كأنهم تماثيل من شمع، ملامحهم بغير ملامح، وعيونهم باردة خاوية ميتةٌ نظراتها، لا يكترثون لشيء، ولا يأبهون بأحد، يمشون مشيةً ميكانيكية “روبوتية”؛ محض أشياء تتحرك وليسوا بشرًا.
كذلك حدثتني نفسي، إذ كنت أقطع الأزقة المتعرجة الملتوية، سيرًا على قدميَّ، وحيدًا في تلك الليلة البعيدة، من خريف عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين.
ذهبت إلى العاصمة الألبانية “تيرانا” آنذاك، بالتزامن مع حرب البلقان، مراسلًا صحفيًا لبيتي الصحفي الأول؛ البيان الإماراتية، ومكثت هنالك واحدًا وعشرين يومًا، في مخيم للنازحين من إقليم كوسوفو، عقب مجزرة “سربرنيتسا”.
بعد رحلة شاقة على متن طائرة شحن، استغرقت نحو عشر ساعات مرورًا بالعاصمة اليونانية أثينا، حتى وصلت إلى تيرانا، قررت أن أبيت ليلتي في فندق، حتى أستريح من وعثاء السفر، وأحصل على قسط من النوم، ومن ثم أبدأ عملي في الصباح التالي.
في الفندق الذي بلغ سعر الليلة الواحدة فيه، مائة وعشرين دولارًا أمريكيًا، طلبت فنجان قهوة تركية، فأجابتني موظفة عشرينية رثة الثياب، بإنجليزية ركيكة، فيها شيء من المط والتطويل على غرار اللكنة الإيطالية: “نصنع القهوة الفرنسية فقط”.

حسنًا.. لا بأس بالفرنسية، أريدها ثقيلةً مع نصف ملعقة سكر، بادرتني: ماكينة صنع القهوة معطلة، لدينا مشروب وطني يشبه الويسكي.
وماذا عن الطعام؟ إنني أتضور جوعًا، قالت: المطبخ تحت الصيانة.
كظمت غيظي، وبدّلت ملابسي بعد أن استحممت فاكتشفت أيضًا، أن سخان غرفتي معطَّل، ما حدا بي إلى التقافز والتراقص، مع إطلاق صرخات حماسية، على سبيل التحميس، تحت حبيبات المياه الباردة، في ذلك الطقس شديد البرودة، على الأقل بالنسبة لعربي، ناهيك عن أنه قادم من جحيم الخليج.
أحلام الغريب في بلاد الفرنجة
خرجت إلى الشارع طامحًا إلى أمسية أوروبية؛ سيكون جميلًا بعد رحلة شاقة، كنت خلالها محشورًا بين جبال من المساعدات المكدسة، إلى درجة أنني لم أستطع فرد رجلي، أن أشاهد عرضا مسرحيًا، أو أسهر فى مقهى، بصحبة شقراء كالزُبدة ذات عينين زرقاوين، تشاطر غريبًا العشاء والثرثرة، على ضوء شموع وأنغام كمنجة، أو أن “أتصعلك” فى الشوارع، “فأدردش” مع الذين لا أعرفهم ولا يعرفوننى، فأتعرف من خلالهم على المكان.
إن الجوع يعوي في جوفي، لم أذق لقمةً منذ أكثر من عشرين ساعة.
هل تعرف مطعما قريبا؟ سألت بالإنجليزية مراهقًا يرتدى الجينز، فمطّ شفتيه دلالةً على أنه لم يفهمني، وكررت السؤال مرات على آخرين وآخرين، دونما استجابة.
لا أحد يتحدث الإنجليزية في ألبانيا، وهنالك نسبة قليلة من الشباب يتقنون الإيطالية نظرًا لسفرهم إلى روما في موجات هجرة غير شرعية، وعلاقتي بالإيطالية ليست بأفضل من علاقة القارئ بالصينية.
لا بد أن أجرَّب لغة الإشارة إذن، سأشير إلى فمي وأمعائي، كأني فنان “بانتومايم”، ولا شك أن أحدًا من عابري الطريق سيستوعب ما أرمي إليه عبر الإيماءات الحركية.
الوقت يمر.. والجوع يصرخ هستيريًا، والمارة يرمقونني بعيون تفصح عن قلق عميق، أو عداء غير مبرر، لا أجد لهذا وذاك تأويلًا، يمدون شفاههم إلى الإمام، ويشيحون بوجوههم عني، كأني محض هواء.
مع الوقت تبددت أحلامي الوردية؛ لا أريد سهرة دافئة، ولا حسناء من بنات الفرنجة، ولا كمنجات، إني جائع ولا أطلب إلا ما يسد رمقي، ما هذا اليوم الأسود يا ربي؟
تدنو الساعة إلى العاشرة ليلًا، والشوارع شرعت تخلو من الحركة، لا شيء إلا حانات حقيرة، أشبه ما تكون بالخمّارات في أفلام الأبيض والأسود، والسكارى سكبوا في بطونهم الخمر الردئ حتى الثمالة، فإذا بهم بين مترنح يسير على غير هدى، وساقط على الأرض كأن عفريتًا من الجن يتخبّطه، ولسان حالهم جميعًا يتماهى في مقولة أبي النواس: “داوني بالتي كانت هي الداءُ”.
ها أنا أتسكع بدوري فاقدًا الأمل، محبطًا مُبتئسًا، وإن كنت لست ثملًا، أدلف زقاقًا قذرًا فتتابعني عيون الواقفين على النواصي، تتفحصني مليًا بريبة ووقاحة، حتى أخرج إلى ساحة أوسع نسبيًا، أقطعها لأدخل زقاقًا آخر، كأني في متاهة أو لعبة “السلم والثعبان”.
مخبزٌ.. هتفت فَرِحًا، وجدت مخبزًا، إن رغيفًا ساخنًا أو باردًا، طريًا أو ناشفًا، مع غموس أو من غير غموس قد يجدي نفعًا، كل ما أنشده في ليلتي تلك، أن أتبلغ بما يسد الرمق.
في زاوية من المخبز، اتخذت شقراء قصيرة الشعر بدينة، في منتصف الأربعينيات على نحو التحقيق مقعدًا بلاستيكيًا، وأمامها زجاجة خمر من نوع غير معروف، تعبُّ الدخان بنهمٍ، عيناها كسولتان، وفوقهما شحمةٌ ثقيلة متهدلة، لم تتحمس لمقدمي ولم تعرني اهتمامًا.
“أرابيش”.. كذلك قالت البدينة الشقراء
لجأت إلى إشارات “البانتومايم” مجددًا، أشرت بسبابتي إلى جوفي، فقهقهت من دون مناسبة، ثم قالت: “أرابيش”، فهمت أنها تعني “عربي”، أو أنت عربي، أو طعام عربي، لا يهم، ابتسمت مستبشرًا، فرفعت غطاءً من “النايلون” الرقيق عن مخبوزات ما، بدت لي صنفًا من الحلوى تشبه القطايف، سال لعابي، لكن أسرابًا من الهاموش حلَّقت من خلف “النايلون”، فإذا بي أتراجع إلى الخلف معتذرًا، فيما هي تُمطرني بطلاسم ما، أكدت نبرتها الحادة وملامحها المتجهة أنها “نوع من الشتائم الفاخرة”.
ها أنا أقطع الأزقة الملتوية كأفعى استوائية مجددًا، تُحرِّكني قوة “قصور اليأس الذاتي”، أرمق السكارى فأستنكف عن سؤالهم عن مكان أجد فيه شيئًا من الطعام.
لا بأس إنني معتاد على الجوع، لا يزعجني كثيرًا، سأعود أدراجي إلى الفندق، وسأخلد إلى النوم، و”الصباح رباح”.
صناعة الخوف
لكن مهلًا.. ها أنا إزاء سيخ شاورما، نحيل للغاية كعود قصب ممصوص، على باب متجر صغير، في زاوية من ميدان واسع نسبيًا، وأمامه شاب يبدو عربيًا؛ شاورما وعربي، طعام مألوف وذو قربى في هذه المدينة الموحشة المتجهة، لعلي سأسجد شكرًا كما يفعل لاعبو كرة القدم، حين يحرزون ضربة ترجيح حاسمة.
بائع الشاورما عراقي، له شارب عريض كث، وذراعان مفتولان، وقسمات صارمة، طلب ثمنًا نحو سبعة دولارات بالعملة المحلية الألبانية الـ”لِيك”، سددت له تسعة آلاف وسبعمائة ليك، ومع القضمة الأولى من الساندويتش، شعرت بأن شيئا من المنتجات البترولية بين أسنانى.. لكأنى أمضغ “شبشبًا” عليه توابل ثقيلة لإخفاء هويته.
لا خيارات لي، سأزدرده منشغلًا عن المذاق الردئ بالحديث إلى العراقي، فالغريب للغريب قريب، وبوسعي أن أستوضح منه أسرار انصراف الناس عني، وتوجسهم خيفةً مني.

شرع يفسر ما استُغلِّق عليَّ: إن ألبانيا ليست تنتمي إلى أوروبا إلا جغرافيًا، ذلك أن الديكتاتور أنور خليل خوجة حكمها بالحديد والنار، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولمدة أربعة عقود متصلة.
كان الرجل طاغية عتيدًا، حرَّم تدريس اللغات، وأحكم الخناق على الإعلام، وأغرق بعدئذٍ الشعب الألباني في الخرافات، ناشرًا الرعب من أن الفرنسيين والألمان والإيطاليين يتحينون الفرص لاحتلال بلاده، ومع الرعب الذي استوطن قلوب الناس، هوى بقبضته الثقيلة على رموز المعارضة، الذين جهروا برفض خرافاته، ثم مضى يجرَّف الحياة السياسية كليًا، حتى كانت المحصلة ما رأيت؛ شعبٌ جاهل فقير، يخشى الغرباء ويتوجس خيفةً منهم.
والظاهر أن الديكتاتور صدق كذبته، فإذا به يهمل الصناعة والزراعة والسياحة، وينصرف إلى إقامة الخنادق في كل مكان، حتى إن الأراضي الألبانية تضم ثلاثة أنواع من الخنادق؛ خنادق تحت الأرض، وعلى مستوى الأرض، وفوق الأرض.
وبعد رحيل الديكتاتور بثمانية أعوام، كان الفقر أطبق على خناق الشعب الجاهل، فاندلع الغضب بربريًا، وخرج الجوعى من كل فج عميق فأحرقوا المنشآت العامة، وحطموا تماثيل خوجه، وتسولت البلاد إثر ذلك اللقمة من الغرب، فما من صناعة أو زراعة أو علماء أو مفكرين، ما من شىء إلا الخنادق.
واختتم كلامه: “صدام يفعل الشىء ذاته بالعراق”.. ولم يكن هو ولا أنا نتوقع وقتئذٍ، أن تماثيل صدام ستتحطم بدورها، بعد أربع سنوات فحسب.

ودّعته شاكرًا صافحًا عن رداءة الشاورما، وأنا أفكِّر في صناعة الخوف؛ كيف تستخدم الأنظمة السلطوية الخوف لتدجين الشعوب، وإخضاع عقل الإنسان قبل جسمه لها؟
إن “الإنسان حين يُحاصر بالخوف، يتخلى عن حريته طواعيةً مقابل وهم الأمان”، كذلك يقرر الفيلسوف الألماني إريك فورم، وكذلك يبدو المشهد المصري الراهن، ونحن نرى صرخات الفزع “المُختَّلقة” من تبعات قافلة الصمود، وما يتردد بشأن مخاطر بضع مئات من الناشطين، على الأمن القومي لبلد ذي جيش عريق، وشعب في رباط إلى يوم الدين.
الخوف يصطنع طبقة من المتحمسين بغير عقل، الزاعقين الهاتفين بغير منطق، وبه ينصاع العوام، وتغدو الرواية الرسمية مهما بلغ تهافتها هي الحقيقة المطلقة، ويصير التفكير النقدي خيانة، حتى تتآكل إنسانية الإنسان، ويتحوَّل إلى شيء ما، كما كان سكان تيرانا، أو قل سكان “مدينة الخنادق”.
مسافرون نحن منذ أكثر من عقد من الزمان، في قافلة الخوف وسفينة الأحزان؛ فكيف لنا أن نبلغ مرافئ الأمان؟

مقال رائع
احسنت جدا استاذ اتمنى معرفة المزيد عن رحلة ألبانيا