عاد دير سانت كاترين إلى واجهة الجدل مرة أخرى؛ بعد صدور حكم قضائي في 28 مايو 2025، أثار كثير من التساؤلات بشأن الوضع القانوني للدير والأراضي التابعة له، وحدود السلطة الإدارية للدولة على هذا الكيان الديني التاريخي.
فبينما يحتفظ الدير بمكانة فريدة على الصعيدين الديني والتاريخي، كأحد أقدم الأديرة في العالم وموقع تراث عالمي مُدرج على قائمة اليونسكو، أعاد الحكم الأخير فتح ملف شائك ظل لسنوات محل شد وجذب بين الدولة والكنيسة اليونانية المشرفة على الدير.
أصدرت محكمة استئناف الإسماعيلية، حكمها في الدعوى المرفوعة بشأن قطع الأراضي المتنازع عليها بمحافظة جنوب سيناء. قضت بأحقية تابعي دير سانت كاترين في الانتفاع بالدير والمواقع الدينية الأثرية بمنطقة سانت كاترين مع ملكية الدولة لهذه المواقع بوصفها من الأملاك العامة.
الحكم اعتبره كثيرون خطوة ضمن مسار أوسع يهدف إلى إعادة تنظيم أوضاع الأملاك الدينية في سيناء، وفرض سلطة الدولة الكاملة على المناطق المحيطة بالموقع، تحديدًا في ظل تردد مزاعم حول قيام الرهبان ببناء مبان جديدة بتوسعات على أراضي مترامية بوضع اليد، في وقت ظللت المخاوف آخرين أعربوا عن قلقهم إزاء أن يكون مقدمة لمحاولات تقييد استقلالية الدير، بل وربما تهديدًا لمكانته التاريخية والدينية.
حركة الرهبنة في سيناء ونشأة الدير
يقع دير القديسة كاترين على سفح جبل سيناء، حيث تلقى النبي موسى الوصايا العشر، كما هو مُعتقد، ويُعد من أقدم الأديرة القائمة في العالم. شُيّد بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول ليصبح مأوى للرهبان الذين استوطنوا شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي.
يضم الدير عددًا من المكونات المعمارية والدينية البارزة، من بينها كنيسة التجلي التي تحتوي وحدها على تسع كنائس صغيرة، إلى جانب عشرة كنائس أخرى، ومرافق معيشة للرهبان، وقاعة طعام، ومعصرة زيتون، وصناديق لحفظ عظام الموتى، كما تحتوي مكتبته العريقة على مجموعة من الكتب النادرة وأكثر من ستة آلاف مخطوطة. وقد أُدرج الدير في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2002.
وتذكر دراسة بعنوان "المسيحية والحياة الرهبانية في شبه جزيرة سيناء"، أنه مع اتساع انتشار المسيحية في شبه جزيرة سيناء، بدأت مناطقها الجنوبية، لا سيما حول الأماكن التي نالت طابعًا مقدسًا لدى الجماعات المسيحية الناشئة، مثل جبل موسى ووادي الراية ‘رايثو‘، وسريال، والعليقة، التي تجذب الزوار والنُساك منذ القرن الثاني الميلادي، خاصةً بعد زيارة الإمبراطورة هيلانة وتشييدها برجين هناك.
وبالعودة إلى المراجع، نجد أن الحياة الرهبانية في جنوب سيناء شهدت ازدهارًا ملحوظًا خلال القرن السادس الميلادي؛ حيث دوّن الرحالة النسطوري كوزماس إنديكوبلوستوس، بين عامي 547 و549 ميلاديًا، وجود دير في رايثو، بل ويشير إلى أن أحد مرافقيه، ميناس، صار راهبًا فيه.
وفي السياق نفسه، وصلتنا رسالة من بطرس، بطريرك أورشليم الخلقيدوني، موجهةً إلى أسقف فاران فوتيوس، تُظهر خضوع رهبان سيناء لكرسي فاران. وبدوره، لبطريركية أورشليم الخلقيدونية، ما يعكس بوضوح ارتباط المنطقة كنسيًا بكنيسة فلسطين اليونانية.

كما نقلت لنا كتابات الراهب الدمشقي يوحنا موسخوس"550: 619"، والذي أقام في سيناء نحو عشر سنوات بين 584 و594 ميلاديًا، ضمن رحلاته المتعددة، قصصًا عن رهبان جبل سيناء -كاترين، وجولاتهم بين أورشليم وجبل سيناء في كتابه المعروف "مرج الروح".
وفي القرن السابع، يظهر دور يوحنا رئيس دير رايثو، الذي طلب من القديس يوحنا كليماكوس ‘الدرجي‘، رئيس دير جبل سيناء، أن يؤلف كتابًا إرشاديًا للرهبان، فكان عمله الشهير "سلم الفضائل"، الذي استلهم اسمه من سلم يعقوب في الكتاب المقدس، واعتمد في بنائه على كتابات القديس يوحنا كاسيان، وكانت هذه التجمعات الرهبانية تتكون في الغالب من رهبان شاميين، يغلب عليهم الانتماء العرقي الأجنبي والخلقيدونية.
وبسبب التبعية الإدارية البيزنطية التي فصلت سيناء عن مصر وضمتها لمقاطعة المشرق، خضعت هذه الأديرة للكنيسة اليونانية في فلسطين، وهو ما تكرّس أيضًا بقانون قديم يعود إلى عصر المجامع الأريوسية، يمنع سيامة أساقفة خارج الإقليم الكنسي التابع. ومن هنا ترسّخت التبعية الروحية لرهبان جبل سيناء، ورايثو ‘الطور حاليًا‘، وفاران، في البداية لكنيسة البتراء، ثم لاحقًا لبطريركية الروم الأرثوذكس ‘اليونانيون‘ في أورشليم، بعد تراجع نفوذ البتراء.
وبحلول القرن التاسع الميلادي، حمل رئيس دير سيناء لقب "رئيس أساقفة سيناء ورايثو وفاران"، في إشارة إلى سلطته الكنسية على هذه المناطق الرهبانية، واقتصرت الرهبنة في جنوب سيناء طوال العصر البيزنطي والعصور العربية على العنصر الأجنبي والذي تمثل في الرهبان اليونانيين وبعض الروس.

أما عن التسمية الدائمة للدير، باسم القديسة كاترين، فحسب ماترويه لنا سيرة سانت كاترين، القديسة التي عاشت في أواخر القرن الثالث بالإسكندرية. وكانت فتاة شديدة الجمال متعلمة ودارسة للفلسفة والعلوم، وتقدمت أمام الإمبراطور الوثني مكسيميانوس وأعلنت إيمانها بحجج فلسفية ومنطقية تدحض معتقده الوثني. لكنه أمر بتعذيبها حتى فقد الأمل في أن تتراجع بعدما عرض عليها الزواج، وأمر بقطع رأسها.
وبعد استشهادها في الإسكندرية بحوالي خمسة قرون، رأى راهب في سيناء جمع من الملائكة يحملون جثمانه ويطيرون به ويضعونه بحنان على قمة جبل في سيناء، فانطلق الراهب إلى قمة الجبل ووجد الجسد كما نظره في الرؤيا، وكان يشع منه النور. فحمله إلى كنيسة موسى النبي، ثم نُقل بعد ذلك إلى كنيسة التجلي في الدير ومنذ ذلك الوقت عُرف الدير باسم دير سانت كاترين.
اقرأ أيضًا:علمانيون ورهبان: كيف تدير "جماعة المؤمنين" الحوار فيما بينها؟ (1)
كنوز وتراث حي
أسهم الاهتمام الكبير الذي أولاه الإمبراطور جستنيان في إبراز دير سانت كاترين تحفة معمارية فنية فريدة ومتميزة. إذ يضم الدير في داخله مجموعة من الكنائس، ومعصرة زيتون، ومعمل لإنتاج السبرتو، ومطحنة للحبوب، وفرنًا، ومطبخًا، وقاعة للطعام، بالإضافة إلى مسجد يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي.
كما توجد بالدير واحدة من أهم المكتبات في العالم بعد مكتبة الفاتيكان، نظرًا لما تحتويه من مخطوطات نادرة، عطفًا على أن الدير يضم مجموعة نادرة وفريدة من الكنوز الأيقونية البيزنطية الرائعة، يعود بعضها إلى القرن السادس الميلادي. ما يجعله من الأماكن القليلة التي تحتفظ بهذا النوع من الأيقونات، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة، نظرًا لأن معظم الأيقونات البيزنطية تعرضت للتدمير التام خلال ما عُرف تاريخيًا بحركة تحطيم الأيقونات، التي اجتاحت العالم البيزنطي بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين.
ويذكر الدكتور عبداللطيف إبراهيم، أستاذ الوثائق، أن مكتبة دير سانت كاترين تحتوي على 1702 وثيقة، ما يمنحها مكانة متميزة بين الوثائق التاريخية، سواء من حيث الكم أو القيمة العلمية، خاصة في دراسة تاريخ القانون. ويُلاحظ أن معظم ما نُشر من وثائق الدير، سواء داخل مصر أو خارجها، يندرج تحت نوعين رئيسيين: "العهود والمراسيم الصادرة في العصور الوسطى، والفرمانات والأوامر الإدارية التي تعود إلى الحقبة العثمانية".

أما عن عدد المخطوطات فيقول الدكتور مراد كامل أن عددهم 4500 مخطوطة باللغات المختلفة منهم 2319 مخطوطة يونانية أقدمها يعود للقرن الثامن وأحدثها للقرن التاسع عشر. بينما بلغ عدد المخطوطات العربية 601 مخطوطة يعودوا إلى القرن التاسع والتاسع عشر.
تضم هذه المجموعة مخطوطات نادرة فريدة، يذكر منها المخطوطة رقم 514، التي أطلقت عليها البعثة الأمريكية "ابن البعثة الذى يقدر بمليون دولار" وهي مخطوطة تقع في 175ورقة مُحيت كتابتها أكثر من مرة. ففي بعض صفحاتها دليل على أن هناك طبقة باليونانية ترجع إلى القرن الرابع، ثم طبقة أخرى عليها بالسريانية ترجع إلى القرن الخامس، وطبقة أخرى إضافية بالسريانية ترجع إلى القرن السابع، ثم طبقة بالعربية ترجع إلى القرن الثامن، ثم الطبقة الظاهرة وترجع إلى القرن التاسع ومكتوبة بالخط الكوفي.
هذه هي المرة الأولى التي تُعرف فيها مخطوطة ممحوة كُتبت عدة مرات، وتضم المجموعة العربية مخطوطات مكتوبة بالخط الكوفي من القرن التاسع والعاشر والحادي عشر الميلادي. وتُعتبر أقدم ما وصلنا فى ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية. ويذكر الدكتور أحمد عيسى في دراسته المعنونة بـ "مخطوطات ووثائق دير سانت كاترين" أنه كان أحد أعضاء بعثة مصرية أمريكية لتصوير مخطوطات الدير.
ومن أبرز مايضمه الدير كان: مخطوطات عربية قديمة تعود إلى القرنين الثالث والرابع الهجري: "نسختان من الأناجيل الأربعة مكتوبتان بالخط الكوفي"، المخطوطة الأولى مؤرخة بسنة 284 هجريًا، وتضم إلى جانب الأناجيل مقالتين لإبي قرة وباسيليوس القديس، ومزينة بالحبر الأحمر والأسود.
أما الثانية، فتعود لسنة 392 هجريًا، وتحتوي على رسالة فلسفية ضد الدهريين في نصفها الثاني، بالإضافة إلى الزخارف والرسوم، فالعديد من المخطوطات مزينة برسوم ذات طابع إسلامي، ما يشير إلى تأثير فني متبادل بين المسلمين والمسيحيين، وربما مشاركة مزوقين مسلمين في تنفيذها.
وأهم ما أشار إليه الدكتور أحمد كان تعدد اللغات، حيث تضم المجموعة مخطوطات بعدة لغات: اليونانية، والعربية، والسريانية، والجورجية، والتركية، والسلافية، والقبطية، والحبشية. إضافةً إلى التوقيعات السلطانية، والتي تشمل منشورات رسمية تعود إلى العصر الفاطمي، تحتوي على أوامر من الخلفاء والسلاطين لحماية رهبان الدير وضمان أمنهم وممتلكاتهم. وتتميز هذه المنشورات بوجود علامة سلطانية في فراغ واضح، تليها نصوص الأوامر وتوقيعات رجال الدولة.
اقرأ أيضًا:علمانيون ورهبان: كيف أدار الأراخنة شؤون المسيحيين ما قبل سيطرة البطاركة؟ (2)
تهديدات قديمة
ارتبطت نشأة التجمعات النسكية بجبل سيناء في جذورها، بتأثير النُساك القادمين من سوريا الكبرى، الذين لجأوا إلى سيناء هربًا من الاضطهاد الوثني، وطلبًا للبركة في هذه المواضع المقدسة، مستفيدين من حرية التنقل داخل أراضي الإمبراطورية الرومانية آنذاك، لكن المفارقة أن هؤلاء النساك، الذين فروا من اضطهاد "الحضر"، وجدوا أنفسهم في مواجهة تهديد مستمر من القبائل البدوية، الذين شنوا غارات على التجمعات الرهبانية، وارتكبوا مذابح ضدهم مثل قتل 43 راهبًا من رهبان رايثو، فيما عُرف لاحقًا بـ"شهداء رايثو"، وأمام هذا الخطر، لجأ الرهبان إلى الإمبراطور جستنيان، الذي أمر ببناء حصن لحمايتهم، والذي تطور لاحقًا إلى ما يُعرف اليوم بـ"دير سانت كاترين".
لم يسلم الدير من التهديدات المتكررة عبر العصور فيما بعد، وتحديدًا تلك التي شكلها العُربان، رغم أن العلاقة بينهم وبين الدير شهدت أحيانًا فترات من التعاون والمودة. وتشير دراسة عمر جمال إلى أن العُربان استولوا على أراضٍ في منطقة الطور بوضع اليد، وتوارثوها، في ظل تغاضٍ من سلطات المماليك التي سمحت لهم بذلك مقابل توليهم مهام حفظ الأمن وتأمين القوافل.
ومع ذلك، لم يتردد العربان في شن غارات على الدير، فتعرضت ممتلكاته ورهبانه للاعتداء، وامتدت هجماتهم كذلك إلى الحجاج المتجهين إليه، حيث نهبوا ما بحوزتهم في أكثر من مناسبة، وصلت هذا التهديد ذروته بمقتل رئيس الدير الراهب مقاري على يد أحد العربان في عام 1514.

كشفت إحدى الوثائق بالدير التي عرضتها دراسة عمر جمال، عن محضر إشهاد شرعي عٌقد في المدرسة الصالحية بالقاهرة، تضمن دعوى قضائية رفعها الراهب أنطونيا ضد محمد بن عبدالقادر بن عليق، من عربان أولاد علي، يتهمه بقتل رئيس الدير بعد أن ضربه على رأسه وأحرق باب الدير وتعدى على الرهبان وأذاهم. يكشف مضمون الدعوى التطور الخطير وربما الأعنف الذي تعرضت له علاقة العُربان برهبان الدير، وظلت العلاقة على هذا الحال بين تعاون قليل وعدائية كثيرة أدت في مرات لخسارة أحد الرهبان أو جزء من ممتلكات الدير.
الأزمة الراهنة
بدأت أزمة أراضي دير سانت كاترين منذ عام 2012، حين تقدم اللواء أحمد رجائي بدعوى تضم عدد من الأطراف أبرزهم رئاسة الدير، واتهمهم بالمسؤولية عن تعدي الأجانب على 20% من مساحة جنوب سيناء، في محمية سانت كاترين بالمخالفة للقانون. وأكدت مذكرة الدعوى أن الاعتداءات على المناطق الأثرية تقع من الرهبان الأجانب، وخاصة ممن يحملون الجنسية اليونانية والذين غيروا في معالم المنطقة، بإقامة 6 بنايات عليها و تطويقها بالأسوار والزراعات، وتغيير أسماء أودية المنطقة والسماح بتوافد أجانب للإقامة بها، ما يعد تهديدًا للأمن القومي.
أحال القضاء الإداري الدعوى وقتذاك إلى مفوضي الدولة للبحث فيها. ثم توالت عدد من الدعاوى القضائية التي طالبت وقتها بهدم الدير بدعوى تعديه على بعض المناطق الأثرية المحيطة به، وكذا اتهام رهبانه بالعمالة للموساد الاسرائيلى والاتحاد الأوروبي كما حذر آخرون من استمرار وجودهم داخل الدير وجعله مستعمرة يونانية تهدد الأمن القومي المصري.
وفي عام 2014 كتب الدكتور مصطفى الفقي مطالبًا بنزع ملكية الرهبان للدير قائلًا: "إن وجود مستعمرة أجنبية في سيناء وضع لا يرضي أحد"، وأشار في مقالته المنشورة على موقع اليوم السابع: "كنت أتصور أن يقع الدير وملحقاته وحتى توسعاته تحت سيطرة الكنيسة الوطنية المصرية وهى ‘الكنيسة الأرثوذكسية‘ لأنها فى النهاية كنيسة مصرية تحوز أرضًا مصرية بدلًا من وجود مستعمرة أجنبية فى وسط سيناء، فالوضع الحالي لا يرضى مصريًا وطنيًا غيورًا على أرضه. وظلت الدعاوى القضائية منذ ذلك الوقت مستمرة ضد الدير وتبعيته الإدارية، وشهد حكم الإخوان المسلمين وحده أكثر من 71 دعوى قضائية تطالب بهدم الدير وترحيل رهبانه.
دخلت الأزمة منحنى جديد حين تم الإعلان في 2021، عن مشروع التجلي الأعظم يهدف إلى إنشاء أكثر من 14 مشروعًا، في الجبال المحيطة بوادي طوى بمحافظة جنوب سيناء. وذلك بغية تحويل المنطقة إلى ملتقى يجمع أبناء الديانات السماوية، وبالرغم من أن الدولة أكدت مرارًا أنها سوف تراعي عدم المساس بموقع الوادى المقدس والدير.
وكذلك الجزء الرئيسي من المحمية الطبيعية، والتأكيد على عدم إقامة أي مبانِ بهذه المواقع، حفاظًا على قدسية وأثرية هذه المواقع، إلا أن المشروع أثار تخوفات البعض فيما يخص الدير والمناطق التابعة له، حيث نشرت منظمات حقوقية في نداءات عاجلة أن المشروع تسبب بالفعل في مستويات خطيرة من الدمار الذي لا رجعة فيه للطبيعة والبيئة والنظم البيئية والتراث وسيلحق أضرارًا جسيمة بالدير.
تجددت أزمة الدير والأراضي التابعة له والمنشأت التي أقيمت عليها خلال السنوات الماضية بحكم المحكمة الصادر منذ أيام في 29 مايو، من محكمة الإسماعيلية، والذي ينص على حق الانتفاع للرهبان بالدير. وأكدت المحكمة أيضًا أن هذه المواقع تبقى ملكًا للدولة كجزء من الأملاك العامة المصرية. الأمر الذي استدعى نقاشًا جادًا حول مدى الاعتراف أو الوعي بخصوصية الدير من حيث نشأته وتاريخه وتبعيته الإدارية أو الروحية، كما أثار استخدام مصطلح حق الانتفاع مخاوف البعض حول مستقبل تعاون الدولة المصرية مع الدير ورهبانه إنطلاقًا من مفهوم المنح والمنع.
اقرأ أيضًا:علمانيون ورهبان: من قاد التغيير في الكنيسة الأرثوذكسية؟(3)
استنكار ديني واسع ومحاولات لاحتواء الأزمة
حذر رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان، إيرونيموس الثاني بخصوص الحكم الصادر باعتباره انتهاكًا خطيرًا للحريات الإنسانية والدينية، مؤكدًا: "أن الدير يمر بمحنة عظيمة تٌذكرنا بأوقات مظلمة في التاريخ" كما أشار في بيانٍ رسمي إلى خطورة مصادرة ممتلكات الدير والمنارة الروحية للأرثوذكسية واليونانية.
كما دعى الحكومة اليونانية والهيئات الدولية إلى إدراك حجم هذا الخطر، واتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الحريات الدينية الأساسية في دير سيناء المقدس، كما أصدرت بطريركية الروم الأرثوذكس الأورشليمية، بيانًا أدانت فيه الحكم الصادر، وأكدت سلطتها الكنسية على الدير، كونه يقع تحت حمايتها التامة، ومن واجبها المقدس ضمان استمرار العبادة المسيحية على هذه الأرض المقدسة، كما كانت عليه الحال منذ سبعة عشر قرنًا.
وأدانت أي انتهاك للوضع المادي أو القضائي لأماكن عبادتها، وأضافت: "علاوة على ذلك، تتمسك بطريركية الروم الأرثوذكس الأورشليمية بقوة بحق ممارسة العبادة وإقامة الشعائر الدينية بأمان وحرية، ويتطلب هذا وصولًا وممرًا آمنًا للحجاج إلى مواقعنا المقدسة. فهذه مسألةُ حرية ممارسة العبادة.
كما تحدث المطران داميانوس، رئيس أساقفة سيناء وفران ورايثو، ورئيس دير القديسة كاترين لصحيفة ناشيونال هيرالد، وقال أن المحكمة اعتبرته هو ورهبان الدير ببساطة مجرد "محتلين"، متجاهلين وجودهم هناك منذ خمسة عشر قرنًا، وصرح: "منذ أكثر من عشر سنوات، نتردد على المحاكم، لأن حقنا في ملكية هذه الأرض القاحلة -التي لطالما اعتبرناها ملكًا لنا وورثناها عن أهل القداسة- يُنكر.
هذه أماكن مقدسة يزورها الناس من جميع أنحاء العالم، وتستفيد منها الحكومة المصرية؛ ومع ذلك لا ترغب في الاعتراف بها ملكًا لنا، هذه ضربة موجعة لنا، وعارٌ علينا، نريد الاستمرار في إدارة ما حفظناه لقرون، بتكلفة باهظة، ومن أموالنا الخاصة. والآن تأتي دائرة الأثار لتملي علينا فقط مايجب أن نفعله.
فيما نشر المتحدث باسم رئاسة الجمهورية بيانًا رسميًا: "إن رئاسة الجمهورية تعاود التأكيد على الالتزام الكامل بالحفاظ على المكانة الدينية الفريدة والمقدسة لدير سانت كاترين، وعدم المساس بهذه المكانة، وتؤكد أن الحكم القضائى الصادر مؤخرًا يُرسخ هذه المكانة. كما يتسق الحكم القضائي مع ما أكده السيد رئيس الجمهورية خلال زيارة سيادته لأثينا مؤخرًا يوم ٧ مايو الماضي. وتؤكد كذلك على أهمية الحفاظ على العلاقات الوثيقة والأخوية التي تربط بين البلدين والشعبين الشقيقين وعدم المساس بها، وأعاد الرئيس عبدالفتاح السيسي في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس" التأكيد على المكانة الدينية للدير وعدم المساس بها.
اقرأ أيضًا:صلّي وتحملي زوجكِ.. تجميل العبودية بالقداسة
إعادة هندسة
ما أثاره الحُكم لا يقتصر فقط على المساحة التي تم رفض الاعتراف بملكيتها، بل يتجاوزها إلى مسألة حتمية أخرى، ويُثير تساؤل: "هل ما يزال للدير خصوصية؟!"
يخشى مدونون، أن تكون خطوة ضمن نمط متكرر من إحكام القبضة على الممتلكات الدينية المستقلة، سواء كانت مسيحية أو إسلامية.
كما يرى البعض أن الدولة تحاول إعادة هندسة علاقتها بالمؤسسات الدينية، ليس فقط من حيث الخطاب الديني، بل من حيث الموارد والممتلكات، فمنذ سنوات، تتجه الدولة المصرية إلى إعادة رسم علاقاتها بالمؤسسات الدينية – الإسلامية والمسيحية - بهدف إخضاع المجال الديني لمنطق الدولة المركزية.
وفي هذا السياق، تبرز أزمة دير سانت كاترين كنموذج إذ تسعى الدولة إلى فرض سيادتها القانونية الحديثة على كيان ديني يمتد عمره لأكثر من 1500 عام، ويتبع الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، ما يضيف طبقات من التعقيد التاريخي والديني والرمزي تتجاوز حدود السيادة الوطنية التقليدية، كما أن غياب قانون متخصص ينظم وضع الأديرة والأماكن المقدسة يفتح الباب أمام تدخلات مستمرة ستظل تهديدًا مباشرًا مالم يتم تنظيمها.

لا يقتصر هذا التوجه على المؤسسات المسيحية فقط، بل يمتد بوضوح إلى الإسلامية أيضًا، وتحديدًا إلى أملاك وزارة الأوقاف، التي تشهد تحركات حثيثة نحو إعادة تنظيمها وتحويلها إلى فكرة استثمارية، ففي الاجتماع الأخير بين رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، بحضور رئيس هيئة الأوقاف، تم التأكيد على ضرورة الحصر الشامل والمميكن لأملاك الهيئة، وطرحها للشراكة مع القطاع الخاص بهدف تعظيم العوائد وتعزيز كفاءة الإدارة.
ويعكس هذا التوجه رؤية اقتصادية محضة للمجال الديني، يتم التعامل فيها مع أصول الأوقاف كمجرد "فرص استثمارية" ينبغي استغلالها بأقصى قدر من الربحية، في ظل غياب أي نقاش حقيقي حول البعد الوقفي الخيري والاجتماعي والروحي لهذه الأملاك.
ما يثيره حكم المحكمة الأخير بشأن أراضي دير سانت كاترين ليس مجرد جدل قانوني أو نزاع تاريخي، بل يكشف عن الحاجة الملحة لفهم أكثر دقة وتعقيدًا لطبيعة ملكية الدير وأراضيه، فما هي الأراضي التي تعود ملكيتها القانونية للدير؟ وما الفرق بين الملكية الكاملة وحق الانتفاع؟ وماذا يعني التحول من أحدهما إلى الآخر في السياق القانوني والإداري والتاريخي؟ وكيف سيتم التعامل مع المنشآت والكنائس التي أُقيمت خلال العقود الأخيرة على الأراضي المحيطة بالدير؟
كلها أسئلة مشروعة وضرورية لفهم الحاضر والتخطيط للمستقبل، خاصة وأن الحديث عن "منطقة الدير" لا يتعلق فقط ببقعة جغرافية، بل بموقع ديني وثقافي بالغ الحساسية، تتداخل فيه اعتبارات الروحانيات بالسيادة، والتاريخ بالإدارة، والمقدّس بالقانون، من هنا، يصبح فتح هذا الملف بمزيد من الشفافية والتوثيق التاريخي والقانوني خطوة لا بد منها، ليس فقط لحسم الخلافات، بل لضمان إدارة رشيدة لمنطقة ذات خصوصية نادرة على كافة المستويات.
بكل اسف كاتب المقال يستعمل عبارة (الكنيسه اليونانيه )
وهذا خطاء فادح وتزوير للتاريخ والواقع
على كاتب المقال ان يكون صادق مع نفسه اولا
والا فإنه يصنف من الذين يوزرون الحقيقه