شركة طنطا للكتان والزيوت نموذج بارز لفساد عقود الخصخصة، كما أنها تمثل فصلًا مهمًا في تاريخ الحركة العمالية المصرية، التي أثبتت على مدار العقود أن العامل كان ولا يزال المدافع الحقيقي عن الصناعة الوطنية، وأن الإدارات والسياسات التي اتبعتها كانت سببًا رئيسيًا في أزماتها، بحسب ما أكده عدد من القيادات العمالية في تصريحات لـ فكر تاني.
لكنها الآن تواجه فصلًا جديدًا من فصول المواجهة العمالية، حيث يتدارس العمال ونوابهم تحركًا جديدًا لمحاصرة ما وصفوه بـ"إهدار المال العام" داخل شركتهم. إذ يشدد هؤلاء على استمرار نضال الحركة العمالية المصرية في الشركة، التي تمثل مثالًا حيًا على مقاومة العمال لمحاولات التقليل من دورهم وتأثير السياسات الإدارية التي أدت إلى تراجع القطاع.
كانت الشركة جزءًا من قطاع الأعمال العام، وبيعت في عام 2005 إلى المستثمر السعودي عبد الإله الكحكي خلال ولاية حكومة أحمد نظيف، وسط انتقادات حادة لطريقة البيع وقيمته المالية. وبعد سنوات من النزاعات القضائية والنضال العمالي، صدر حكم قضائي في 2013 بعودة الشركة إلى الدولة.
يعود تاريخ الشركة إلى ما قبل التأميم في عام 1954، حين تحولت إلى شركة تابعة للقطاع العام، وامتلكت آنذاك عشرة مصانع متخصصة في مجالات الكتان والزيوت والدوبارة والخشب والراتنجات وغيرها. ورغم الإمكانات الكبيرة، ظل إنتاج الشركة يُصدّر خامًا إلى أسواق مثل فرنسا والصين ويوغسلافيا والمجر وألمانيا، في ظل غياب منظومة تصنيع محلية مكتملة تعزز القيمة المضافة للكتان.
أما من حيث الزراعة، فكانت الشركة تعتمد سابقًا على التعاقد مع الفلاحين لزراعة أكثر من 5 آلاف فدان، لكن هذه المساحة تقلصت حاليًا إلى نحو 3 آلاف فدان، ما يعكس التراجع الذي شهدته صناعة الكتان محليًا نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة.
الإضراب الأطول في تاريخ الحركة العمالية
جمال عثمان، القيادي بشركة طنطا للكتان والزيوت، يقول في حديثه لـ فكر تاني، إن الشركة شهدت واحدة من أبرز معارك العمال في تاريخها الحديث، وذلك قبل أشهر قليلة من اندلاع ثورة 25 يناير، موضحًا أن الإضراب العمالي الذي استمر عامًا كاملًا كان من بين الأطول في تاريخ الحركة العمالية بمصر، وأسفر عن عودة الشركة إلى القطاع العام وكشف فساد صفقة البيع للمستثمر السعودي عبد الإله الكحكي.

ووفق عثمان، فإن الشركة لم تكن تعاني من خسائر عند بيعها في عام 2005، بل كانت تمتلك وديعة بقيمة 21 مليون جنيه، إلا أنها بيعت بالأقساط مقابل 83 مليون جنيه فقط، رغم أنها تضم 10 مصانع وتشغّل 3000 عامل، من بينهم 2000 معينين، والباقي عمالة مؤقتة أو بنظام السراكي.
ويضيف أن الإضرابات بدأت عام 2008 عقب تصفية أعداد كبيرة من العمال وفصل 9 منهم، بينهم اثنان من أعضاء اللجنة النقابية. وفي البداية، لم تؤتِ الإضرابات داخل المصنع نتائج حاسمة، مما دفع العمال لتكرار التجربة الملهمة لاعتصام موظفي الضرائب العقارية، فنُقل الاعتصام إلى شارع القصر العيني بالقاهرة، بعد ترتيبات دقيقة بمشاركة مجموعات جاءت بوسائل نقل مختلفة.

ويلفت العامل بالشركة، أشرف الحارتي، إلى أن الاعتصام الرئيسي كان في فبراير 2009 بعد موافقة النقابة العامة للغزل والنسيج، والاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وبعلم وزارة القوى العاملة برئاسة عائشة عبد الهادي، وذلك في ظل تجاهل المستثمر لجميع محاولات التفاوض.
ويشير عثمان إلى أن الإضراب داخل أسوار الشركة استمر ستة أشهر متواصلة قبل نقل الاعتصام إلى العاصمة، وبلغ التحدي ذروته عندما غادرت الإدارة موقعها وتركت المصنع بدون إدارة. وخلال تلك الفترة، تم صرف مرتبات العمال من صندوق الطوارئ بوزارة القوى العاملة.
ولاحقًا، عُقدت اتفاقية عمل جماعية أنهت الإضراب مؤقتًا، لكنها تضمنت بندًا اعتبر فترة الإضراب "إجازة"، ما يعني وقف التأمينات، وهو ما رفضه العمال والتأمينات، ليتم التراجع عنه لاحقًا باعتباره إجراء غير قانوني. ونتيجة لذلك، عاد العمال للإضراب مجددًا لستة أشهر إضافية، وهو ما جعل من هذا الإضراب الأطول في تاريخ الحركة العمالية المصرية.
ووفق عثمان، صدر حكم قضائي ضد المستثمر عبد الإله الكحكي بالحبس على خلفية مديونية مستحقة للتأمينات الاجتماعية تجاوزت المليون جنيه، ما أجبره على سدادها.
وانتهى الإضراب الثاني باتفاقية جديدة في 30 يونيو 2010، خرج بموجبها 450 عاملًا على المعاش المبكر، تبعهم نحو 150 آخرين لاحقًا، ليصل العدد الإجمالي إلى 600 عامل، في ظل تراجع واضح في أوضاع الشركة التي كانت يومًا ما أحد أبرز قلاع صناعة الكتان في مصر.
اعتصام شارع حسين حجازي
شارع حسين حجازي المتفرّع من القصر العيني هو مقر مجلس الوزراء وقتها وقد تحوّل إلى ساحة احتجاج رئيسية في مصر قبيل ثورة 25 يناير، بعدما قرر عمال شركة طنطا للكتان والزيوت الاعتصام أمام المقر، احتجاجًا على سياسات الخصخصة وما اعتبروه فسادًا أضر بحقوقهم ومصيرهم المهني.
اعتصامهم هذا استمر نحو 17 يومًا، قاده مئات العمال دفاعًا عن حقوقهم، وسط محاولة من النقابة العامة لفضّه بعد أيام من بدايته، لكنّ العمال أصرّوا على الاستمرار حتى تحقيق مطالبهم.
القيادي العمالي جمال عثمان يقول عن هذه الفترة إنّ اعتصامهم كان امتدادًا لإضراب طويل بدأ داخل أسوار المصنع عام 2008، أي بعد ثلاث سنوات من بيع الشركة إلى المستثمر السعودي عبد الإله الكحكي، في صفقة وصفها بـ"المجحفة"، حيث شملت الشركة عشرة مصانع وأكثر من 3000 عامل، مقابل 83 مليون جنيه فقط وبنظام التقسيط، رغم امتلاكها وديعة مالية بقيمة 21 مليون جنيه آنذاك.

ويقول الحارتي إنّ الاعتصام تزامن مع حصولهم على دعم وموافقة من النقابة العامة للغزل والنسيج (التي يتبعونها نقابيًا) والاتحاد العام لعمال مصر، بالإضافة إلى إبلاغ وزارة القوى العاملة بقيادة عائشة عبد الهادي حينها بميعاد الاعتصام ومكانه.
وشكّل العمال مجموعات لتولي التفاوض والتنظيم والإعاشة خلال الاعتصام، رافضين إنهاء احتجاجهم قبل تحقيق مطالبهم، وعلى رأسها: إعادة المفصولين، وإلغاء تخفيضات العلاج، وتثبيت الدرجات الوظيفية، ورفض الضغط على العمال للخروج للمعاش المبكر.
ويرى عثمان أنّ الاتفاقية التي أنهت الإضراب الأول كانت مجحفة، إذ نصّت على اعتبار فترة الإضراب إجازة غير مدفوعة تتطلب من العمال سداد التأمينات بأنفسهم، وهو ما تم التراجع عنه لاحقًا. كما أشار إلى أن المستثمر تعرض لاحقًا لحكم قضائي بسبب مديونية التأمينات تجاوزت مليون جنيه، ما اضطره إلى السداد.
وقد تُوّج النضال العمالي بتوقيع اتفاقية جديدة في 30 يونيو 2010 خرج بموجبها نحو 600 عامل على المعاش المبكر، بعد عام كامل من الإضراب، ليُسجل كواحد من أطول الإضرابات في تاريخ الحركة العمالية المصرية، ويعيد تسليط الضوء على ملف الخصخصة والفساد المرتبط بها في تلك الحقبة.
الإعاشة والتضامن
بعد مرور أكثر من 17 عامًا، لا تزال ذاكرة جمال عثمان، أحد قيادات اعتصام طنطا للكتان، تحتفظ بتفاصيل دقيقة شكّلت أحد أبرز مشاهد الحراك العمالي في مصر قبل ثورة يناير. من بين تلك المشاهد ما دار داخل لجنة القوى العاملة بمجلس الشعب آنذاك، حين اندلع شجار عنيف بين النائب يسري بيومي ممثل جماعة الإخوان والنائب أحمد شوبير عن الحزب الوطني بدائرة الغربية، ليتطور الخلاف إلى اشتباك بالأيدي خلال تبادل الاتهامات بالتقصير في نصرة العمال.
ويستحضر عثمان كيف شكّل الدعم الشعبي والنقابي والسياسي سندًا حقيقيًا لصمود العمال طيلة أيام الاعتصام. فقد لعبت كيانات متعددة دورًا محوريًا في توفير الحماية المعنوية والمادية للمعتصمين، منها: لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، ونقابة المحامين، ومجموعة تضامن، وحركة كفاية، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ودار الخدمات النقابية والعمالية.

وتنوعت أشكال الدعم بين تقديم الطعام والبطاطين والتبرعات المالية لتأمين الاحتياجات اليومية للمئات من المعتصمين، الذين تجاوز عددهم 400 عامل.
كما تولّت "مجموعة تضامن" تنظيم الإعاشة اليومية، بينما تكفّلت شخصيات عامة بتوفير غطاء سياسي ومعنوي للمطالب، مثل زيارات أجراها حمدين صباحي، ومحمد عبد القدوس الذي كان يؤم المصلين في صلاة الجمعة، والدكتور عبد الجليل مصطفى، والمحامي الحقوقي خالد علي.
وأمام مشاهد الاحتجاج، برزت لافتات وبنرات تعبّر عن المطالب العمالية، في وقت كانت فيه أشكال التعبير تتنوع ما بين "التخبيط" بالأطباق والمعالق، والتصفير الجماعي، في محاولة لإيصال رسالة "نحن هنا". في إحدى اللحظات المؤثرة، وصلت عربة ربع نقل تحمل قدري فول مدمس كوجبة للفطور، تبرّع بها أحد الداعمين، في مشهد يعكس التضامن الشعبي الذي أحاط بالاعتصام من كل صوب.

من جانب آخر، لم يغب تضامن سكان شارع حسين حجازي الذين أبدوا تعاطفًا لافتًا، حيث تحمّلوا الضغط الناتج عن تواجد المئات في الشارع، وشارك بعضهم في إعداد الوجبات للعمال المعتصمين.
لكن رغم الدعم، واجه العمال ضغوطًا متزايدة، كما يروي محمد مشعل، أحد المفصولين قبل الإضراب. يشير إلى محاولات عديدة لفض الاعتصام بالقوة باءت جميعها بالفشل، فضلًا عن ضغوط سياسية مارستها وزيرة القوى العاملة حينها، عائشة عبد الهادي، خصوصًا بعد تجاوز الاعتصام يومه السابع عشر دون مؤشرات لحل الأزمة.
وبذلك، تحوّل اعتصام عمال طنطا للكتان إلى ما يشبه الملحمة، جمعت بين صلابة المطالب، واتساع التضامن، ومقاومة الضغوط، في صورة مكثّفة من أشكال الحراك الاجتماعي والعمالي الذي مهّد لاحقًا لموجة أوسع من الغضب الشعبي.
انتهى التفاوض.. الكل خاسر
يكشف مشعل أن وزيرة القوى العاملة آنذاك، عائشة عبد الهادي، أرسلت وكيل الوزارة في محافظة الغربية، وائل علام، إلى موقع الاعتصام، حاملًا عرضًا جديدًا باسم الوزيرة بعد تواصلها مع المستثمر عبد الإله الكحكي. وقد تضمّن العرض رفع قيمة المعاش المبكر إلى 40 ألف جنيه بدلًا من 25 ألفًا، إلى جانب صرف راتب الشهرين المتأخرين، مقابل إنهاء الإضراب القائم.
إلا أن هذا العرض جاء على خلاف إرادة العمال الذين تمسّكوا بالبقاء في وظائفهم ورفضوا فكرة الخروج على المعاش المبكر، وهو ما قابله المستثمر برفض قاطع، إذ أصر على تسوية الأزمة عبر عروض الإحالة المبكرة فقط، دون عودة أي من العاملين المفصولين إلى مواقعهم.
وفي ظل تراجع التفاعل الحكومي، يؤكد الحارتي أن الاعتصام تجدد أمام مجلس الوزراء واستمر لمدة أربعة أيام، رغم تقلص أعداد المشاركين، نتيجة عدم تنفيذ الوعود الحكومية السابقة.
ولاحقًا، تصاعدت الأزمة بعد تقديم بلاغ رسمي من وزيرة القوى العاملة، مدعومًا من العمال والنقابة العامة للغزل والنسيج، إلى النائب العام، يتهم المستثمر بتعطيل العمل داخل المصنع، ومنع دخول العاملين، ووقف وسائل النقل المخصصة لهم، وهو ما انتهى بإحالة الكحكي إلى محكمة الجنايات.
وتم لاحقًا التوصل إلى اتفاق نهائي برعاية وزارة القوى العاملة والنقابة العامة للغزل والنسيج وبموافقة المستثمر، نص على عودة تسعة عمال حصلوا على أحكام قضائية بعودتهم، مع صرف مستحقاتهم المالية كافة، إلى جانب خروج 600 عامل من أصل 900 على المعاش المبكر، على دفعتين: الأولى تشمل 450 عاملًا بمكافأة 50 ألف جنيه لكل منهم، تتبعها دفعة ثانية تشمل 150 عاملًا.