في الليل، يجافي النوم عيني نادية شُراب، من خان يونس في قطاع غزة، بسبب نظرات الذبول في عيني طفلتها وجسدها النحيل الجائع. “كأن جزءًا من روحك يتلاشى مع كل يوم بلا طعام كافٍ”؛ تقول لـ فكر تاني.
في غزة، وتحت وطأة حصار خانق وإبادة مستمرة، تفاقمت كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث بات شبح المجاعة يهدد ملايين السكان، بينما يواجه العمل الإغاثي تحديات وجودية غير مسبوقة تهدد بإيقافه بالكامل.
منذ نحو شهرين، أغلق الاحتلال الإسرائيلي كل المعابر، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى تدهور الوضع الإنساني بشكل حاد، وانتشار الفوضى والسرقات. ترافق ذلك مع نقص حاد في السيولة النقدية، ما أثر بشكل مباشر على قدرة السكان على البقاء، وقدرة المنظمات على تقديم الدعم الضروري.
ولم يوافق الاحتلال على إدخال المساعدات إلى القطاع إلا اليوم الإثنين، وبعد ضغط أمريكي متواصل مع وصول الوضع الإنساني إلى مراحل حرجة. ومع ذلك، قال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن القرار جاء بناءً على توصية من الجيش لتوسيع العملية العسكرية؛ ما يعني أن الآلية الجديدة لإدخال المساعدات قد توفر غطاءً لاستمرار الحصار الجغرافي ومواصلة الإبادة.
للاستماع إلى بودكاست خاص حول ما جاء بهذا التقرير:

في غزة.. مجاعة متفاقمة
“يا أمي، جعانة”. تخترق كلمات الصغيرة قلب نادية كسهام حارقة.
“طب احنا كبار وبنتحمل لكن شو ذنب الطفلة الصغيرة وكل الأطفال. إحساس الجوع مؤلم وقاسي.. بتحس بثقل في أطرافك، وعقلك بيصير مشوش.. لا تُفكر غير في لقمة خبز”.
بحسب تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، فما يقرب من نصف مليون فلسطيني يعانون من مستويات “كارثية” من الجوع، أي يواجهون خطر الموت جوعًا، بينما يعاني مليون شخص آخرون من مستويات جوع “طارئة”.
ووفق مقابلات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، فإنّ 62% يتناولون وجبة واحدة يوميًا، و38% يتناولون وجبتين، بينما لا يتناول أي من السكان ثلاث وجبات يوميًا. وأعلنت أن مخازنها أصبحت فارغة، وما تبقى “قليل من القليل” تحاول الكوادر توزيعه على الآلاف المحتاجين.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 60% من أطفال غزة يعانون من سوء تغذية حاد، ما أدى لوفاة 55 طفلًا حتى الآن. ويشمل النقص الدواء والمياه النظيفة والوقود والمستلزمات الطبية. هذا الوضع يأتي في إطار خطة إسرائيلية متعمدة، فقد قال وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، صراحةً: “لن نُدخل حبة قمح واحدة إلى غزة”.
اقرأ أيضًا: غزة في قلب العجز العربي.. لماذا نفشل في حماية أمننا الإقليمي؟
التكايا.. مطابخ مجتمعية تحت النيران
منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، لعبت التكايا (المطابخ المجتمعية) والمبادرات الخيرية المعتمدة على تبرعات من الخارج دورًا كبيرًا في إسناد سكان القطاع وتأخير المجاعة. هذه المبادرات، تواجه تحديات تشغيلية هائلة في الحصول على المواد الغذائية والوقود بسبب ارتفاع الأسعار وشحها.

ويتوقع مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، توقف جميع التكايا الخيرية في غزة بسبب تشديد الحصار، مشيرًا إلى أن “ما يوزع الآن هو مجرد طبق أرز لعائلتين أو أكثر هدفه إبقاؤهم على قيد الحياة فقط”.
تقول نادية إن توقف التكية التي كانت تعتمد عليها لإطعام طفلتها فاقم من معاناتها.
التكايا، وخاصة قرب مخيمات النزوح “لعبت دورًا مهولًا جدًا”، على حد تعبير بهاء شاهرة، وهو صاحب مبادرة أهلية لإسناد المنكوبين في القطاع. ورغم أن الطعام المقدم لم يكن بالجودة الكافية “مثل الأرز المطبوخ بالماء والزيت فقط دون بهارات، أو العدس فقط، إلا أنه ساعد في إسناد الأسر”.
ويوضح شاهرة لـ فكر تاني أن التكايا “في بدايات النزوح والحرب اعتمدت عليها العائلات التي عدد أفرادها كبير فقط، لكن مع تفاقم المجاعة صارت شريان حياة للجميع. كان الأول الناس تنحرج تقف في طابور لتاكل لكن الآن صار فِش حل تاني وصرت مضطر تحط كرامتك على جنب”.
ويقول عزيز المصري، الباحث الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي، لـ فكر تاني، إنه تاريخيًا لم تكن في قطاع غزة تكايا منتشرة، فأغلبية السكان في غزة كان لديهم اكتفاء ذاتي ومنطقي من الطعام والشراب “أما العمل الخيري الأهلي فهو متواجد منذ سنوات طويلة، وجزء منه تابع للفصائل الفلسطينية، وخاصة الإسلامية مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بينما الجزء الآخر تابع لجمعيات خيرية إقليمية لها مكاتب في غزة”.
يصف شاهرة كيف بدأت مجهوداته في هذه الحرب مع تفاقم الحاجة والنزوح الهائل الذي حدث اعتبارًا من ديسمبر 2023. ويشير إلى أن بيروقراطية المؤسسات الإغاثية الكبيرة وبطء استجابتها، مثل انتظار النازحين الحصول على خيمة لمدة شهر وأكثر، دفعت الشباب المحليين لتولي عمل داخلي عاجل.
تمكنت مبادرة شاهرة من بناء قاعدة بيانات لما يقارب 25 ألف شخص، عبر المناشدات المرسلة في جروبات تواصل بمناطق متفرقة من القطاع، وركزت على توفير الأدوية والملابس والطعام منذ بداية الحرب.
يؤكد بهاء، وهو من سكان دير البلح بالمحافظة الوسطى، أنهم يختارون دائمًا “التخصصات اللي محدش بيتذكرها، مثل الأدوية النفسية التي كانت غير متوفرة تمامًا في البداية. كان محدش مهتم فيها، محدش بجيبها أساسًا، ولما صرنا نوفرها لأنه أنت بتحكي عن أمراض نفسية مزمنة، كنا نوفرها بشكل دائم إلى حين ما انقطعت من الأسواق ولم يعد لها وجود”.
كما ركزت مبادرته، القائمة من ستة أشخاص، على النساء المعيلات، مثل زوجات الشهداء اللاتي لا سند لهن وأطفالهن، “للأسف الفصائلية تمنع تمامًا أي مساعدة من أي جهة فصائلية لأي جهة فصائلية أخرى، وبالتالي كان فيه صعوبة كبيرة لهدول النساء إنهن يوفروا احتياجات أولادهن”.
ومن الاحتياجات المهملة الأخرى التي عملوا على توفيرها الفوط الصحية النسائية التي منع الاحتلال دخولها في بداية الحرب، إمعانًا في إهانة النساء “اضطرينا إنه ننزل على السوق نشتري كميات مهولة لأنه بدأت النساء تشتري حبوب منع الحمل عشان تأخر الدورة الشهرية، وهذا الشيء هرمونيًا خطر على صحتهن، وضلت منقطعة الأمور إلى حد شهر مايو 2024 لحد ما انتبهت المؤسسات النسوية أخيرًا إنه لازم ندخل فوط صحية وشغلات زي هيك للنساء”.
اقرأ أيضًا: غزة الوحيدة.. كيف يُكتب السطر الأخير في قصة الإبادة؟

استهداف مباشر وفوضى تعيق التوزيع
تواجه هذه المبادرات الإغاثية عقبات قاتلة، أبرزها استهداف الاحتلال للتكايا والقائمين على تأمينها، فمنذ مارس وحتى الأول من أبريل الماضي، قصف الجيش الإسرائيلي أكثر من 60 تكية طعام ومركزًا لتوزيع المساعدات وأخرجهم عن الخدمة. كما استهدف عناصر التأمين والحماية، فمنذ بداية الحرب وحتى نهاية عام 2024، قُتل 728 من عناصر تأمين المساعدات.
هذا الاستهداف المباشر أعاق قدرة المتطوعين على العمل وخلق بيئة من الخوف وعدم الأمان، بحسب محمد بكر، صاحب مبادرة لإنشاء تكية في مخيم الشاطئ. ويقول لـ فكر تاني إنه مؤخرًا انتشرت حوادث السرقة على مخازن مؤسسات خيرية “الناس سرقوها ونهبوها، والمخابز هجموا عليها وأخذوا الطحين من جواتها”. هذه الفوضى أدت إلى حرمان الفئات الأكثر ضعفًا وكبار السن والأطفال والمرضى من المساعدات.
“الفلتان الأمني صار كبير”، على حد وصف محمد بكر، حتى أن “الكل معاه سلاح.. معاه قطعة بروح بطخ عالناس وبياخذ مخازنهم خاوة (أي بالقوة)، وبياخذ الأغراض من دورهم خاوة”.
يرى البعض أن هذه الفوضى ليست مجرد جوع، بل مدفوعة من قبل “عملاء” للاحتلال لإحداث القلق والإرباك، وفق تعبير بكر، الذي يشير إلى أن من يحمل سلاحًا باهظ الثمن ويطلق النار “مش جعان. قطعة سلاح حقها مثلًا 3 أو 4 آلاف دولار، فبيطخ كمان بيجي بـ 500 دولار بـ 1000 دولار، يبقى أكيد مش جعان وإنما عميل”.
“تأثير الفوضى امتد ليطال حركة البضائع الأساسية”؛ يذكر عبد الله ناصر، صاحب تكية ومبادرة خيرية في حي الشجاعية شمالي القطاع، أن “الحرامية صاروا على الطرقات يسرقوا أي شاحنات بتمر تبع التجار، فبطلوا التجار يجيبوا بضاعة عالشمال بسبب السرقات”.
كما يواجه صعوبة كبيرة في التنقل لإيصال المساعدات “نضطر أننا إما نقطع مسافات طويلة من المشي، أو أننا نركب كارو لنصل للمنطقة التي بدنا نساعد ناس فيها”، يشير ناصر لـ فكر تاني.
“الجوع كان سببًا للسرقة، لكن بعض العصابات والعائلات المشبوهة وعملاء الاحتلال لهم دور سلبي في نهب شاحنات ومخازن المساعدات وبيعها في الأسواق بعشرة أضعاف سعرها.. هذه السرقات كانت تتم في كثير من الأحيان بحماية جيش الاحتلال”؛ يشير عزيز المصري، المتخصص في الشأن الإسرائيلي.
اقرأ أيضًا: بضوء أخضر أمريكي.. إسرائيل تستأنف الحرب على غزة
أسعار خرافية وشح في السلع
“الأسعار تتغير بسرعة فائقة. أنت بين الساعة والساعة مش بين اليوم واليوم بيتغير السعر، اشتريت كيلو بندورة بـ30 شيكل بعد ساعة اشتراه ابن خالتي بـ40 شيكل”؛ يوضح بهاء شاهرة.
ارتفعت أسعار أغلب المواد الأساسية والخضروات عشرات الأضعاف، مثل كيس الطحين (دقيق القمح) وزن 25 كيلوجرامًا، والذي تراوح سعره بين 235 و520 دولارا أمريكيًا، مرتفعًا بنسبة 3000%، إلا أنه اختفى تمامًا من القطاع مؤخرًا، ما دفع الناس للجوء إلى طحن المعكرونة والعدس كبديل “حمّصت العدس وطحنته وعملتوا دُقّة لياكلوا عيالي. والله لولا العدس لمُتنا من الجوع”؛ يقول بكر.
كما اختفت من القطاع اللحوم والدواجن والبيض ولبن الأطفال وغالبية أنواع الفواكه، فضلًا عن غاز الطهي، والمكملات الغذائية للرضع التي أصبحت غير متوفرة. وحتى المياه أصبحت سلعة باهظة “سعر الألف لتر 150 شيكل في بعض المناطق، وتكلفة سيارة المياه (6 أو 7 آلاف لتر) تتراوح بين 900 و1050 شيكل”، بحسب مصطفى كيلاني من حي بيت لاهيا، شمالي القطاع.

يصف بكر لـ فكر تاني كيف يضطر للمشي لمسافة 2 كيلومتر والوقوف في الدور من الصباح حتى العصر للحصول على الماء “صارت حياتنا بس نسعا على كيف بدنا نروح نشحت علشان نطعمي أولادنا وكيف بدنا نعبي ماي وكيف بدنا نولع نار ونعمل أكل وكيف بدنا نخبز على النار. والله الحياة صارت متعبة على الآخر”.
“الهدف النهائي لهذه السياسة هو خلق بيئة طاردة للحياة في غزة تؤدي فيما بعد إلى تهجير الفلسطينيين”؛ بحسب الباحث عزيز المصري. وهو ما يتفق معه بكر قائلًا: “مرتي صارت تحكي أنه مش مشكلة يهجرونا المهم نطلع بولادنا كويسين ومناح، وبرا البلد يمكن نلاقي عيشة أحسن من هيك”.
أزمة سيولة نقدية وعمولات استغلالية
تتفاقم معاناة السكان بسبب أزمة السيولة النقدية الحادة منذ بداية الحرب. وتعود الأسباب الرئيسية إلى رفض الاحتلال إدخال النقد “الكاش” إلى القطاع، بالإضافة إلى قصف وتدمير العديد من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي، ما شل النظام المصرفي. كما توقفت جميع قنوات حقن السيولة النقدية الطبيعية، مثل تحويلات البنوك من الضفة الغربية والمساعدات النقدية القطرية السابقة.
يؤثر ذلك على التكايا والمنظمات، حيث يصعب عليها شراء الإمدادات ودفع التكاليف التشغيلية. ولهذا تفشت ظاهرة “سماسرة التكييش” الذين يستغلون حاجة الناس للسيولة النقدية ويفرضون عمولات مرتفعة تجاوزت 30%، ووصلت أحيانًا إلى 50% للحوالات الدولية.
يصف بكر كيف أصبح بعض التجار يرفضون التعامل إلا نقدًا أو يفرضون عمولات تصل إلى 35% و40% عند التعامل عبر التطبيقات الإلكترونية. يقول متأثرًا: “يعني واحد بده يجيب 1000 شيكل بروح بسحبهم 600 شيكل، صاروا يقاسمونا في لقمتنا”. ويضيف أن كثيرًا من المتاجر الكبيرة التي كانت تبيع عبر التطبيقات الإلكترونية أغلقت بسبب شح البضائع.
كما يرفض التجار التعامل بالعملات الورقية القديمة أو المهترئة أو العملات المعدنية إلا بعمولة “كمان توقف العمل بتطبيقات الدفع الإلكتروني فجأة منذ أسبوعين دون تفسير واضح من الشركات المسؤولة في رام الله”، يُنبّه شاهرة.
ويلفت إلى أن استقبال التبرعات من الخارج للمبادرات صعب ومكلف بسبب القيود الأمنية والبنكية “المصادر الرئيسية للتبرع هي التجمعات الفلسطينية في الخارج والداخل المحتل والضفة، ولكن صار فيه صعوبات بسبب الملاحقات الأمنية من السلطة الفلسطينية والاحتلال، حيث يُمنع تحويل الأموال إلى غزة مباشرة. ونتيجة لذلك، اضطررنا للالتفاف على هذه القيود بتحويل الأموال عبر دول متعددة مثل إسبانيا والأردن ومصر، ثم إلى أفراد خارج غزة ليقوموا بتحويلها إلى داخل القطاع”.
طبقة تجار الحرب الجدد
لكن خلق بيئة طاردة لم يتوقف على الاحتلال فقط، فبحسب شاهرة، الباحث في الاجتماع السياسي، فإن جشع التجار لعب دورًا كبيرًا “ولم يبدأ إلا بعد انهيار وزارتي الداخلية والاقتصاد. لم يعد هناك من يحدد الأسعار أو يحاسب المخالفين”. وكجزء من استراتيجيته لإسقاط حكم حماس، استهدف الاحتلال الأجهزة الشرطية والوزارات في القطاع “بقاء جهاز حكومي منظم كان سيجعل الوضع مختلفًا تمامًا”.

ويشرح شاهرة كيف تكوّنت طبقة جديدة من التجار خلال الحرب “أغلب التجار القدامى دفعوا تنسيق وخرجوا على مصر. أما التجار الجدد فغالبيتهم ممن بدأوا بتهريب الدخان عبر المشاطيح (القواعد الخشبية التي تُحمّل عليها البضائع) خلال دخول المساعدات، استفادوا من الأسعار المجنونة للدخان وامتلكوا سيولة ضخمة يتحكمون بها حتى الآن”.
ويتابع “بعد ذلك عندما قررت إسرائيل السماح للتجار فقط بالاستيراد وإدخال شاحنات، استغلوا هذا الوضع باستيراد بضائع بأسعار منخفضة وبيعها بأسعار مرتفعة، ما أدى لظهور طبقة جديدة من الأثرياء”. يذكر أنه مؤخرًا، منع الاحتلال الشاحنات التجارية كذلك من الدخول.
تمزق النسيج المجتمعي
كأي مجتمع حرب حول العالم، لم تكن غزة بعيدة عن خطر التمزق الاجتماعي. هذه التغيّرات طالت العلاقات الشخصية عند الأقارب والأصدقاء والمعارف في ظل الحرب والجوع والعطش ما ترك آثارًا سلبية حول العلاقات العائلية الاجتماعية، بحسب المصري.
تدهورت الروابط بين الأصدقاء وأفراد العائلة الواحدة بسبب الضغط النفسي والقلق الدائم، لدرجة انقطاع التواصل أو تفضيل الابتعاد، مما يعكس تفككًا عميقًا على المستوى الفردي والأسري. ويعتقد شاهرة، الباحث في الاجتماع السياسي، أن الإبادة أحدثت تغيرات اجتماعية “ممتدة وليست مؤقتة” في المجتمع الفلسطيني، مما أدى إلى “هدم العقد الاجتماعي”.
أما بالنسبة للبنية العشائرية، المفترض لعبها أدوارًا تحافظ على التماسك الاجتماعي، فيشير الباحث إلى أنها ضعفت منذ اتفاقية أوسلو، مع مساهمة زعامات سياسية مثل ياسر عرفات في تفتيتها عبر تعيين عدة “مخاتير” للعائلة الواحدة؛ لفرض سيطرة أكبر.
ويرى أن حماس بعد الانقسام عام 2007 “كسرت شوكة العائلات بالقانون”، ثم استغلت العشائرية لاحقًا بتشكيل هيئة العشائر “فتح وحماس استخدمتا العشائرية لمصالحهما، مما أفقدها قدرتها على الإسناد”.
لكن عزيز المصري يعتقد أن بعضها كان متورطًا في تدمير النسيج الاجتماعي، وبعضها أخذ على عاتقه حماية هذا النسيج “المجتمع في غزة مترابط اجتماعيًا عمومًا، وأعتقد حال هدوء الأوضاع الميدانية وانتهاء الحرب والمجازر، تستطيع البنية العشائرية ترميم ما أصابها”.
ويلفت إلى أنه يجب أن تلعب العشائر دورًا “في تجريم كل من يساهم في تمزيق هذا النسيج ورفع الغطاء العائلي والتنظيمي عنهم.. والذهاب إلى صياغة عقد اجتماعي يعيد هذا الترابط من زاوية المساعدة والتكافل”.
مع استمرار المجاعة تحاول نادية شُراب إلهاء طفلتها عن الجوع إما بالجلوس واللعب على شاطئ البحر أو بالنوم لإسكات ضجيج معدتها الخاوية “صرت أبكي في الليل وحدي لأني مش عارفة شو أعمل. كل طاقتنا بتنحرق في محاولة البقاء على قيد الحياة”.



