رغم الاعتراف الدستوري والقانوني بحق المرأة المصرية في المشاركة النقابية وتولي المناصب القيادية، لا يزال حضورها محدودًا وغير فعّال بالشكل المطلوب.
وباستثناء فترة السبعينيات والثمانينيات التي شهدت شيئًا من الانفراجة ببروز عدد من النقابيات، مثل أمينة شفيق، التي لعبت دورًا بارزًا في نقابة الصحفيين، وساهمت في الدفاع عن حرية الصحافة ومناهضة الرقابة الإعلامية، لم تدم المشاركة النسائية نقابيًا أو تتطور على مستوى المجالس النقابية المتعاقبة، فظلّ تمثيل النساء محدودًا، ولم تشهد دورتي 1999 و2003 أي مشاركة، حتى تمكنت آمنة النقاش من الفوز بمقعد لدورتين متتاليتين. وبعد فترة غياب، استعادت المرأة حضورها في انتخابات 2007 بفوز عبير سعدي، ثم عاد التمثيل النسائي إلى الخفوت مجددًا
وحتى اليوم، لا يزال هذا التمثيل النسائي محدودًا أو مقيدًا، يعاني عوامل اجتماعية وثقافية عدة تحدّ من فُرص المرأة في المشاركة الفعّالة، بينما تدعم هذه العوامل الخطابات الدينية المحافظة التي عزّزت النظرة التقليدية لدور المرأة في المجال العام.

كيف تراجع دور المرأة مجتمعيًا وسياسيًا؟
تقول منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة واستشارية التمكين الاجتماعي والاقتصادي، إن الأوضاع السياسية كان لها تأثير على مشاركة المرأة بشكل فعّال أو ابتعادها عن العمل النقابي. وهذا على عكس فترة الأربعينيات والخمسينيات، حيث شهدت تلك الفترة حراكًا سياسيًا وثقافيًا كبيرًا، ما سمح للمرأة بأداء أدوار نقابية مهمة، فبرزت أسماء مثل النقابية العمالية عايدة فهمي، التي كانت أول عاملة تحصل على عضوية مجلس نقابة عمالية في مصر (مصر للبترول) عام 1946.

وتوضح منى أن النضال النسائي والحراك الذي بدأته هدى شعراوي في عشرينيات القرن الماضي وواصلته في الثلاثينيات والأربعينيات هو ما سمح بتغيير قوانين كانت تعاني من الكثير من العوار، مثل قوانين الأحوال الشخصية.
وكان من المفترض أن يستمر هذا الحراك، وفق ما توضحه منى عزت، إلا أن ركودًا كبيرًا في العمل النقابي تزامن مع فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ما عطّل هذا التطور لصالح التمثيل والحراك النسائي. بينما آل الوضع إلى مزيد من التدهور في السبعينيات والثمانينيات مع بروز الخطابات المتشددة باسم الدين، والتي كرّست النظرة الدونية للنساء، وروّجت خطابات العودة إلى المنزل، والأفكار التي استهدفت التقليل من شأن المرأة، وهي الأفكار التي استمرت حتى منتصف التسعينيات.
وعلى الرغم من تحسن الوضع نسبيًا مع بداية الألفينيات، فإن نظرة المجتمع للمرأة ودورها لا تزال قاصرة ومحدودة، مما ينعكس بدوره على التمثيل النسائي داخل مجالس النقابات المختلفة، كما تشير رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون.
اقرأ أيضًا:ما الذي تغير بإضرابات العمال في 2025؟
تمثيل المرأة في النقابات بين المكاسب والتحديات
تؤكد الباحثة والحقوقية انتصار بدر أن المرأة حققت مكاسب مهمة عبر مراحل تاريخية مختلفة، إلا أنها غالبًا ما تواجه انتكاسات تعيدها إلى نقطة البداية. وترى أن الحل لتعزيز تمثيل المرأة في النقابات يكمن في اعتماد نظام الكوتة، كما هو الحال في مجلس الشعب، لضمان مشاركة فعلية وليست شكلية.
وتشير إلى أن لجان المرأة داخل النقابات غالبًا ما تمارس أدوارًا أقرب إلى العمل الجمعياتي والخيري، كتنظيم الأنشطة والتبرعات، بدلًا من الانخراط في العمل النقابي الحقيقي، ما يعكس استمرار النظرة التقليدية لدور المرأة داخل وخارج المنزل.
وتلفت إلى أن المرأة انتزعت حقوقًا أساسية على مدار القرن الماضي، مثل حق التعليم الإلزامي بعد ثورة 1919، وحق التصويت والانتخاب بعد ثورة 1952، إضافةً إلى تعزيز فرصها في مختلف المجالات عقب ثورة 25 يناير، لكنها لا تزال تواجه تحديات، أبرزها محاولات بعض التيارات المحافظة تقليص دورها.
تشريعات خارج حيز التنفيذ
تنظم عدة قوانين حق المرأة في العمل عمومًا، وفي العمل النقابي خصوصًا، من بينها قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، الذي يحدد حقوق المرأة في بيئة العمل، بما في ذلك عدد ساعات العمل، والإجازات المستحقة، وحقها في اختيار الوظائف المناسبة. كما يتناول القانون حق النساء في المشاركة النقابية وحظر الفصل التعسفي للعاملين بسبب نشاطهم النقابي.
ويشير الباحث في قضايا العمل حسن بربري إلى أن قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976 كان من القوانين الأساسية التي نظمت العمل النقابي لفترة طويلة، لكنه لم يتناول تمثيل المرأة، رغم تعديله في عام 1995 بإضافة مواد تتعلق بالتوزيع المهني والجغرافي.
وفي عام 2017، صدر قانون 213 لتنظيم العمل النقابي والانتخابات النقابية، حيث شدد على عدم التمييز بين الجنسين، لكنه لم يخصص مقاعد محددة للمرأة. وتوضح منى عزت، استشاري التمكين الاقتصادي والاجتماعي، أن النقابات المهنية لا تتضمن تشريعات واضحة تمنع التمييز بين الجنسين أو تضع معايير محددة لدور المرأة في العمل النقابي.

المرأة ومواقع صنع القرار
رغم تحقيق المرأة مكاسب مهمة في العقود الماضية، إلا أن تمثيلها في النقابات المهنية لا يزال محدودًا. فبحسب إحصاءات الجهاز المركزي للمحاسبات عام 2000، لم يتجاوز عدد النساء اللاتي حصلن على عضوية المجالس النقابية 10 حالات، رغم أن إجمالي أعضاء النقابات المهنية بلغ 3.9 مليون في 24 نقابة، وكانت أعلى نسبة لعضوية المرأة في نقابة المهن التعليمية (28.4%)، تليها نقابة المهن الزراعية (17.7%)، ثم نقابة التجاريين (16.1%).
وبينما زاد عدد النساء في النقابات من 26 ألفًا عام 1981 إلى 36 ألفًا عام 1999، إلا أن نسبة مشاركتهن الإجمالية تراجعت من 25% إلى 17%. ولم تشهد نقابة المحامين تمثيلًا نسائيًا في مجلسها بين عامي 2000 و2009، باستثناء المحامية تهاني الجبالي، التي فازت بعضوية المجلس بين عامي 1989 و1992.
وخلص بحث أجرته منى عزت بإشراف د. هويدا عدلي عام 2014 إلى عدة معوقات أمام مشاركة النساء نقابيًا، أبرزها عدم تقبل الرجال لوجود قيادات نسائية، وصعوبة تفرغ المرأة للعمل النقابي بسبب مسؤولياتها الأسرية، إلى جانب اقتصار فوز النساء على التزكية بدلًا من الانتخابات التنافسية. وأوصى البحث بإضافة مواد تضمن تمثيلًا نسائيًا عادلًا في مجالس النقابات والاتحادات.
وحاليًا، لا تنص سوى ثلاث نقابات على تخصيص مقاعد للنساء، وهي نقابة العلوم الصحية (بحد أدنى 20%)، والنقابة العامة للضرائب العقارية (25%)، واتحاد عمال مصر الديمقراطي (20%)، لكن هذه النسبة لم تُطبق فعليًا بعد.
اقرأ أيضًا:"تي آند سي".. استياء بعد فصل 9 عمال وشكاوى في مكتب العمل
ثقافة ذكورية لا نهاية لها
تواجه المرأة صعوبات كبيرة في العمل النقابي، وفق ما تؤكده مي صالح، استشارية النوع الاجتماعي ومديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، والتي تشير إلى أن بيئة النقابات معقدة وتتطلب تفرغًا، حيث تُعقد الاجتماعات في أوقات متأخرة، مما لا يتناسب مع مسؤوليات المرأة الاجتماعية، كما أنها قد تتعرض للوصم الاجتماعي بسبب طبيعة العمل النقابي الذي يتطلب السفر وحضور فعاليات داخل مصر وخارجها، وهو أمر غير متاح للكثير من النساء.

كما تواجه المرأة تحديات خلال الانتخابات النقابية بسبب ضعف الخبرة في الحشد والتنظيم، وتأثير العوامل الثقافية والاجتماعية، فضلًا عن نقص الدعم المؤسسي والموارد المالية اللازمة لتنظيم حملات انتخابية قوية، ما يحد من فرصها في الفوز.
وترى مي صالح أن التمييز ضد النساء متجذر في الأنظمة الاجتماعية المختلفة، ويتجلى ذلك في سوق العمل، حيث لا تتجاوز نسبة مشاركة المرأة 20%، ما يعكس الإقصاء والتهميش الذي تواجهه، ويجعلها تحجم عن المشاركة النقابية.
ومن جانبه، يشير الباحث حسن بربري إلى أن التحديات التي تواجه المرأة داخل النقابات لا تتوقف عند حدود الترشح والفوز، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد ذلك، حيث يهيمن الرجال على القرارات، ولا يُنظر إلى رأي المرأة بجدية، مما يدفع العديد من النساء إلى الانزواء والعمل بصورة فردية لحل مشكلات زملائهن، بدلًا من المشاركة الفعالة داخل المجالس النقابية.
هناء عبد الحكيم.. كسر حواجز العمل النقابي بالصعيد
لم يكن الطريق إلى العمل النقابي ممهدًا أمام هناء عبدالحكيم، رئيسة نقابة صغار الفلاحين في المنيا، إذ واجهت صعوبات عديدة كونها امرأة في مجتمع صعيدي لا يتقبل بسهولة قيادة النساء.
بدأت هناء مسيرتها في العمل الأهلي منذ عام 2000، حيث كرست جهودها لخدمة المجتمع. وفي عام 2022، أسست نقابة صغار الفلاحين، متجاوزة تحديات إدارية ومجتمعية حتى نجحت في استقطاب 500 عضو، 80% منهم نساء، وتأمل في توسيع عضوية النقابة لتشمل آلاف الفلاحين والفلاحات مستقبلًا.

وتقول هناء: "واجهتُ اعتراضات كثيرة عند تأسيس النقابة، حيث لم يكن من السهل إقناع البعض بقدرة امرأة على قيادة كيان نقابي يهتم بشؤون الفلاحين. لكن إيماني بحقوق الفلاحين ودوري في دعمهم دفعني للاستمرار رغم التحديات".
وتؤكد أن العمل الجاد والالتزام بالقضايا الزراعية كفيلان بتغيير النظرة السلبية تجاه قيادة المرأة للنقابات، مشيرةً إلى أن الفلاحين في الصعيد، كما في غيره، بحاجة إلى دعم حقيقي، بغض النظر عن هوية من يقود هذا التغيير، طالما أن الهدف هو تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين ظروفهم.