ظنت ليلى في بداية حياتها الزوجية أن جدران بيتها الجديد وُجدت لتحتضنها، وأن زواياه تَعِدُها بحياة ملؤها الحب والسعادة، لكنها، منذ الليلة الأولى تشعر بألم شديد أخفته وراء ابتسامتها الهادئة، ألمٌ صعبٌ عليها شرحه أو حتى الهروب منه. لم يحدثها عنه أحد! لم تنبهها أمها أو أخواتها وصديقاتها لـ”التهابات شهر العسل!”.
تواجه ليلى -اسم مستعار- عالمًا جديدًا من دون خريطة. تشعر بألم حاد أسفل بطنها وصعوبة شديدة في التبول. تعاملت مع الأمر أولًا باعتباره مجرد إرهاق أو توتر، لكن كلما ازدادت شدة الألم فسدت لحظات يومها، وظلت تتساءل: “هل هناك خطب ما؟”.. “هل ما أشعر به طبيعي؟”.
تُعرف “التهابات شهر العسل” بأنها آلام شديدة تعاني منها كثير من النساء في الأسابيع الأولى من الزواج نتيجة للتغيرات الجسدية الناتجة عن العلاقة الزوجية. والأعراض: ألم مستمر أثناء التبول، وفي منطقة الحوض، وشعور بالإجهاد غير المبرر.
لم تسمع ليلى بهذه الأعراض من قبل، بل أنَّ النساء حولها رأين أن ما تمر به “حسدًا”!
“أكيد حد حسدك!”؛ قالت لها جارتها، بينما أفتت أخرى بأن “العين فلقت الحجر، لازم تقري الرقية!”.. كان كلامهن يتردد في رأس ليلى، لكنها كانت تعرف أن ما تعاني منه ليس مجرد “حسد”، وإنما شيء أكبر.
تذكرت حديث أمها قبل الزفاف: “كوني قوية، الحياة الزوجية تحتاج صبرًا”. لكن لم يكن هذا ما كانت تعنيه، أو على الأقل لم يكن واضحًا بما يكفي.
رغم ارتباك ليلى قررت أن تتخذ خطوة إيجابية. زارت الطبيبة أخيرًا.
جلست أمامها في العيادة تشعر بالحرج والتوتر، لكنها استجمعت قوتها وتحدثت بصوت منخفض عن ألمها. ابتسمت الطبيبة: “ما يحدث لك طبيعي للغاية.. كثير من النساء يعانين من هذه الأعراض بعد الزواج، هذا هو ما يُعرف بالتهابات شهر العسل”.
في إطار البحث وكشفًا لجوانب “التهابات شهر العسل” أجرت فكّر تاني، في سبيل إعداد هذا التقرير، استبيانًا لـ 35 متزوجة، متضررات من هذه المشكلة الصحية التي تؤثر على جودة حياتهن الزوجية وصحتهن النفسية والجسدية.
أخطر من مجرد آلام
“أنا عروسة من شهر ونص.. عايزة أقول معلومة، الأهم من الجهاز اعملوا تحاليل للالتهابات والأملاح قبل الفرح علشان لو عندك التهابات وأملاح تلحقي تعالجيها، لأن الوضع بعد الجواز بيبقى سيئ جدًا.. عن تجربة”.
قررت نهى -اسم مستعار- 26 عامًا من الإسماعيلية، أن تشارك تجربتها مع الالتهابات التي عانت منها بعد الزواج، في إحدى المجموعات النسائية الشهيرة للمقبلات على الزواج المعروفة بـ “عروسة محتاسة”، بهدف التحذير من الألم الشديد الذي تمر به.
تقول نهى لـ فكر تاني، إنها بعد زواجها شعرت بأن لديها رغبة مستمرة في التبول، وكلما فعلت شعرت بألم شديد، إضافة إلى شعور بالألم فوق عظم العانة ووجود بول داكن أو ملطخ بالدم.. لم تستطع التعامل مع العلاقة الزوجية بشكل طبيعي، بل بدأت تنفر منها تمامًا بسبب شدة الألم، ما دفعها للجوء إلى إحدى صديقاتها التي تعمل في أحد معامل التحليل.
أشارت صديقتها إلى ضرورة زيارة الطبيب، الذي أخبرها بأنها تعاني من “التهابات شهر العسل” وأعطاها علاجًا، ولكن المفاجأة كانت أنها كانت حاملًا في تلك الفترة، وتسببت الالتهابات في إجهاضها لأن الالتهابات قد تصل إلى عنق الرحم.
رغم ذلك، لم تكمل نهى بروتوكول العلاج وظلت تمارس العلاقة الزوجية تحت وطأة الألم، بسبب شعورها بالذنب تجاه زوجها.. وبعد فترة، حملت مرة أخرى، ولكن الالتهابات ظلت ترافقها، لأنها لم تكمل بروتوكول العلاج، ما جعل تجربتها أكثر قسوة.

ما قالته نتائج الاستبيان
تشير نتائج الاستبيان الذي أجرته فكر تاني أن الغالبية العظمى من المشاركات ونسبتهن 97.1% تعرضن لأعراض غير طبيعية أو آلام خلال الأيام الأولى من الزواج، بينما 2.9% فقط لم يواجهن هذه المشكلة في الأيام الأولى. وتعكس هذه النتيجة انتشار مشكلة “التهابات شهر العسل” بين حديثات الزواج، فما هي العوامل المسببة، ومدى تأثيرها على الصحة النفسية والجسدية، وضرورة التوعية بطرق الوقاية والعلاج المناسب.
يُظهر الاستبيان الذي شمل 35 سيدة حديثة الزواج أن 77.1% منهن عانين من الأعراض غير الطبيعية خلال الأيام الأولى من الزواج، بينما بدأت الأعراض لدى 20% بعد أسبوع، في حين ظهرت لدى نسبة ضئيلة (2.9%) بعد شهر.

وفيما يخص المدة التي تستمر فيها الأعراض، أوضحت النتائج أن 57.1% من الحالات استمرت الأعراض لديهن لأكثر من شهر، بينما استمرت لدى 17.1% لمدة أسبوع إلى أسبوعين، وهي نسبة مماثلة استمرت الأعراض لديهن لمدة شهر، في حين أن 8.7% فقط اختفت الأعراض لديهن خلال أقل من أسبوع.

تشير هذه الأرقام إلى أنَّ الأعراض المصاحبة لالتهابات شهر العسل قد تستمر لفترات طويلة لدى معظم المتأثرات، مما يستدعي التوعية بسبل الوقاية والعلاج المبكر للحفاظ على الصحة الجسدية وتحسين جودة الحياة الزوجية.
كما يوضح الاستبيان مدى سرعة لجوء النساء إلى الاستشارة الطبية بعد ظهور الأعراض غير الطبيعية عقب الزواج، حيث كشفت النتائج أنَّ 34.3% لجأنَ إلى استشارة طبية فور ظهور الأعراض، بينما انتظرْنَ 37.1% لبضعة أيام قبل التوجه للطبيب. في المقابل، تأخرْنَ 8.6% حتى مرور أسبوع، بينما لم يَسْعَيْنَ 20% لأي استشارة طبية رغم استمرار الأعراض. تعكس هذه الأرقام تفاوت الوعي الصحي بين الحالات، حيث يظهر تردد بعضهن في طلب الرعاية الطبية رغم استمرار الأعراض.

“نقص معلومات” أم”إحراج”؟
“التهابات شهر العسل” هي حالة طبية شائعة تصيب النساء في الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الزواج، نتيجة لممارسة العلاقة الزوجية الحميمة. تُسبب هذه الحالة التهابًا في المثانة أو المهبل، ويرتبط غالبًا بانتقال البكتيريا إلى الجهاز البولي بسبب الاحتكاك أثناء الجماع.
تظهر الأعراض في شكل ألم أثناء التبول، وألم في المثانة أو أسفل البطن، وحاجة متكررة للتبول بكميات قليلة، وفي الحالات الشديدة قد يصاحبها حمى أو قشعريرة إذا امتدت العدوى للكلى. وإذا تفاقمت الحالة تصل مدة العلاج إلى ستة أشهر، وذلك حسب الحالة. وفي الأيام الأولى بعد الزواج، قد تواجه العروس تعبًا كبيرًا في ممارسة حياتها الجنسية.
أيضًا، يوضح الاستبيان مستوى المعرفة بمصطلح “التهابات شهر العسل” بين النساء قبل الزواج، حيث أظهرت النتائج أن 77.1% لم يكن لديهن أي معرفة مسبقة به، بينما كانت 22.9% فقط على دراية به قبل الزواج.

كما يكشف الاستبيان عن تفاوت في فهم المصطلح، فقد أظهرت النتائج أن 48.6% من المشاركات فهمن المصطلح على أنه التهابات ناتجة عن زيادة النشاط الجنسي بعد الزواج، بينما رأت 28.6% أنه يشير إلى أمراض جنسية تنتقل خلال العلاقة الزوجية.
في المقابل، اعتبرت 11.4% أن المصطلح مرتبط بمشاكل صحية أخرى غير متصلة مباشرة بالعلاقة الزوجية، في حين أن 22.9% لم يكن لديهن معرفة واضحة بالمصطلح. ويوضح ذلك تباين الوعي الصحي حول طبيعة هذه الحالة. ما يبرز الحاجة إلى تعزيز التثقيف الطبي قبل الزواج لتوضيح الأسباب الحقيقية للالتهابات وكيفية الوقاية منها، مساهمةً في تحسين الصحة الجنسية والإنجابية للنساء حديثات الزواج.

وبناءً على الاستبيان تتنوع المصادر التي تعتمد عليها النساء حديثات الزواج للحصول على معلومات تتعلق بالصحة الجنسية. وقد أظهرت النتائج أن 45.7% يعتمدن على الإنترنت والمصادر الرقمية كمصدر أساسي للمعلومات، بينما تلجأ 22.9% إلى الأطباء للحصول على إرشادات طبية موثوقة. في المقابل، تحصل 20% منهن على المعلومات من الصديقات أو الزميلات، في حين أن 11.4% يعتمدن على الأسرة كمصدر رئيسي للمعرفة في هذا المجال.

تعكس هذه الأرقام تزايد الاعتماد على المصادر الرقمية، والذي يشير إلى أهمية تعزيز وجود محتوى طبي موثوق ومبسط عبر الإنترنت. كما تؤكد النتائج الحاجة إلى تعزيز التوعية الأسرية والطبية لضمان حصول النساء على معلومات دقيقة وصحية بعيدًا عن المعلومات المضللة أو غير العلمية.
كما كشف الاستبيان عن وجود إجماع واسع بين النساء حديثات الزواج حول نقص التوعية العامة بمشكلات الصحة الجنسية في المجتمع المصري. وأظهرت النتائج أن 97.1% من المشاركات يشعرن بغياب التثقيف الكافي في هذا المجال، في حين لم تلاحظ 2.9% فقط هذا النقص.
ما يؤكد على ضرورة تعزيز الوعي الصحي والتثقيف الجنسي، سواء عبر المناهج التعليمية أو المبادرات المجتمعية أو الحملات الطبية، لضمان وصول النساء إلى المعلومات الصحيحة التي تمكنهن من التعامل مع أي مشكلات صحية محتملة بثقة ووعي.

ويوضح أيضًا عن إجماع واضح بين المشاركات على أن العادات والتقاليد المجتمعية تؤثر بشكل كبير على فهم المشكلات الصحية المرتبطة بالعلاقة الزوجية. حيث أظهرت النتائج أن 97.1% من النساء يعتقدن أن الموروثات الثقافية تلعب دورًا في تشكيل الوعي الصحي، بينما لم توافق 2.9% فقط على ذلك.

تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، أن حالات الطلاق التي وقعت في مدة الزواج التي تقل عن سنتين، تمثل النسبة الأكبر من إجمالي حالات الطلاق عند تصنيفها وفقًا لمدة الحياة الزوجية. ووفقًا لهذه الإحصائيات، بلغ عدد شهادات الطلاق ضمن هذه الفئة الزمنية 25 ألفًا و223 حالة، وهو ما يعادل نسبة 97% من إجمالي حالات الطلاق في هذه الفئة، ما يعكس زيادة ملحوظة في الانفصال خلال السنوات الأولى من الزواج.. لكن ما الأسباب؟
وبالعودة للاستبيان نجد أن نسبة كبيرة من النساء واجهن تأثرًا على حياتهن الزوجية أو العلاقة الحميمة في الفترة الأولى بعد الزواج. حيث أفادت 65.7% من المشاركات بأن الأعراض أثرت عليهن بشكل كبير، بينما شعرت 25.7% بتأثير طفيف، في حين ذكرت 8.6% فقط أن الأعراض لم تؤثر على الإطلاق.

كما يوضح أن نسبة 68.6% من المشاركات شعرن بأن المشكلات الصحية التي واجهنها في بداية الزواج أثرت سلبًا على علاقتهن مع الشريك، بينما لم تشعر 31.4% بتأثير سلبي مباشر.

يُسلط أيضًا الاستبيان الضوء على التأثيرات السلبية على العلاقة الزوجية، حيث ذكرت 54.5% من المشاركات أن المشكلات الصحية أدت إلى تجنب العلاقة الحميمة، بينما أفادت 45.5% بأنهن عانين من القلق والتوتر المستمر نتيجة لهذه التحديات.

اقرأ أيضًا:تزويجهن جريمة.. قاصرات ينجبن أطفالًا وجميعهم بلا حقوق
الطلاق المبكر
جاء في دراسة ميدانية أجرتها الباحثة رندا يوسف بقسم المجتمع الريفي والإرشاد الزراعي، كلية الزراعة جامعة أسيوط، عنوانها “دراسة ظاهرة الطلاق المبكر فى ريف محافظة أسيوط” أنه من بين 278 مشاركة في الدراسة، قالت 208 منهن إن عدم التوافق في العلاقة الحميمة “كان سببًا رئيسيًا للطلاق المبكر، وهو ما يمثل نسبة 74.8% من العينة”.
وإلى الآن، لا توجد إحصائيات دقيقة متوفرة علنًا عن نسبة النساء المصابات بـ “التهابات شهر العسل” في مصر. مع ذلك، تشير التقارير الطبية إلى أن هذه الحالة شائعة بين النساء، خصوصًا في الفترة الأولى من الزواج.
يوضح الدكتور شريف رضوان إخصّائي النساء والتوليد وعلاج تأخر الإنجاب، لـ فكّر تاني، أن “التهابات شهر العسل” قد تنتج عن عدة عوامل؛ أولًا الزواج حديثًا أو تباعد فترات العلاقة الزوجية، أو تكرار العلاقة الزوجية دون اعتدال، أو استخدام مواد غير طبية كمزلقات، مثل الزيوت. كما أن انتقال العدوى بين الزوجين نتيجة قلة الوعي بنوع الالتهاب يمكن أن يزيد من حدة المشكلة.
ويشير الدكتور رضوان إلى أن استخدام الغسول الخارجي كغسول داخلي وتكرار استعماله يُسبب تهيجًا للبشرة الخارجية، ويخل بالتوازن الطبيعي للبكتيريا والفطريات داخل المهبل، وهو توازن ضروري لمنع الالتهابات والنمو البكتيري. مؤكدًا “بعض الحالات تصل إلى مراحل متقدمة مثل التهابات الحوض أو تجمع سوائل في الحوض والتهابات في قناة فالوب، ما يتطلب تدخلات علاجية مكثفة”.
ولفت إلى أن التأثير النفسي كبيرًا خاصةً على النساء، إذ تُسبب الالتهابات ألمًا شديدًا في أثناء العلاقة، وقد تصل إلى جروح ونزيف أو حتى نزيف مهبلي نتيجة تأثر بطانة الرحم، ما يُفسد اللحظات الأولى من الزواج. كما يتأثر الزوج نفسيًا، وأحيانًا يؤدي ذلك إلى سوء تفاهم واتهامات متبادلة.
ويشير إلى وجود اختلاف في استجابة المرضى حسب البيئة الاجتماعية. ففي المناطق الريفية، العادات والتقاليد الصارمة قد تُؤخر التشخيص، ما يؤدي إلى زيادة مدة العلاج واستخدام بروتوكولات علاج مكثفة، “المشكلة ليست بسيطة، والتوعية المستمرة ضرورة للوقاية والتعامل مع هذه الحالات بفاعلية”.
معاناة عروسة جديدة
“بدأت بالعلاج وكلما شعرت بتحسن، تعود الالتهابات مرة أخرى.. حتى قالت الطبيبة أن الحل في بروتوكول علاجي مشترك مع زوجي، لكنه رفض بشدة”.. تقول ابتسام لـ فكّر تاني.
تحكي ابتسام -اسم مستعار- 33 عامًا من محافظة الغربية، تفاصيل معاناتها التي استمرت لأكثر من ستة أشهر بسبب ما يُعرف بـ “التهابات شهر العسل” وتؤكد أن البداية لم تكن سهلة، إذ تحولت أحلامها بحياة زوجية مستقرة إلى رحلة طويلة من الألم والمعاناة.
“كان الألم لا يُحتمل، والعلاقة الزوجية أصبحت شيئًا مستحيلًا بالنسبة لي. كنت أشعر بأنني أدفع الثمن وحدي، لذا لجأت إلى حيلة الامتناع عن العلاقة مع زوجي. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان الطريقة الوحيدة لإجباره على التعاون”.
استمر انقطاع العلاقة بين ابتسام وزوجها لفترة طويلة.. تقول: “استمر الوضع على هذه الحال حتى بدأ يدرك خطورة الأمر. بعد محاولات وإصرار مني، وافق أخيرًا على العلاج”، وتشير أن التجربة لم تكن مجرد تحدٍّ صحي، بل كانت صراعًا نفسيًا واجتماعيًا أيضًا: “كان الوضع صعبًا عليّ وعلى علاقتي بزوجي. شعرت في البداية أنني وحيدة في هذه المعاناة، لكنني أدركت أن الحل لا يمكن أن يأتي إلا بالتعاون”.
ويكشف استبيان فكّر تاني أن 25.7% من المشاركات أفدن بامتناع أزواجهن عن المشاركة في العلاج، فيما أكد 74.3% عدم وجود هذه المشكلة. وأرجعت المشاركات أسباب الامتناع إلى قلة الوعي بأهمية العلاج (50%)، تليها مشاعر الحرج أو الخجل (25%)، ثم عدم الرغبة في التحدث عن المشكلة (16.7%)، وأخيرًا الاعتقاد بعدم ضرورة العلاج (8.3%).


علاج مشترك للزوجين
يقول الدكتور شريف رضوان، أن علاج إلتهابات شهر العسل يمكن أن يستغرق في بعض الحالات من 10 إلى 15 يومًا، لكن التأخر في التشخيص والعلاج قد يؤدي إلى تفاقم الحالة وتحولها إلى التهابات مزمنة تحتاج شهورًا من العلاج، خاصة إذا انتقلت العدوى إلى الزوج. ويشير إلى أن العلاج يجب أن يشمل الزوجين معًا لضمان الشفاء التام ومنع تكرار العدوى.
ويوضح الدكتور رضوان لـ فكّر تاني: “التهابات الحوض المزمنة تنتج عن أسباب متعددة، من أبرزها العدوى التي تنتقل بين الزوجين. إذا تم علاج أحد الطرفين فقط دون الآخر فإن العدوى تستمر في الانتقال، ما يؤدي إلى عودة الأعراض من جديد”.. كما يشدد على أهمية التقييم الطبي الدقيق قبل بدء العلاج، مضيفًا: “التقييم هو المرحلة الأساسية التي تتيح تحديد نوع المضاد الحيوي المناسب وجرعته، إلى جانب وضع خطة علاجية شاملة تلبي احتياجات كل حالة”.
الشعور بالذنب تجاه الزوج
يوضح الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن غياب الوعي الصحي والنفسي بشأن العلاقة الزوجية يؤدي إلى مشكلات متعددة تواجه النساء في بداية حياتهن الزوجية، أبرزها “التهابات شهر العسل”، وهذه المشكلات غالبًا ما تكون نتيجة نمط التنشئة الاجتماعية الذي يزرع الخجل ويرفض مناقشة القضايا المتعلقة بالصحة الجنسية بوضوح، ما يضع المرأة أمام تحديات كبيرة عند مواجهة المشكلات الصحية بعد الزواج.

ويقول لـ فكّر تاني: “التهابات شهر العسل هي واحدة من المشكلات الشائعة التي تحدث نتيجة لعوامل متعددة، منها الإفراط في العلاقة الزوجية في الشهر الأول، واستخدام منتجات كيميائية غير مناسبة كالدش المهبلي أو المناديل المعطرة، وارتداء ملابس ضيقة وغير قطنية، أو حتى قلة الوعي بأهمية التبول قبل وبعد العلاقة لتجنب العدوى”.
ويضيف هندي أن هذه الالتهابات تتسبب في أعراض مؤلمة، مثل الألم أثناء التبول، والألم في البطن أو الحوض، وإفرازات غير طبيعية قد تكون ذات رائحة كريهة أو لون غريب، وأحيانًا يصاحبها حكة وتهيج. هذه المشكلات لا تؤثر فقط على المرأة جسديًا، لكنها تُحدث تأثيرًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا.. ما قد يجعل بعض النساء يشعرن بفوبيا من العلاقة الزوجية، أو يعانين من الحرج الاجتماعي نتيجة الأعراض، وقد يصل الأمر إلى شعورهن بالذنب تجاه الزوج”.
اقرأ أيضًا: على سُفرة التمييز.. كيف يعمق الغذاء فجوة العنف ضد النساء؟
الطلاق يبدأ من الفراش
يؤكد الدكتور وليد هندي، أن عديد من حالات الطلاق في مصر تبدأ بسبب مشكلات تنشأ في العلاقة الزوجية داخل غرفة النوم، قائلًا: “الطلاق يبدأ من الفراش”. ويوضح أن المشكلات الصحية والنفسية المتعلقة بالعلاقة الحميمة، مثل “التهابات شهر العسل”، تُعد من الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى تباعد الزوجين وزيادة الفجوة بينهما.
“عدم الوعي بأهمية الصحة الجنسية والتعامل السليم مع المشكلات التي تظهر في بداية الزواج يؤدي إلى تفاقم الأزمات. ففي كثير من الأحيان يشعر أحد الطرفين بالرفض أو النفور نتيجة للأعراض المصاحبة مثل الألم أو الحكة أو الروائح غير المستحبة. هذه التجارب تخلق ارتباطًا شرطيًا بين العلاقة الحميمة والشعور بالنفور، ما يدفع الزوج أو الزوجة إلى العزوف عن العلاقة أو البحث عن بدائل خارج إطار الزواج”.
ويشير الدكتور هندي أن 70% من حالات الطلاق تحدث خلال أول عامين من الزواج، الأمر الذي يعكس غياب التوعية والإعداد الكافي للأزواج حول كيفية التعامل مع المشكلات الزوجية، وخاصة تلك المتعلقة بالعلاقة الحميمة.
الوقاية والعلاج
يوضح الدكتور وليد هندي لـ فكّر تاني، أهمية التوعية والمصارحة بين الزوجين، مؤكدًا: “العلاج سهل إذا تم التعامل معه في الوقت المناسب فقد يستغرق ثلاثة أيام فقط إذا تم التركيز عليه بجدية. لكن الأهم هو أن يفهم الزوجان أن هذه الحالة طبيعية وشائعة، وتشير الإحصاءات إلى أن معظم النساء يواجهنها مرة واحدة على الأقل في حياتهن”.
وقدم هندي على سبيل التوعية لقراء فكّر تاني، مجموعة من النصائح للوقاية، منها: “التبول قبل وبعد العلاقة الزوجية لتقليل احتمالية الإصابة بالعدوى، واستخدام ملابس داخلية قطنية وفضفاضة والابتعاد عن الملابس الضيقة، وتجنب استخدام المنتجات المعطرة أو الدش المهبلي الكيميائي، وشرب الأعشاب الطبيعية مثل البابونج وبذور الكتان للمساعدة في تخفيف الأعراض، والحرص على النظافة الشخصية بطريقة صحيحة، من الأمام إلى الخلف، وأهمية المصارحة والتواصل”.
ويختتم الدكتور وليد حديثه بالتأكيد على أهمية العلاقة العاطفية والمودة بين الزوجين في تخفيف هذه المشكلات، قائلًا: “العلاقة الزوجية ليست مجرد علاقة جسدية، بل يجب أن تكون قائمة على المودة والرحمة. فعندما تشعر المرأة بدعم زوجها وتفهمه لمشكلاتها، ستجد نفسها أكثر قدرة على تجاوز الألم والمشكلات النفسية. وعلى الزوج أن يكون شريكًا في الحل، وليس مجرد طرف، فالمصارحة والمكاشفة بين الزوجين هي المفتاح لتجاوز هذه العقبات وتعزيز الصحة النفسية والجسدية، ما يضمن حياة زوجية مستقرة وسعيدة”.
اقرأ أيضًا:تشويه الأعضاء التناسلية.. طفولة مُختطفة باسم العفة
الأمراض المنقولة جنسيًا
تقول الدكتورة مروة فتحي استشاري النساء والتوليد وعلاج تأخر الإنجاب، لـ فكّر تاني، أن التهابات النساء ليست جميعها مرتبطة بالأمراض المنقولة جنسيًا، وينطبق ذلك بشكل خاص على “التهابات شهر العسل”، التي تُعد من أكثر الحالات الشائعة بين النساء حديثات الزواج.
“الفطريات البيضاء، التي تسبب إفرازات وحكة شديدة، ليست ناتجة عن إصابة الزوج بعدوى مرضية، بل غالبًا ما يكون الزوج حاملًا للفطر دون أن تظهر عليه أي أعراض، ما يؤدي إلى انتقالها مجددًا إلى الزوجة خلال العلاقة الزوجية”.
وتابعت الدكتورة مروة: “أما الأمراض المنقولة جنسيًا، فهي مختلفة تمامًا، إذ يكون الزوج مصابًا فعليًا بالعدوى ويظهر عليه أعراض مثل الإفرازات والتقرحات أو البثور التناسلية”، مؤكدة: “في مصر، تبقى هذه الحالات نادرة نسبيًا، إذ أن 75% من التهابات النساء هي التهابات عادية وغير منقولة جنسيًا، بينما 25% فقط قد تكون مرتبطة بعدوى منقولة جنسيًا، وغالبًا ما تكون بسيطة وقابلة للعلاج باستخدام العلاجات المناسبة”.
معدلات العلاقة الزوجية
توضح الدكتورة مروة فتحي أن “التهابات شهر العسل” ترتبط بشكل مباشر بمعدلات العلاقة الزوجية خلال الفترة الأولى من الزواج. وتقول: “كلما زادت معدلات العلاقة، زاد التغير في طبيعة البيئة الحمضية للمهبل، ما يرفع فرص الإصابة بالعدوى البكتيرية والفطرية. ومع العلاج المناسب وتخفيف معدل العلاقة، تتحسن الحالة تدريجيًا”.
وتشير إلى أن الالتهابات الأكثر شيوعًا بين النساء تشمل “عدوى الخميرة -فطريات بيضاء تسبب حكة شديدة وإفرازات بيضاء تشبه الجبن، والالتهاب البكتيري اللاهوائي، الذي يتسبب في إفرازات ذات رائحة غير مستحبة، وداء المشعرات، وهو عدوى تنتقل أحيانًا أثناء العلاقة الزوجية، لكنها ليست من الأمراض الخطيرة وعلاجها بسيط”.
ورغم أن هذه الأنواع شائعة وسهلة العلاج، تؤكد مروة أن الأمراض المنقولة جنسيًا تختلف كليًا، إذ تحتاج إلى اهتمام خاص بسبب تأثيرها المحتمل على الحوض وقنوات فالوب، ما قد يؤثر على الخصوبة إذا لم تُعالج في الوقت المناسب.
تحذير من الاستخدام العشوائي
وتحذر الدكتورة مروة أثناء حديثها مع فكّر تاني، من الاستخدام المفرط للتشطيف والغسولات المهبلية، مشيرةً إلى أن “الاعتماد المستمر على التشطيف يغير التوازن الطبيعي للبيئة المهبلية ويزيد من احتمالات الالتهابات.. حتى الغسولات الطبية مثل البيتادين، رغم فعاليتها في قتل البكتيريا، فإن الإفراط في استخدامها قد يسبب مشكلات على المدى الطويل”. وتنصح باستخدام التشطيف في حالات محددة، مثل العلاج لتخفيف الأعراض، أو بعد الدورة الشهرية والعلاقة الزوجية عند الضرورة فقط.
وتلفت إلى أن العديد من النساء يلجأن إلى العلاجات التقليدية مثل الجلوس في ماء وملح أو ماء ساخن مع بيكربونات الصودا. وتقول: “رغم أن هذه الطرق قد تخفف الأعراض في بعض الحالات، إلا أنها ليست بديلًا عن استشارة الطبيب لتحديد العلاج الأنسب”.
وتضيف أن الإهمال في علاج الالتهابات يؤدي أحيانًا إلى تفاقم الوضع، حيث تصل النساء للطبيب بعد شكوى الزوج من الروائح أو الإفرازات غير الطبيعية. وتشير إلى أن بعض النساء يعتقدن أن اللولب هو السبب وراء الالتهابات، بينما الحقيقة تكمن أحيانًا في الفتلة المعلقة منه التي تصبح بيئة خصبة للفطريات. في هذه الحالات، يتم علاج الالتهابات أو إزالة اللولب مؤقتًا حتى تتحسن الحالة.
مضاعفات خطيرة
تحكي الدكتورة مروة عن حالة صادفتها أهملت علاج التهاباتها المهبلية والبولية حتى وصلت العدوى إلى الكلى وأدت إلى تسمم في الدم: “دخلت المريضة المستشفى بحالة حرجة مع حمى شديدة، واضطررنا لإعطائها مضادات حيوية عبر المحاليل مع أدوية مضادة للفطريات. كانت حالتها صعبة للغاية بسبب ضعف بنيتها الجسدية الذي جعل مناعتها غير قادرة على مقاومة العدوى”.
وتؤكد أن التهابات شهر العسل طبيعية وشائعة بين النساء حديثات الزواج، لكنها تحتاج إلى تشخيص وعلاج مناسبين لضمان عدم تطور المشكلات الصحية. وتدعو النساء إلى عدم الاعتماد على العلاج الشعبي وحده أو الإهمال في متابعة الأعراض، لأن الوقاية والعلاج المبكر يضمنان حياة صحية وزوجية ومستقرة.
اقرأ أيضًا:في ظل الأزمة الاقتصادية.. إجهاض “غير المرغوب فيهم” وأمهات ينزفن حتى الموت
بصمة نفسية تدوم
تمثل الفترة الأولى من الزواج مرحلة فريدة ومهمة في حياة الزوجين، حيث تُزرع خلالها بذور العلاقة التي تستمر مدى الحياة. في هذه المرحلة تتشكل الذكريات الأولى، التي تحمل تأثيرًا نفسيًا طويل الأمد، وتصبح أساسًا لبناء الثقة والحب والتفاهم المتبادل. وتعد هذه الفترة أكثر من مجرد بداية لعلاقة زوجية؛ فهي فرصة لاكتشاف الصفات الجميلة في الشريك، وترسيخ معاني التراحم والتواصل العاطفي.
في هذا السياق، تناولت الدكتورة إيمان عبدالله أخصائية العلاقات الأسرية والنفسية، في حديثها مع فكّر تاني، أهمية الفترة الأولى من الزواج، التي وصفتها بأنها “المرحلة الذهبية” التي تُبنى خلالها أسس الحياة الزوجية. وأكدت أن هذه الفترة تشكل ذكريات دائمة، سواء كانت سعيدة أو مؤلمة، ما يجعل العناية بها أمرًا جوهريًا لتحقيق السعادة الزوجية.
تشير الدكتورة إلى أن الذكريات الأولى تُخزن في ذاكرة الزوجين بشكل عميق، وتؤثر على نظرتهما إلى العلاقة في المستقبل. وتقول: “إذا كانت هذه الذكريات مليئة بالتفاهم والاحترام، والأنشطة المشتركة، فإنها تصبح رصيدًا إيجابيًا يدعم العلاقة في مواجهة التحديات”.

وأضافت أن ليلة الدخلة على وجه الخصوص تمثل لحظة مفصلية في العلاقة الزوجية، مؤكدة على دور الزوج في توفير الدعم النفسي والاحتواء لزوجته، وبحسب تعبيرها: “ليلة الدخلة ليست اختبارًا جسديًا، بل هي البداية الحقيقية للتفاهم والمشاركة”.
وتسلط الدكتورة إيمان الضوء على واحدة من أكثر المشكلات شيوعًا خلال شهر العسل، وهي التهابات المثانة الناتجة عن العلاقة الحميمة. وتوضح: “هذه الحالة تتطلب عناية طبية ووقف أي علاقة جسدية حتى يتم العلاج الكامل، لأن تجاهل ذلك قد يؤدي إلى مضاعفات صحية ونفسية”.
وتضيف: “إذا كان الزوج حنونًا ومتفهمًا، فإنه يبعث رسالة واضحة بأن صحة زوجته وراحتها تأتي في المقام الأول. هذه التصرفات تزرع بذور الثقة والحب العميق بين الزوجين”.
وفي حال وجود عوائق تمنع العلاقة الجسدية، تنصح الدكتورة إيمان الأزواج بالتركيز على أنشطة مشتركة تبني الذكريات الإيجابية: “يمكنهم استغلال هذه الفترة للخروج في نزهات، أو مشاهدة الأفلام، أو حتى التفاعل مع الأهل والأصدقاء. هذه الأنشطة تُظهر أن العلاقة الزوجية ليست مجرد علاقة جسدية، بل هي مزيج من التفاهم والتواصل”.
الإشباع العاطفي قبل الإشباع الجسدي
كما تُحذر الدكتورة من خطورة الإصرار على العلاقة الحميمة في حالة شعور أحد الطرفين بالألم. وتصف ذلك بأنه نوع من “العنف النفسي والجسدي”، مضيفة: “الإشباع العاطفي المتمثل في اللمسات الحانية والكلمات الطيبة يمكن أن يعوض عن أي نقص جسدي مؤقت. هذا النوع من التواصل يخلق رابطًا أقوى بين الزوجين”.
وتؤكد أن الزوج السوي هو من يضع مشاعر شريكته في المقدمة، ويتعامل مع العلاقة الزوجية كمساحة للتفاهم والدعم، وليس فقط لتحقيق رغبات شخصية، كما تدعو الدكتورة الأزواج إلى استغلال هذه الفترة للتقارب الفكري والثقافي. وتشير إلى أن: “الحوار المفتوح حول الآمال والتطلعات، والاستماع بعمق لبعضهما البعض، يعزز العلاقة على مستويات مختلفة”.
وتضيف أن التفكير الزائد في العلاقة الجسدية يمكن أن يُشغل الزوجين عن بناء أساس متين للعلاقة. ويجب أن تكون الأولوية لبناء الجسور العاطفية والثقافية التي تدوم، “العلاقة الزوجية هي شراكة إنسانية بالدرجة الأولى. يجب أن تكون مبنية على الحب والتفاهم والتراضي. حيث أن التعامل بلطف واحترام مشاعر الطرف الآخر هو ما يجعل شهر العسل تجربة لا تُنسى”.
