حقوقيون في قفص الاتهام.. اعتداءات وحشية وخيبة أمل

في الأشهر الأخيرة، هزّت شهادات صادمة الرأي العام، كاشفة عن انتهاكات خطيرة ارتكبها ناشطون حقوقيون يُفترض أنهم في طليعة المدافعين عن حقوق الإنسان ومناهضي العنف ضد النساء.

جاءت هذه الشهادات صادمة، ليس فقط لأنها كشفت عن تجاوزات جسيمة، بل لأنها صدرت بحق شخصيات بارزة في المجتمع المدني والحقوقي، مما أثار موجة من الغضب وخيبة الأمل بين العاملين في هذا المجال.

وبينما يُفترض أن يكون هؤلاء الحقوقيون حماة للعدالة والمساواة، فضحت الشهادات تناقضًا صارخًا بين مبادئهم المعلنة وممارساتهم الفعلية، مما دفع كثيرين إلى التساؤل حول نزاهة المؤسسات الحقوقية ومصداقية العاملين فيها.

وقد طرحت هذه التطورات الخطيرة تساؤلات جوهرية حول آليات اختيار الناشطين الحقوقيين ومدى فعالية معايير المتابعة والتقييم داخل المنظمات الحقوقية. هل يمكن أن تُرتكب مثل هذه الجرائم دون أن تُكشف؟ وهل هناك تواطؤ ضمني أو قصور في الرقابة داخل هذه المؤسسات؟ وكيف يمكن للنشطاء الحفاظ على التزامهم بالمبادئ التي يدافعون عنها، بدلًا من استغلال مواقعهم لتحقيق مصالح شخصية على حساب من يُفترض أنهم يحمونهم؟

نمط متكرر من الاعتداءات

في 21 فبراير الماضي، اهتزّت مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو يوثّق لحظة سقوط الشابة آية عادل من الطابق السابع بأحد المباني السكنية في الأردن. في البداية، بدا الأمر وكأنه حادث انتحار، لكن بعد إعادة مشاهدة الفيديو بدقة، لاحظ المتابعون يدًا تدفعها من النافذة، ما أثار الشكوك حول صحة الرواية المتداولة وأعاد تسليط الضوء على قضايا العنف الأسري والإفلات من العقاب.

مع انتشار الفيديو، سارعت عائلة آية إلى اتهام زوجها، كريم حسن، بالتورط في مقتلها، بينما أصرّ الأخير على أنها ألقت بنفسها بسبب معاناتها من اضطرابات نفسية. لكن المقربين منها رفضوا هذا الادعاء تمامًا، مؤكدين أنها كانت تتعرض للعنف والتهديدات المستمرة، وأنها أخبرت بعض صديقاتها بنيّتها الانفصال عن زوجها بسبب معاملته القاسية.

لم تكن القضية لتثير كل هذا الجدل لولا أن كريم حسن ليس مجرد شخص عادي، بل يشغل منصب المدير التنفيذي لمركز الإسكوا للتكنولوجيا التابع للأمم المتحدة في الأردن، كما شغل سابقًا عدة مناصب دولية مرموقة، منها مدير الشباب والابتكار في المعهد العالمي للمياه والبيئة والصحة بسويسرا، والمدير التنفيذي لمؤسسة "بناء" في مصر.

وسرعان ما اجتاح وسم #حق_آية_عادل مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب الآلاف بفتح تحقيق شفاف يضمن محاسبة الجاني، وألا تحول مكانة كريم حسن ونفوذه دون مساءلته. ومع تصاعد الضغوط، تحولت القضية من حادث فردي إلى نموذج صارخ للعنف الذي تتعرض له النساء، حتى داخل الأسرة، ومن رجال يشغلون مناصب في مؤسسات حقوقية.

قبل هذا الحادث المروع بيومين فقط، في 16 فبراير، كشفت ناشطة نسوية عن تعرضها للتحرش من قبل محامٍ حقوقي كان يعمل حينها في واحدة من كبرى المؤسسات النسوية في مصر. وفور انتشار شهادتها، سارعت المؤسسة إلى إيقافه عن العمل وفتح تحقيق داخلي حول الواقعة.

لكن القضية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ فتحت الشهادة الباب أمام ضحايا أخريات تحدثن عن تجارب مماثلة، ما أثار جدلًا واسعًا حول مدى جدية المؤسسات النسوية في محاسبة العاملين فيها، وفاعلية آليات المساءلة لضمان عدم تكرار مثل هذه التجاوزات.

في 17 أغسطس 2020، نشرت مدونة "دفتر حكايات" شهادة مجهولة لسيدة روت تفاصيل مروعة عن تعرضها للاختطاف والضرب والاغتصاب على يد صحفي استقصائي شهير، مشيرة إلى أنه استغل معرفته بعلم النفس لاكتساب ثقتها قبل أن يتحول إلى "متوحش".

وبعد ساعات قليلة، نشرت صحفية معروفة صورًا لمحادثات إلكترونية أرسلتها إليها ناجية أخرى، تظهر محاولات الصحفي لاستدراجها إلى حديث ذي طابع جنسي رغم رفضها الواضح. وكشفت الرسائل أنه استخدم الحيلة نفسها، مدعيًا قدرته على تقديم دعم نفسي للضحايا قبل أن يحاول استغلالهن.

ومع تصاعد الضجة، رد الصحفي الاستقصائي عبر حسابه الشخصي، نافيًا صحة الاتهامات ومؤكدًا أن المحادثات "مفبركة"، كما هدد بمقاضاة أي شخص يذكر اسمه في هذا السياق، في محاولة لإسكات الأصوات التي تتحدث عنه.

لكن لم تمضِ ساعات حتى ظهرت شهادة جديدة لامرأة ثالثة، أكدت تعرضها لاعتداء جنسي بالطريقة ذاتها، مشيرة إلى أن الصحفي استغل ثقتها قبل الاعتداء عليها. ولم تتوقف الشهادات عند هذا الحد، إذ نشرت مدونة "دفتر حكايات" شهادة رابعة، ما عزز مصداقية الاتهامات السابقة، وكشف عن نمط ممنهج من الاستدراج والخداع والاعتداء الجنسي.

اقرأ أيضًا:دراسة حديثة: نسب التحرش تقترب من 90%

أزمة ثقة أم لحظة محاسبة؟

مع تزايد الشهادات، بات المجتمع الحقوقي في مواجهة أزمة ثقة غير مسبوقة، إذ لم تعد هذه الانتهاكات مجرد حالات فردية، بل أصبحت تعكس خللًا أعمق داخل المؤسسات الحقوقية. فكيف يمكن لأشخاص كهؤلاء أن يشغلوا مواقع بارزة دون رقابة حقيقية؟ وأين دور هذه المنظمات في ضمان عدم استغلال العاملين فيها لنفوذهم؟

هذه القضايا تضع المجتمع المدني أمام مسؤولية كبرى، فإما أن يتحرك سريعًا لتطوير آليات محاسبة شفافة وحازمة، وإما أن يفقد ثقة الناس نهائيًا، ليتحول من قوة داعمة للحقوق إلى بيئة تُعيد إنتاج أنماط العنف التي يُفترض أن يحاربها.

قبل سنوات، تصاعدت الشهادات التي تتحدث عن تحرش حقوقي شهير واستغلاله لمنصبه داخل مؤسسته، ما أدى إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للنظر في الاتهامات. وبعد شهور من التدقيق، والاستماع للضحايا، ومراجعة الأدلة، ومواجهة المدير التنفيذي نفسه، خلصت اللجنة إلى إدانته بوضوح بتهمة هتك العرض، عبر "ملامسة جسد إحدى الناجيات دون رضاها"، إضافة إلى التحرش اللفظي.

لم يكن هناك التباس أو مجال للشك، بل تأكيد قاطع للمسؤولية. وأوصت اللجنة بفصله من المؤسسة، وإعلان ذلك رسميًا، إلى جانب تقديمه اعتذارًا علنيًا للناجيات.

سياسات الحماية داخل المؤسسات

تؤكد نيفين عبيد المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، في حديثها مع فكّر تاني، أن سياسات الحماية تُعد ركيزة أساسية في بيئة العمل داخل مؤسسات المجتمع المدني، إذ يفترض أن تكون هذه السياسات موثقة رسميًا، متضمنة مبادئ واضحة وإجراءات تنفيذية تحدد آليات التعامل مع أي انتهاكات محتملة. وتشير إلى أن المؤسسات تختلف في كيفية التعامل مع خروقات هذه السياسات؛ فبينما تعتمد بعض الجهات على لجان تحقيق داخلية، تفضل أخرى الاستعانة بلجان خارجية لضمان الحياد والشفافية.

وتوضح نيفين أن الفضاءات النسوية يجب أن تكون أكثر حساسية تجاه الناجيات، بحيث لا يواجهن نفس إشكاليات عبء الإثبات التي يفرضها المجتمع، إذ غالبًا ما تفتقد قضايا التحرش والاعتداء إلى أدلة مادية مباشرة، ما يجعل شهادات الناجيات وأقوال الشهود عنصرًا جوهريًا في التعامل معها.

نيفين عبيد

وتضيف: "لهذا ظهرت حملات مثل #نصدق_الناجيات لتعزيز أهمية تصديق شهادات النساء دون الحاجة إلى إثبات مباشر، رغم تعارض ذلك أحيانًا مع آليات التحقيق التقليدية التي تستند إلى الأدلة الملموسة".

كما تشير نيفين إلى أن أحد الإشكالات الأساسية هو تردد الناجيات في الكشف عن الانتهاكات بسبب الوصمة الاجتماعية والمخاوف من العواقب، لافتة إلى أن قضايا مثل حادثة "فيرمونت" لم تُكشف تفاصيلها إلا بعد سنوات، ما يطرح تساؤلات حول العوامل التي تدفع الناجيات للإفصاح عن تجاربهن بعد فترات طويلة.

المجتمع المدني ليس استثناءً

تشدد نيفين عبيد على أن المجتمع المدني، رغم طابعه الحقوقي، لا يُعد بيئة مثالية خالية من الانتهاكات، بل يعكس تحديات المجتمع نفسه. لذا، فإن وضع آليات واضحة لحماية العاملين والعاملات يعد ضرورة أساسية.

وتشير إلى أن المؤسسات تتبنى استراتيجيات مختلفة في التعامل مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي؛ فبينما تعتمد بعضها على لجان تحقيق رسمية، تركز أخرى على تمكين النساء عبر تخصيص بيئة عمل لهن فقط، في حين تتبع بعض المؤسسات نهج الدمج بين الجنسين مع فرض سياسات صارمة ضد أي انتهاكات محتملة.

وتكشف نيفين أنه عند تعيين أفراد جدد في مؤسسة المرأة الجديدة، يتم التحقق من خلفياتهم لضمان عدم وجود أي شبهات، لكنها تؤكد أن الحذر عند التوظيف وحده لا يكفي، إذ تبقى العديد من الانتهاكات مخفية لفترات طويلة.

وتختتم حديثها بالتشديد على أن افتراض خلوّ المجتمع المدني من المشكلات التي تعانيها بقية القطاعات هو تصور غير واقعي. فكما تسعى المؤسسات الحقوقية إلى تعزيز العدالة والمساواة، فإن عليها أيضًا أن تكون نموذجًا يُحتذى به في تطبيق هذه المبادئ داخل بيئتها الداخلية، عبر آليات حماية صارمة تضمن بيئة عمل آمنة وعادلة للجميع.

تلتزم المنظمات الحقوقية الدولية، مثل الأمم المتحدة ووكالاتها الفرعية كالمفوضية السامية لحقوق الإنسان ومنظمة العمل الدولية، بمعايير دقيقة لاختيار موظفيها، تضمن توافقهم مع القيم الحقوقية الأساسية. تتطلب هذه المعايير إلمامًا عميقًا بحقوق الإنسان، وإيمانًا بالمساواة والعدالة الاجتماعية، وقدرة على الدفاع عن هذه المبادئ في سياقات متعددة. 

السلوك والكفاءة

تروي ربى الحلو الباحثة في برنامج مستقبل الحقوق والحوكمة (FORGE) بكلية الحقوق في جامعة نيويورك، والأمينة العامة للمركز اللبناني لحقوق الإنسان (CLDH)، أنها استوقفت ذات يوم عبارة نشرها مسؤول موارد بشرية على منصة LinkedIn يقول فيها: "نحن نوظف وفق السلوك وندرب على المهارات".

تقول ربى، في حديثها لـ فكّر تاني، إن هذه العبارة أثارت لديها تساؤلات حول مدى تأثير معايير التوظيف على تكافؤ الفرص، وقيم التنوع والمساواة في بيئات العمل. فحين يصبح "السلوك" المعيار الأول للاختيار، كيف يمكن قياسه بعدالة دون أن يتحول إلى أداة لإقصاء الكفاءات أو فرض أنماط محددة تتوافق مع توجهات المؤسسة؟

ربى الحلو

وترى ربى أن المهارات التواصلية والسلوكيات المهنية تلعب دورًا مهمًا في تعزيز التعاون داخل بيئة العمل، إلا أن المشكلة تظهر عندما يُمنح "السلوك" أولوية مطلقة على حساب الكفاءة، مما يطرح تساؤلات حول معاييره وحدود تطبيقه. هل يشير المعيار إلى الالتزام بقواعد واضحة، أم أنه مفهوم فضفاض قد يُستخدم بشكل انتقائي لإقصاء من يختلف مع ثقافة المؤسسة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذا المفهوم قد يعزز ثقافة الطاعة العمياء بدلًا من الابتكار، كما قد يُستغل للمحاباة، حيث يتم تفضيل أفراد بعينهم بناءً على توافقهم مع معايير غير مُعلنة بدلًا من تقييمهم وفق قدراتهم الفعلية.

وتؤكد ربى أن المحاباة والمحسوبية تمثلان خطرًا على أي بيئة عمل عادلة، إذ إن تغليب العلاقات الشخصية على الكفاءة المهنية يحدّ من تطور المؤسسات على المدى البعيد. وتضيف: "عندما يُقال إننا نوظف وفق السلوك وندرب على المهارات، ينبغي أن نسأل: أي سلوك يُقصد؟ ومن يحدد معاييره؟ وكيف نضمن عدم تحوله إلى أداة تمييزية تقصي الكفاءات بدلًا من احتضانها؟". وتشدد على أن المؤسسات التي تسعى لتحقيق العدالة والتنوع تدرك أن هذه القيم ليست مجرد شعارات، بل هي أسس جوهرية لنجاحها.

وتختتم قائلة: "لا يكفي الحديث عن التغيير، بل يجب أن يبدأ من داخل المؤسسات الحقوقية نفسها، ليمتد إلى كل فضاء نسعى لتحسينه".

اقرأ أيضًا: آفة حارتنا.. هل تُغفَر جرائم الاعتداء الجنسي بالتناسي؟

تحديات وآليات حماية

تشير آية منير، المديرة التنفيذية لمبادرة سوبرومن، في حديثها لـ فكّر تاني، إلى أن المؤسسات الحقوقية ينبغي أن تراعي هويتها وقيمها عند وضع سياسات الحماية، مع الأخذ بعين الاعتبار الفئات المستهدفة بالتوظيف. فمن خلال ذلك، يمكن تطوير آليات واضحة لتنظيم أداء الموظفين، وتحديد معايير موحدة تُطبق على الجميع، ما يسهم في ضبط العلاقة بين المؤسسة والعاملين فيها، ويعزز الثقة في آليات التقييم والمساءلة.

وترى آية أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود انتهاكات، وإنما في غياب آليات حماية فعالة، لا سيما في المؤسسات التي تتعامل مع قضايا حساسة مثل حقوق النساء. ففي هذه الحالات، يصبح التحقق من خلفيات الموظفين أمرًا ضروريًا لضمان بيئة آمنة للفئات المستفيدة.

آية منير

وتوضح أن سوبرومن، على سبيل المثال، لم تكن قادرة على توظيف رجال للعمل بشكل مباشر مع المستفيدات، ليس بسبب افتراضات مسبقة، ولكن نظرًا لغياب أنظمة رقابة ومتابعة تضمن بيئة عمل آمنة. لذلك، جاء القرار استنادًا إلى الحاجة لضمان الحماية، وليس كإجراء تمييزي ضد أي فئة بعينها.

وتؤكد آية أن أحد التحديات الكبرى التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني هو كيفية تنظيم العلاقة بين مقدمي الخدمات والمستفيدات، خاصة أن العديد منهنّ ناجيات من تجارب قاسية، ما يجعلهنّ يضعن ثقة مطلقة في مقدمي الخدمات، وقد يمنعهن ذلك من الإبلاغ عن أي انتهاكات.

وتضيف: "معظمهنّ يعشن ظروفًا نفسية واجتماعية معقدة، تجعلهنّ يشككن في أنفسهنّ قبل أن يشككن في الآخرين".

لذلك، تشدد آية منير على أهمية امتلاك المؤسسات إرادة حقيقية للتحقق من خلفيات الموظفين، وجعل هذه العملية جزءًا من آليات مؤسسية متكاملة، تشمل إجراءات تحقق دقيقة، وإجراء تحقيقات عند الضرورة، وغيرها من الضوابط التي تضمن بيئة عمل قائمة على العدالة والثقة. وتختتم حديثها بالتأكيد على أن افتراض خلوّ أي مؤسسة حقوقية من المشكلات هو تصور غير واقعي، إذ تعكس هذه المؤسسات، كغيرها، تحديات المجتمع الأوسع. ومن هنا، يصبح وضع سياسات حماية فعالة أمرًا أساسيًا لضمان بيئة عمل آمنة للجميع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة