلة للعثور على كنز مفقود. تتناقل الكنائس والحكومة والحقوقيون نسخًا غامضة، دون أن يعرف أصحاب الشأن أنفسهم -المسيحيون- أيها الحقيقي.
لماذا تحاط المسودة بكل هذه السرية المفرطة؟ وما الذي يحول دون الكشف عنها؟ هل هو صراع سلطة صامت، أم خوفًا من النقاش المجتمعي، أم أن أصحاب القضية لا يملكون حتى حق الاطلاع على القانون الذي سينظم حياتهم؟
لن نخوض هنا في تفاصيل هذا المشهد الفوضوي والعشوائي ولن نناقش أيًا من المواد التي يتداولها الإعلام تحت عناوين براقة مثل “الجديد في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين” أو “ننفرد بنشر مسودة القانون”. فكل هذه العناوين لا تكشف شيئًا عن السر المدفون بأدراج وزارة العدل أو خزائن المجلس الإكليركي بالكنيسة. إنها تخبرنا بشيء واحد فقط.. أننا على ما يبدو، معاقبون، ولا يُفترض بنا الاطلاع على المسودة الحقيقية، لأنها -غالبًا- بها سم قاتل!
اقرأ أيضًا:المرأة المسيحية المنفصلة.. بين أصولية الكنيسة وقانون هادر للحقوق
قانون في الأدراج منذ عقود
دخل الحديث عن قانون أحوال شخصية للمسيحيين طور التنفيذ الفعلي منذ عام 2014، بعد محاولات شاقة بدأت منذ عام 1977. جاء هذا التحرك عقب تداول التصريح الأول عن المسودة التي وضعتها وزارة العدالة الانتقالية آنذاك، وبالتوازي مع إدراج المادة الثالثة في الدستور المصري للمرة الأولى، والتي نصت على أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظِمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية“.
شملت المسودة الأولى تنظيم كل ما يتعلق بالطلاق والحضانة والنفقة، لكنها سرعان ما كشفت عن خلافات عميقة، حيث مثّل “الزواج المدني” نقطة خلافية بارزة بين الكنائس؛ إذ أبدت الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية رفضًا قاطعًا لإدراجه ضمن البنود، في حين تمسكت به الكنيسة الإنجيلية في البداية، قبل أن تتراجع لاحقًا وتوافق على استبعاده من المسودة النهائية لمشروع القانون.
أوراق سرية في مواجهة الألم
لأحد عشر عامًا، تُعامل مسودة القانون وكأنها من المحظورات. لا يُسمح بطرحها للمواطنين المسيحيين ولو على سبيل الإبلاغ. لا شيء سوى لقاءات متكررة للأنبا بولا مطران طنطا والمسيطر على ملف الأحوال الشخصية منذ عقود، يظهر فيها على القنوات بكومة من الأوراق في يده، لا تظهر للشاشة أبدًا. يرتدي نظارته الطبية، ويقرأ علينا ما تحويه السطور، لتنهال لاحقًا عناوين الصحف عن القانون الذي “سيحل أزمة الآلاف”، دون أي توضيح، ودون أن نقرأ بأنفسنا.
حين تكلم المطران المرات الأخيرة، هاجم للمرة التي لا نعرف عددها لائحة 1938 للأحوال الشخصية، قائلًا إنها فتحت أبواب الطلاق على مصراعيها، ومؤكدًا في لقائه مع الإعلامية لميس الحديدي: “الطلاق بقا متحدد بسببين في القانون الجديد: الزنا وتغيير الدين، إنما واحدة جوزها بيضربها، جوزها مسافر، أو مريض.. مفيش الكلام ده خالص”.
غالبًا لا يعلم الأنبا بولا -أو يعلم- حكاية آمال، صاحبة الـ 31 عامًا، التي تسعى لحل يوقف نزيف العنف. كان زوجها يجرها من شعرها على درجات سلم لستة طوابق، يربط قدميها ويديها ويجرحها بسكين حاد بلا سبب. كان يصرخ وهو يضربها: “هصلبك زي ما صلبتي المسيح”. تسبب في إجهاضها مرارًا وشوه جسدها بتواطؤ من أهله. وحين استقر لفترة وأنجبت طفلين، كان يتلذذ بضربهما بعنف، لدرجة أنه ربط الابن الأكبر “بجنزير” وجلس يشاهده وهو ينازع لحل وثاقه.
على كل حال، استمرت النقاشات والحوار حول مشروع القانون بين الكنائس الثلاث منذ عام 2014، للتوقيع على مسودة واحدة، وفي عام 2023 وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي، أن تشمل جلسات النقاش في وزارة العدل كافة الكنائس والطوائف المعترف بها في مصر، بعدما تجاهلوا بعضها في أوقات سابقة، وفي فبراير الماضي عقدت وزارة العدل مرة أخرى جلسات لمناقشة المسودة النهائية لمشروع القانون، وأكد وزير العدل، في كلمته، أن مشروع القانون قد رُوعى فيه التوافق التام بين كافة الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام مع عدم المساس بالمسائل العقائدية للطوائف المعنية بالقانون، وأن مشروع القانون جاء شاملًا لكافة مسائل الأحوال الشخصية سواء الإجرائية أو الموضوعية منها بالنسبة لجميع الطوائف المسيحية.

على هامش الأحاديث المتواترة وما يُسمح لنا بمعرفته، أخبرنا الأنبا بولا أن الكنيسة وضعت بابًا للتبني في مشروع القانون، لكن مصيره غير معروف. في لقاءات أخرى قال أيضًا، أن باب التبني يقع في أزمة تخص تطبيقه وأرجع ذلك إلى أن حالة المواطنة في مصر ليست كسابق عهدها في الثلاثينات من القرن الماضي. وفي حوار ثالث، أقر بأن المسيحية تعترف وتبارك التبني. لكنه، وفي المقابل، أيّد القاعدة العرفية التي تنص على أن كل مولود مجهول النسب هو مسلم بالفطرة. وقياسًا على ذلك برر فكرة منع المسيحيين من تبني الأطفال مجهولي النسب مؤكدًا: “إزاي يعني طفل مسلم تخليه مسيحي!”.
وفي سياق متصل يتابع الشارع المسيحي اللقاءات الإعلامية المتكررة للنائب البرلماني ووكيل اللجنة الدينية منصف سليمان، وفي لقاء مع برنامج نظرة، قال: “حذفنا باب التبني من مشروع قانون الأحوال الشخصية لأنه يصطدم بمبادئ الشريعة الإسلامية احترامًا للأغلبية في المجتمع، وفكرة إلغاء باب التبني كانت للراحل البابا شنودة الثالث قال لي ذات مرة: ‘لا تسيء إلى إخواتك المسلمين”.
“كان هناك بابًا مقترحًا يخص الزواج المدني، قمنا بحذفه أيضًا لأنه يصطدم بالمادة الثالثة من الدستور، وكان ينص على إمكانية زواج أي فردين خارج الكنيسة”. ومن ناحية أخرى، بحسب سليمان، فإن مشروع القانون يقدم الحل البديل للمشكلات القائمة بالفعل مثل ‘حل الزواج‘ وأيضًا التوسع في الأسباب، ومن أبرزها: “التوسع في أسباب بطلان الزواج.. كل غش يبطل الزواج”.
كاهن يلوم ونائب يطمئن
لم تتوقف آمال عن طرح سؤالها الحائر: “هل كل هذا العنف ليس سببًا كافيًا كي أتخلص من هذا العبء؟”. تسترجع كيف كانت في كل مرة تذهب لفتح ملف، تواجه لومًا مستمرًا من الآباء الكهنة الذين يرددون على مسامعها: “يابنتي ده جوزك، اخضعي له. هتيجي إيه انتي في أم الغلابة؟ تحملك هيخليكي قديسة”. وتؤكد بحرقة: “كانوا بيقولولي بالنص كده وحياة ولادي وهما شايفيني غرقانة في دمي.. وكاهن تاني في مرة قالي: ده جوزك حتى لو قسمك نصين، معندناش طلاق”.
في سياق متصل بهذه المعاناة، تواصلنا في فكّر تاني، مع المستشار منصف سليمان، الذي رسم صورة مختلفة تمامًا، مؤكدًا أن مسودة القانون موجودة الآن في مجلس الوزراء وفي طريقها إلى مجلس النواب، وأن الكنائس المصرية كافة وافقت عليها بالإجماع، مشددًا: “لم يتم استبعاد أي كنيسة”.
وعندما حاولنا معرفة ما إذا كانت المسودة ستُتاح للاطلاع العلني، أجاب سليمان بأنها نوقشت بالفعل في “حوار مجتمعي عميق” داخل الكنائس ووزارة العدل، شمل مواطنين مسيحيين ورجال دين، وأن “المسودة كانت بين أيدي كل من حضر هذه الاجتماعات منذ ثلاثة أشهر”. أما عن تصريحات الحقوقيين التي تنفي اطلاعهم على المسودة، فقد ألقى النائب البرلماني بالكرة في ملعبهم، بقوله: “هذا الكلام يظل على عهدة من يرويه”، مجددًا تأكيده على مشاركة العلمانيين في النقاشات.
“عُرضت المسودة على المجمع المقدس، وطُرحت على اللجان المختصة في الكنائس الأخرى، والحوار كان واسعًا، وتم إقراره بالإجماع”. لكن عندما سألناه عن أسماء محددة من الحقوقيين أو العلمانيين المشاركين، اكتفى بالقول إن “عددًا كبيرًا منهم حضر”، دون ذكر أي اسم.

ماذا عن “آمال”؟
ويبقى السؤال معلقًا: هل كل هؤلاء الذين وافقوا على القانون ناقشوا حالات مثل حالة آمال؟ هل يعرفون أنها فشلت حتى في الحصول على طلاق مدني؟ حيث استند الحكم إلى أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لا تسمح بالطلاق إلا لعلة الزنا؟
تقول آمال لـ فكّر تاني: “ياريته زنا ولا خيانة.. ومكنش عمل فيا كده. محاضر ضرب وتقارير طبية أد كده، لا بيتحبس ولا أنا بطلق. في الآخر يدفع غرامة 200 جنيه بس!! وهو تقريبًا كان بيقتلني حرفيًا”.
اليوم، تعيش آمال في شقة صغيرة استأجرتها بعد أن قررت ترك منزل الزوجية، لكنها ما تزال مرتبطة بشخص يرفض كل من القانون والكنيسة خلاصها منه حفاظًا على حياتها، لتستمر هي في حياتها مهددة وخائفة.
اقرأ أيضًا:دير سانت كاترين.. ذاكرة مقدسة في مرمى التأميم
المناقشات الحقوقية
في أثناء بحثنا عن أي مسودة للقانون، حاولنا سؤال بعض المؤسسات الحقوقية المنشغلة بقضية الأحوال الشخصية عما إذا امتلكوا نسخة واحدة أو اشتركوا في المناقشات، لذا تواصلنا في فكّر تاني، مع المحامية عزة سليمان رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، وتؤكد: “أن الكنائس المصرية المختلفة غير منفتحة على إشراك أي مؤسسة حقوقية في نقاشات المشروع، بل تتعامل وكأن المسودة جزء من الأمن القومي، لذا فلم يمنحونا حتى نسخة واحدة ولا أي تحديث حقيقي حول ماوصلت إليه الأمور، وكل مانعرفه يصلنا عن طريق الإعلام أو عن طريق بعض الأشخاص المقربين من النقاش الداخلي”.
تفسر عزة سليمان عدم الإعلان عن المسودة بشكل رسمي وطرحها لنقاش مجتمعي جاد أن الدولة والكنيسة لا يتعاملان مع أي ملف يحوي قضايا تهم حياة النساء بشكل جاد، بالإضافة إلى أنه ليس هناك أي تفعيل للحق في تداول المعلومات في مصر.
يقول المحامي والباحث الحقوقي عبدالرازق مصطفى، لـ فكّر تاني، أن إتاحة نسخة أو مسودة لأي تشريع في مصر يكون من خلال مجلس النواب، حين يتوفر هذا التشريع في جلسات المناقشة، فيتم تسريبه بشكل ما لطرحه للنقاش المجتمعي، موضحًا: “أما في حالة مسودة قانون الأحوال الشخصية، فبكل تأكيد لدى الكنيسة نسخًا منها، إلا أن هذه النسخ لا تصل حتى لفئة المثقفين المسيحيين لمناقشتها وحين سألت أكثر من مرة قالوا لنا أن المسودة بالنسبة لهم شيء مبهم وغير متاح، والمعلوم لدي حتى الأن أن المسودة لم تصل مجلس النواب حتى وقتنا هذا”.
ويضيف عبدالرازق أن دور وزارة العدل يتلخص في المناقشات القانونية حول المسودة، وأن الدستور لم يذكر أي حوار مجتمعي حول مسودات القوانين، كل مافي الأمر أن المعنيين بالشأن الحقوقي يسلكوا سبل الضغط المستمر للحصول على المسودات لمناقشتها ومحاولة تغييرها إذا كانت خطيرة.
ويوضح الباحث الحقوقي عمّا إذا كان من حق أي مواطن مصري مسيحي الطعن على قانون الأحوال الشخصية بعد صدوره: “إذا تم إقراره من خلال المؤسسة الدينية، فإن الرأي فيه يكون حكرًا على هذه المؤسسة، ولا يُطرح للنقاش العام سوى من خلال مجلس النواب”. وبالتالي، فإن تمريره بموافقة الكنيسة والبرلمان يجعل إمكانية الطعن عليه شبه مستحيلة؛ إلا لو ضم مواد كارثية وفي حالات محدودة، لكننا في كل الأحوال لا نعلم ماتضمه المسودة لأنها لم تُطرح بشكل علني.

أما عن النقاشات حول القانون وانفراد الكنيسة به، فإن المجلس الملّي الذي من المفترض أن يمثل العلمانيين من المسيحيين غير مفعل، حيث أن الإكليروس يرفضو إشراك العلمانيين كطرف مؤثر في إدارة شؤون الكنيسة وتحديدًا التي تمس مصالح وحيوات من هم خارج دائرة الرهبان، ورغم أن هناك حديثًا عن أن الأمور بات أقل تعقيدًا في عهد البابا تواضروس، فإن البابا نفسه ما يزال يعرقل انتخاب مجلس ملّي جديد، ما يُعد إهدارًا لصيغة قانونية ملزمة تضمن وجود هذا المجلس لمعاونة الكنيسة في إدارتها.
اقرأ أيضًا: صلّي وتحملي زوجكِ.. تجميل العبودية بالقداسة
كنائس لا تعرف القانون
في 13 أبريل 2019، وبينما كانت الكنائس الكبرى تجتمع في المقر البابوي بالعباسية لمناقشة “مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية”، كانت هناك طائفة رئيسية غائبة تمامًا وهي كنيسة الروم الأرثوذوكس. وبينما لم يكن غيابها اختياريًا، بل كان نتيجة “عدم دعوتهم”، حسبما كشف بيان رسمي أصدره المطران نيقولا آنذاك.
البيان، الذي عكس حالة من التهميش، أكد أن البطريركية علمت بالاجتماع من الصحف، وأن ما تم التوصل إليه “لا يلزمها قانونيًا”.. وظل هذا الوضع قائمًا كما هو عليه لمدة ثلاث سنوات كاملة، قبل أن يتم توجيه دعوة رسمية للكنيسة أخيرًا في عام 2023 للمشاركة في النقاشات، ما يطرح تساؤلات حول مدى شمولية “التوافق” الذي تم التوصل إليه في السنوات الأولى!!.
يقول المطران نيقولا، لـ فكّر تاني، عن موقف طائفة الروم الأرثوذوكس من مشروع القانون: “كافة الكنائس في مصر شاركت في صياغة مشروع القانون، وطائفة الروم الأرثوذوكس وقعت بالموافقة النهائية على المسودة، وقامت بعرض المسودة على من يمثلون أبناء الكنيسة من جهات مسؤولة من الداخل، بالإضافة إلى النواب في المجلس”، مؤكدًا، أن كافة الكنائس المعترف بها داخل مصر حضرت هذه المناقشات ولم يتم استبعاد أحد.
تتعارض تصريحات الأنبا نيقولا والمستشار منصف سليمان، عن عدم إقصاء أي كنيسة، مع الموقف من طائفة “الأدفنتست السبتيين” التي تم استبعادها تمامًا، على الرغم من كونها طائفة معترف بها رسميًا منذ عام 1972، حيث تمكنوا من الحصول على اعتراف رسمي بوجودهم في مصر بعد تصريح الحكومة بأن: “طائفة الأقباط الأدفنتست السبتيين هي إحدى الطوائف الدينية المُعترف بها بجمهورية مصر العربية، ولها حق ممارسة الشعائر الدينية في مصر طبقًا للنظام الأساسي المُبين بلائحتها”.

وفي تصريحه لـ فكّر تاني، يقول القس جوني نصر الله السكرتير التنفيذي والممثل القانوني للطائفة، إنه لم تتم دعوة الكنيسة للمشاركة في صياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، مؤكدًا: “تم تقديم اعتراض واضح من الكنيسة على بعض البنود المتعلقة بالطلاق والتي أجازت الطلاق على أساس تغيير الملة لأتباع طائفة الأدفنتست باعتبارها طائفة غير مسيحية مساواة بشهود يهوه والبهائيين”.
هذا الإقصاء الواضح لكنيسة الأدفنتست، يعود إلى عام 1989، حين أصدر المجمع المقدس قرارًا رسميًا بإعتبار أن “طائفتي السبتيين وشهود يهوه غير مسيحية، لا نعترف بهم كمسيحيين ولا نعترف بترجمات الكتاب المقدس الخاص بهم”، كما حذر المجمع المقدس من حضور اجتماعاتهم، أو دخولهم إلى بيوت الأقباط الأرثوذكس مثل سائر “الهراطقة والمبتدعين”، بحسب وصف المجمع.
وفي حوار سابق له مع جريدة الوطن، يقول الأنبا بولا: “أن ‘السبتيون‘ غير مرحب بهم للمشاركة داخل القانون الموحد للأحوال الشخصية للمسيحيين، لأنهم غير معترف بهم كنسيًا، كطائفة مسيحية مثل ‘شهود يهوه‘، من جميع الطوائف المسيحية فى مصر، واعتراف الدولة بهم، هذا من شأنها، ولكن لا يمكن المشاركة فى وضع مشروع قانون واحد وهم مختلفون معنا فى جوهر الإيمان والعقيدة”.
بينما يوضح القس جوني نصرالله لـ فكّر تاني: “أن هذا الإدعاء غير حقيقي واتهام غير مبرر للكنيسة حيث أنها طائفة مسيحية تؤمن بلاهوت المسيح وتعاليم الكتاب المقدس كاملة، والأمر الوحيد الذي حصلنا عليه هو حذف اسم الطائفة من البنود السابق ذكرها، وتقدمت الطائفة بمسودة نهائية تخصها ولكن لم يتم مناقشتها حتى هذه اللحظة”.
في السياق نفسه، لا تشترك الكنيسة الأسقفية الانجليكانية في صياغة هذا المشروع الذي نجهل بنوده الأساسية، لأسباب تخص اعتبارها جزء من الطائفة الإنجيلية في مصر، بينما اعترضت الكنيسة وقدمت ما يفيد قانونًا بأنها كنيسة مستقلة وبالتالي لها تشريعها المستقل بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية المسيحية.
وكانت الكنيسة تقدمت بنسخة من الأصول التشريعية للأحوال الشخصية الخاصة بإقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية لوزارة العدل منذ 2020، والمعمول بها فى الدول التابعة لإقليم الإسكندرية وهى مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، وإريتريا، وإثيوبيا، وجيبوتى، والصومال، وتشاد، وموريتانيا. ما يكشف غياب قانون موحد فعليًا، على عكس ما يتم الترويج له، كما لا تزال هناك تساؤلات مفتوحة حول ما إذا كانت هناك كنائس أخرى لم تشارك في الصياغة أم لا.
أما عن شهادات “تغيير الملة” التي اعتبرها البعض منفذًا، فإنها، وبحسب تصريحات الكنائس، “هذا الباب قد أُغلق للأبد”. ولن تحتكم أي قضية إلا لعقد الزواج فقط، والحقيقة أنه على الرغم من أن حالة “آمال سمير” قد حصلت على شهادة تغيير ملة إلى الكنيسة السريانية، إلا أنها، أيضًا، لم تحصل على طلاق مدني قبل حتى صدور القانون الجديد.
تحكي آمال لـ فكّر تاني: “غيرت ملة بدعم من أحد الأساقفة، كنت وزوجي في أحد جلسات المجلس الملّي، وتعدّى عليا وعلى الأباء الحاضرين، ولولا تعديه عليهم ماكان الأسقف ليدعمني في تغيير الملة ولو اظهرت لهم جسدي المشوه ملايين المرات”، تشير إلى أنها تلقت اتصالًا من الكنيسة السريانية يطلبون منها 10 آلاف جنيهًا مصريًا، وحين سألت جاءها الرد: “علشان تاخدي ورقة التغيير” لكنها لم تكن تملك مكنش معايا فلوس وقتها اتبهدلت واتذليت لحد ما الاسقف ساعدني بمبلغ واستلفت الباقي، وعمومًا الكنيسة كل مرة كانت بتدفعني 200 أو 250 جنية عند فتح ملف جديد”.
اقرأ أيضًا: “استراتيجية حقوق الإنسان” بعد 3 سنوات.. حرية الدين والمعتقد “لا حس ولا خبر”
أصوات لا تسمعها الكنيسة
آمال ليست الوحيدة، ولن تكون الأخيرة في ظل قوانين غير إنسانية، حيث يظل ملف الطلاق هو العمود الفقري للقانون المزمع صدوره. إنها القضية التي تتعثر عندها حيوات الآلاف، ويُعلّق بسببها مصير أُسر بأكملها. هؤلاء الناس لا يريدون ترفًا تشريعيًا، بل إجابة واضحة: هل يتم تحريرهم؟ هل يمكن أن تُمنح لهم فرصة إنسانية ثانية؟ أم يظل الأمر مرهونًا بنفس المبدأ الذي فرضه البابا شنودة قبل عقود: “لا طلاق إلا لعلة الزنا”، وكأن كل آلام العلاقات، وكل الأذى النفسي والجسدي، لا يُعترف به إلا إذا اكتمل بمشهد خيانة سينمائي؟

“كنت على خلاف دائم مع زوجتي وصل الأمر بنا إلى الاستحالة. وبعد تدخلات فاشلة كثيرة من الكهنة في منطقتي، قررت البدء في الإجراءات القانونية للحصول على الطلاق، وحصلت عليه بالفعل منذ 2013 بعد تغيير ملتي صوريًا. ومنذ ذلك الوقت وأنا أطرق كافة الأبواب حتى أتزوج للمرة الثانية. لا الكنيسة الأرثوذكسية تمنحني تصريح زواج، ومن ناحية ثانية لا أعرف شيئًا عن الكنيسة التي انضممت لها صوريًا، فأنا أرثوذكسي منذ ولادتي وموجود في مجتمع منغلق بطبيعته”.. يقول عماد لطيف، أحد متضرري الأحوال الشخصية لـ فكّر تاني.
يضيف عماد، البالغ من العمر 47 عامًا: “حين تزوجت كان عمري 26 عامًا، وقضيت ما يقارب 10 سنوات في جحيم زواجي. تحملت على نفسي لأني أدرك استحالة الحصول على الطلاق، ولكن حين عرفت أن الأمر ربما ينتهي بقتل أحدنا للآخر، قررت الحصول على حكم الطلاق من المحكمة مهما كان صعبًا. كنت أتخيل أن شهادات الآباء الكهنة، الذين أقروا جميعًا بأن زواجنا هش ولا يجب أن يستمر، كافية لإقناع المجلس بمنحنا تصاريح زواج ثانية. كان عمري وقتها 35 عامًا تقريبًا، في عمر الشباب الذي يسمح بتكوين أسرة جديدة. حاليًا وأنا أقترب من الـ 50 عامًا، أسأل نفسي: هل كان واجبًا أن أقتل زوجتي أو تقتلني حتى يتمكن أحد منا من العيش بطريقة طبيعية، وفقًا لما تفرضه الكنيسة من قوانين مؤذية؟!”.
لا تصغي الكنيسة ومجالسها لأزمته، ولا يقدر الرهبان الذين لم يختبروا الحياة الزوجية أن يعرفوا مما يعاني أو يشكو. فمؤخرًا، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي حادثة قتل زوجة وأم مسيحية عانت لعشرين عامًا من عنف زوجي بررته الكنيسة بـ”الصليب الذي يجب أن تحمله هي وأبناؤها الأربعة”، حتى قتلها زوجها في يوم شتوي بارد دون أن يرف له جفن. ثم ظهر من جديد نفس هؤلاء الآباء في صورة واحدة مع أبناء المغدورة، يشهرون صلبانهم في وجه الكاميرات وتحاوطهم الأيقونات من كل جانب. كما ظهرت قصة مهرائيل، الفتاة التي ضربها زوجها لعشر ساعات متواصلة، إلى جانب آمال نفسها التي لم تجد حلاً سوى أن تكتب عن معاناتها على صفحتها الشخصية، ومنها تواصلنا سويًا.
تعكس هذه الحكايات المؤلمة ما تحدثت عنه المحامية عزة سليمان، بشأن جهود مؤسستها في التعامل مع قضايا النساء المسيحيات، لأنهن الحلقة الأضعف، لا سيما ما يتعلق بالصعوبات الناتجة عن التشبث ببند “لا طلاق إلا لعلة الزنا”. وتقول: “مؤسسة قضايا المرأة كانت شاهدة على تجارب مؤلمة عاشتها نساء مسيحيات كثيرات، حيث يتعرضن لعنف شديد، لكن بعضهن يتراجعن عن تقديم بلاغات رسمية بسبب اعتقاد راسخ يدعو للتصالح، انطلاقًا من أن المسيحية لا تبيح الطلاق. كما أن بعض النساء يكتشفن لاحقًا أن أزواجهن يواجهون مشكلات كبيرة، وغالبًا ما يتواطأ الأهل في إخفاء تلك الحقائق. من بين القضايا التي نتابعها حالة ‘آنسة’ متزوجة تحاول منذ ثمانية أعوام الحصول على الطلاق بسبب مشكلات صحية يعاني منها زوجها. وتبقى قضايا الطلاق من أعقد القضايا التي نعمل عليها، لأنها ترتبط بتفاصيل أسرية شديدة الحساسية والتعقيد”.

في نهاية مكالمتنا معًا، تبكي آمال وتقول: “اعتبرك مثل أختي وأحكي بصراحة، أي دين هذا الذي يجبر المرأة على الاستمرار في حياة كهذه؟ فكرت كثيرًا في الانتحار، لكن لدي طفلين أعولهم وأعتني بهم لأن والدهم بطبيعة الحال لم يكن ينفق علينا جنيهًا واحدًا. أريد حلاً، أريد أن يعرف الناس معاناتي”. ثم تختم حديثها المحزن بسخرية من نفسها: “كنت مغيبة، أسمع كلام الكنيسة وهي تقول لي: عيطي واغسلي أرض الكنيسة بدموعك علشان ربنا يغير جوزك. أنا زعلانة أني كنت عبيطة أوي كده!”.
