صلاح الأنصاري يكشف تاريخ الإضعاف المتعمد لعمال مصر (حوار)

يحذر النقابي صلاح الأنصاري، أحد القيادات العمالية التاريخية، من الأوضاع العمالية الراهنة في مصر، مشيرًا إلى ما وصفه بالإضعاف المتعمد للطبقة العاملة الصناعية وتصفيتها، خاصة في بعض الصناعات التي كانت تشكل ركيزة للاقتصاد الوطني.

وفي حوار خاص ضمن سلسلة حوارات جديدة تجريها منصة "فكر تاني" مع القيادات النقابية والعمالية، يقدم الأنصاري شهادة موسعة عن مراحل مختلفة من حياة الطبقة العاملة المصرية وتاريخ إضعافها، متناولًا في حديثه التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها هذه الطبقة وحركتها، من صعود، ودور اليسار في هذه التحولات، فضلًا عن علاقة الطبقة العاملة بالقيادات النقابية، وأساليب السلطة المختلفة في محاربة القوى العاملة.

فإلى نص الحوار:

من أين استمدت الحركة العمالية في مصر وعيها وتطورها؟

صلاح الأنصاري - فكر تاني
صلاح الأنصاري - فكر تاني

من اليسار.

اليسار هو من مدّ الوعي للحركة العمالية، وهناك علاقة طردية بين قوة اليسار وقوة الحركة النقابية بلا شك؛ كلما تصاعد اليسار، تصاعدت قوة الحركة النقابية والعمالية.

واليسار كذلك هو من مدّ الوعي للحركة النقابية، وفي الماضي كان يُقال: المثقفون الثوريون.

كيف بدأ هذا الجسر بين اليسار والحركة العمالية؟

كنا محظوظين بأن قياداتنا وقدوتنا هم قيادات الحركة النقابية، في الأربعينيات: عطية الصرفي، وطه سعد عثمان، ويوسف دراويش، ونبيل الهلالي، وإسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد مرسي، وزكي مراد، بالإضافة إلى قيادات الحركة النقابية مثل سيد فايد ورشاد الجبالي.

كان هذا الزخم بالتحديد، مع بداية نشأة حزب التجمع عام 1976. حينها بدأ اليسار يدخل الحركة النقابية والعمالية.

غاب اليسار في بداية السبعينيات عن الحركة، لأن أفراده كانوا مجندين في الجيش. دخلوا وأعمارهم 20 سنة ثم خرجوا بعد 27 سنة، واشتبكوا بعدها مباشرة مع الحركة النقابية والعمالية، وبالتالي كان التأخر بسبب الواجب العسكري.

عاصر جيلي أحزابًا وحركات مثل الحزب الشيوعي المصري وحزب المؤتمر المصري الذي انضممت إليه إلى جانب أحمد كامل وسيد عبد العال وفريد زهران، ثم جاء جيل السبعينيات واستكمل ما بدأه السابقون، وعندما بدأ حزب التجمع أصبح هو الغطاء العلني للكل، أما العمل السري فكان شيئًا آخر، وكان هذا يثير غضب خالد محيي الدين. ذات مرة قال لنا: "ماتخليكم داخل برنامج حزب التجمع وبلاش الحاجات التانية دي"، و"الحاجات التانية دي زي ثورة اشتراكية وأفكار بالشكل ده".

وبالرغم من ذلك، استمرت المساحات داخل حزب التجمع، لكن بعد ذلك لم يسمح رفعت السعيد بمثل تلك الأمور خاصة مع الاشتراكيين الثوريين.

بدأت حالة التعشيق بين العمال والمثقفين مع انتفاضة يناير 1977

بناء الحركة النقابية

كيف ساهمتم في بناء الحركة النقابية؟

بعد عودتنا من التجنيد، لم تكن لدينا معرفة بأي شيء عن كيفية الترشح للانتخابات النقابية وواجبنا ومسؤولياتنا، وكل ما كنا نعرفه هو "عم فلان بتاع النقابة".

لم يكن لدينا علم متى حدثت الانتخابات ولا من ترشح، ولا من يقوم بالدور كذا.

قيادات الحركة النقابية في الأربعينيات هم أكثر جيل كتب وترك تاريخًا خلفه.

صلاح الأنصاري حذر من الأوضاع العمالية الراهنة وتغيب وعي العمال- تصوير داليا موسى
صلاح الأنصاري حذر من الأوضاع العمالية الراهنة وتغيب وعي العمال- تصوير داليا موسى

عم عطية الصيرفي، مثلا، كان بمثابة مؤرخ وكاتب له وجهة نظر، ومحمود العسكري كتب، وفكري الخولي عمل الرحلة. أما الآن فنحن نفتقد مفكرين عماليين، لا توجد قيادات عمالية لديها القدرة على الكتابة والتأريخ للحركة، وهذا يجعلنا لا نفتقد قيادات فقط، بل نفتقد مفكرين عماليين.

القانون 203 لسنة 91 أفسد الحركة النقابية ودمر الصناعة والمصانع

عند بداية ممارسة العمل النقابي توجهت إلى عم عطية الصيرفي، وقلت له: "عايز أدخل الحركة النقابية وأبقى نقابي"، قال لي: لابد أن تكون صنايعي شاطر وتقرأ تاريخ طبقتك كي تتمكن من كتابة العريضة أو المذكرة التي تبني عليها الطلبات، لذلك أهم شيء هو مذاكرة تاريخ الطبقة العاملة المصرية والعالمية. أيضًا عم طه عثمان كان له كتابات أمدنا بها وأفادتنا كثيرًا.

في الوقت نفسه، كان حزب التجمع يقيم دورات تثقيفية، وكان من يحاضر هو الرفيق خالد، وهذا اسمه الحركي لكن اسمه الحقيقي الدكتور فؤاد مرسي، الذي أصبح بعد ذلك وزير التموين.

وكان هناك أيضًا أمين صبري عبد الله، وأمينة شفيق وكوكبة من المثقفين الثوريين الذين أمدونا بكل ما نحتاجه من أسس نبني عليها.

كانت تلك هي البداية، تلتها مسألة الاعتراض على أحكام النكسة، وكان وجه اعتراضنا عدم صدور أحكام قوية ورادعة ضد المتسببين في النكسة.

وبدأ الحراك من المصانع الحربية بحلوان. هناك كان أعضاء في الاتحاد الاشتراكي، وكانت النتيجة أنه تم نقل عدد من العمال من المصانع الحربية إلى الحديد والصلب، وأصبح لدينا خبرات مسيسة أفادت في فكرة الاعتراض على السلطة بالرغم من كونهم من الاتحاد الاشتراكي، حينها لم يكن مسموحًا بوجود صوت معارض للاتحاد الاشتراكي من داخله، لكنهم أمدونا بخبراتهم.

تجربة الأسر ومجلة الحائط

كيف تطورت الحركة العمالية في مرحلة السبعينيات برأيك؟

جاءنا في المصنع مهندسون جدد خريجو جامعات، تم تعيينهم في الحديد والصلب. تعلمنا منهم تجربة الأسر، وأنشأنا في كل قطاع أسرة، وقلدنا طلبة الجامعة في فكرة مجلة الحائط وعملنا مجلات حائط. بدأ العمال في البداية بكتابة أشياء مثل حكمة ونكتة وحوار مع مسؤول وشعر وسؤال وجواب، وكانت هذه الكتابة البكر، ثم أصبح العمال مهتمين وراغبين في الكتابة معنا.

وتكرر تقطيع الأمن لورق الحائط الذي نكتب عليه "هم يقطعون، وإحنا تاني يوم نعمل واحد تاني".

غاب مثلث "حلوان شبرا المحلة الكبرى".. ولا توجد حركة تضامنية حاليًا

صلاح الانصاري في ندوة تضامن مع العمال
صلاح الانصاري في ندوة تضامن مع العمال

حينها، ما كان يجعل مجلات الحائط تقرأ هو أن المهندسين كانوا يسمحون لنا بعمل حوار معهم يُسمى "حوار مع مسؤول"، ومن خلال هذا الحوار كنا نوصل صوت العمال للمسؤول والمسؤول يرد على أسئلتهم، وتلك كانت مسألة بكر غير مسبوقة في أي مصنع غير الحديد والصلب.

ويرجع الفضل في ذلك إلى القيادي سيد عبد الراضي، وكان نموذجًا لمن تشغله فكرة التنظيم. وكنت أنا وسيد عبد الراضي من مصر القديمة وذهبنا إلى مركز تدريب واحد وتم تعييننا معًا.

وكانت هناك مجموعة عين الصيرة، منهم أحمد عبد الله رزة، وعماد صيام، وعصام الكومي، والتي انضمت لمجموعة العمال في مصر القديمة ممن كانوا في الحديد والصلب، وطوروا العمل النقابي.

انتفاضة يناير

في يناير 1977 كان حضور العمال ملفتًا.. كيف تعاملتم مع الحدث كحركة عمالية؟

بدأت حالة التعشيق بين العمال والمثقفين مع انتفاضة يناير 1977، وأسسنا "لجان يناير الشعبية".

كان بين هذه المجموعة شاعر اسمه مصطفى زكي، هو من كتب: "من عين الصيرة لتل الزعتر.. وقبل ما تهل البشاير من يناير كل عام.. جابت المولود يناير بس دي المرة ما مات". والشيخ إمام غنى لهذا الشاعر.

في هذه الأثناء، حدث الدمج والتعشيق مع مجموعات طلابية أصبح لديها شأن آخر في المجتمع، مثل جمال عبد الجواد من عين الصيرة، والذي أصبح مستشارًا بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.

انتفاضة الخبز 1977
انتفاضة الخبز 1977

وبدأنا بطبع المنشورات.

حينها فكر المرحوم سيد عبد الراضي في عمل مطبعة يدوية. "جاب غسالة يدوية من منتجات زمان فوقها عصارة، فكينا العصارة وعملنا عليها لباد، وهو كان نوع من القماش يمتص الحبر، وجبنا الاستنسل وكتبنا عليه بالإيد، وكان فيه حبر روماني يباع في المكتبات على شكل أنابيب معجون الأسنان، نضع عليه ورق الاستنسل ونطبع المنشورات".

وكنا ننقل تلك المطبعة من بيت لبيت ومن عنبر لعنبر في الحديد والصلب، وطبعنا منشورات لجان يناير الشعبية، وكان ذلك نتيجة عمل المثقفين الثوريين مع الطلبة والعمال في مرحلة انتفاضة يناير 1977.

خسرنا وجود نخبة قانونية موحدة لمساندة العمال كما كانت أيام "الهلالي"

التنظيمات اليسارية في الحديد والصلب

ما أبرز التيارات اليسارية التي نشطت في هذه الفترة وبخاصة في مصنع الحديد والصلب؟

في الحديد والصلب كانت كل ألوان الطيف اليساري، من التيار التروتسكي والعمال و8 يناير والحزب الشيوعي المصري. كل هذه الأطياف كانت تتبادل أدبياتها، ولم يكن التخوين مطروحًا بين مجموعاتها كما حدث فيما بعد في الحركة اليسارية.

المناخ الأمني الحالي شديد الإحكام والعمال في خوف من القبض والحبس والفصل

كنا نوزع المنشور بشكل سري ويقرأه العمال بشكل علني، وكانت تلك جرأة كبيرة من العمال، لكنهم كانوا مؤمنين بإن المنشورات دي بتوصل صوتهم.

جانب من اضراب العمال والعاملات بالمصنع - خاص فكر تاني

جانب من اضراب العمال والعاملات بالمصنع - خاص فكر تانيكنا نستيقظ مبكرًا ونضع المنشورات في دواليب العمال. الوردية السابقة تضع المنشورات للوردية اللاحقة.

كانت لدينا خبرة في توزيع المنشور، وكان العمال يستقلون القطار من باب اللوق لحلوان، وعندما يتحرك القطار نفرد أيدينا بالمنشورات ويتم توزيعها على جميع الركاب.

وكان هناك ملف في طريق أتوبيسات المصنع، وعندما يجدنا العمال، تتوقف الأتوبيسات ويحصلون على المنشورات وهكذا تدخل المصنع. وكانت المنشورات تحتوي على مطالب عمالية ومطالب سياسية.

مطالب العمال ووجبتهم

كيف كانت المطالب العمالية في تلك الفترة؟

كانت بداية المطالب أننا نريد لائحة نوعية. طالبنا بمزايا وحوافز أكثر وبدل مخاطر أكثر، كما طالبنا حينها بالوجبة، وكانت قيمتها "شلن" بعد ذلك.

وفي مرحلة الصلح مع إسرائيل كان الوضع مختلفًا. طرح الزاهدي شلبي مطلب "لا لمد مياه النيل لإسرائيل"، وهذا مطلب سياسي وليس نقابيًا ولا يخص الشأن العمالي، وبالتالي في مراحل عدة كان المطلب السياسي يتزاوج مع الاقتصادي.

حينها كان لدينا وعي نقابي، وهو ما مكّننا من التركيز على فكرة البرنامج الاقتصادي الديمقراطي، وكانت الريادة في مصنع حلوان للغزل والنسيج بحلوان الذي كان يضم قيادات مثل محمد سيد أحمد وعم سيد فايد وعم رشاد الجبالي وأحمد فهيم ومصطفى عبد الغفار.

هؤلاء كانوا جيلًا رائدًا أكثر من الحديد والصلب في العمل النقابي، لأن مصنع حلوان أقدم، وهو مصنع قطاع خاص تم تأميمه وأصبح قطاع أعمال عام.

الحركة العمالية والنقابية كانت تدعم بعضها البعض في مسألة المطالب وكانت لدى أعضائها جرأة في تناول الأفكار وطرح المطالب.

حدثني عن الوجبات التي كانت تصرف للعمال؟

كنا أيضًا نقيس عدد السعرات الحرارية في الوجبة الغذائية بسبب طبيعة عملنا، لأن العاملين في صناعة الحديد والصلب يحتاجون إلى لبن بسبب استنشاق الغبار الصلب الذي يؤثر على الرئتين، وحينها كنا واعين جدًا بأهمية المطلب.

أيام مبارك كان يتم التعامل مع الإضرابات كملفات سياسية أكثر من كونها أمنية

صلاح الأنصاري
صلاح الأنصاري

شارك العمال في تحديد تكوين الوجبة التي تطورت عدة مرات، وارتبط هذا التطور بالوضع الاقتصادي والسياسي في مصر خلال تلك الفترة، وبعدما كانت الوجبة عينية أصبحت نقدية بسبب توجه العمال لبيع كوبونات الوجبات، بخلاف صعوبة توزيع الوجبات خصوصًا في الوردية الليلة، فتحول بدل الوجبة من عيني إلى نقدي، وكان هذا خطأ شديدًا لما للوجبة ومكوناتها من أهمية لصحة العامل، وهذه هي فلسفة إقرار الوجبة، لحمايته من الأضرار الناتجة عن استنشاق الكربون أو خام الحديد.

المرحلة التالية لشكل الوجبة كانت ضمن مطالب اعتصام 1989، حيث طالب العمال بصرف وجبة غذائية عينية، وتمت الاستجابة من قبل الإدارة، وبدأوا في صرف وجبة عبارة عن "فطيرة، و2 بيضة، وقطعة جبنة نستون"، ومع ذلك حدثت مشاكل في توزيع الوجبة بسبب الأعداد الكبيرة للعمال خلال تبادل الورديات المقسمة إلى ثلاث، إلى جانب فساد الطعام عند وصوله لآخر وردية.

للمرة الثالثة تطور شكل الوجبة في نهاية سنة 1989 وبداية 1990، وأصبحت عبارة عن وجبة غذائية مجمعة شهرية، شملت "علبة سمن فيرن أو شيراتون، وعبوة شاي العروسة ربع كيلو، وزجاجتي زيت، وعبوة أرز 5 كيلو، وأربعة أكياس سكر"، أما في العيد فتُصرف للعامل علبتا سمن.

المؤسسة والشركات القابضة

من كان المسؤول عن إصدار اللوائح الخاصة بالمصانع؟

قبل الشركات القابضة، كان هناك ما يسمى بالمؤسسة، التي كانت تدير القطاع العام، ثم تم إنشاء قطاع الأعمال العام مع إصدار القانون 203 لسنة 1991، ثم جاءت الشركات القابضة.

كان لدينا قانون 48 للقطاع العام، والقانون 47 للعاملين بالحكومة، وكانت العلاوات 75 قرشًا وثلاثة وأربعة جنيهات، وكانت مطلبنا أرقى من ذلك، لكن لم يكن من الممكن تحقيقها سوى باللوائح النوعية أو ما يسمى الآن باتفاقيات عمل جماعية.

ومع صدور القانون 203 لسنة 1991 عارضناه، باعتباره قانونًا سيسمح بالإيجار والبيع والدمج في شركات القطاع العام، والأخطر من ذلك أننا نظرنا له من زاوية الرشوة، لأن عضو مجلس الإدارة سيحصل على 5% من نسبة الأرباح سواء كان معينًا أو منتخبًا، وغذى هذا فكرة الانتهازية لدى رئيس النقابة الذي بدأ يطالب ببدل حضور الجلسات. لذلك ما حدث هو إفساد للقيادات النقابية بسبب القانون 203 لسنة 1991 بتمييزهم ماديًا في موضوع الأرباح.

كما سمح لأعضاء الشركات القابضة وأعضاء الجمعيات العمومية لهذه الشركات، ومعظمهم كان من النقابات العامة، بالحصول على مبالغ طائلة من حضور الجلسات، حتى وصل الأمر أن النقابة العامة للصناعات الهندسية طالبت العضو الذي يحضر الجلسات بتقسيم بدل الحضور على جميع الأعضاء. وبدأ خلاف على من يحضر تلك الجلسات وكان ذلك في عهد صلاح هيكل رئيس نقابة الحديد والصلب، وشهد على تلك الواقعة المرحوم عبد الرشيد هلال.

وبالتالي كان هناك تعمد لإفساد الحركة النقابية والعمالية بداية من ظهور المال وصولًا إلى وجود الثقافة العمالية الشكلية، فكانت بعض القيادات تحضر الدورات التدريبية حتى تحصل على الشنطة وبدل الانتقال.

بدأ هذا الإفساد منذ بداية التسعينيات.

هناك إزاحة للطبقة العاملة الصناعية وتغييب متعمد لوعي العمال

أما المرحلة السابقة مع بداية الصلح مع إسرائيل، فأعتبرها مرحلة مقاومة ذات نضالية عالية، بها قوانين تتم منقاشتها، وحراك مع وجود حزب التجمع واليسار، وهو ما سبب الكثير من الزخم.

"لا مساس ولا مسوس"

كيف كان وضع العمال في مرحلة الانفتاح الاقتصادي أو ما أطلق عليه المعارضون "السداح مداح"؟

عندما تولى السادات مقاليد الحكم في 1971، حل اتحاد العمال ولم يتفوه أحد بكلمة.

وأصبح رجال عبد الناصر أعضاء الاتحاد الاشتراكي هم رجال أنور السادات الجدد. وعندما قال السادات إننا نريد مشاركة الاستثمار العربي والأجنبي، قال رجاله: "لكن لا نمس البعد الاجتماعي"، وهذا ما جعل الشيخ إمام يقدم أغنية "لا مساس ولا مسوس".

 

الرئيس الراحل محمد أنور السادات - مواقع التواصل
الرئيس الراحل محمد أنور السادات - مواقع التواصل

وعندما زار السادات القدس، فصلت جبهة الصمود والتصدي اتحاد نقابات عمال مصر من اتحاد العمال العرب، ونقلوا مقره من القاهرة إلى دولة أخرى، وتحول الاتحاد إلى مهاجمة الدول التي تتحدث عن الحرب وطالبوا بوقف الحرب.

هؤلاء هم رجال عبد الناصر الذين تحولوا من قيادات في الاتحاد الاشتراكي إلى رجال السادات الجدد المهتمين بعدم المساس بالبعد الاجتماعي، لكنهم لا توجد لديهم مشكلة في التفريط في الصناعة المصرية.

وفي هذا الإطار، كانت أول شركة خضنا معركة ضدها هي الشركة العامة للبطاريات، التي تم إنشاؤها مع شركة أخرى تنتج حجر البطاريات، لا أتذكر اسمها. حيث قمنا برفع قضية ضد تلك الشركة لأنها كانت تنتج بطاريات الدبابات، وبالتالي سيكون لديهم معرفة بعدد الدبابات بناءً على حجم الإنتاج، وهذه مسألة أمن قومي.

نفتقد وجود نخبة قانونية لمساندة العمال في قضاياهم

كانت هناك خطورة في مسألة تحويل الشركة من قطاع عام إلى قطاع مشترك، وساعدنا في رفع القضايا فايز الكارته، وهو قيادي نقابي رئيس اللجنة النقابية في عنبر البطاريات، وكان هناك عبدالله أبو الفتوح في التجمع.

والأستاذ نبيل الهلالي والدكتور محمد عصفور وآخرون ترافعوا في القضية، وكانت تلك فترة المقاومة القانونية، وكان هذا بعد مهم للحركة النقابية المصرية.

كانت للحركة قيادات من المحامين مثل عبد الله الزغبي وزكي مراد وعصمت سيف الدولة ونبيل الهلالي، وكانوا كوكبة يتصدون للدفاع عن العمال والاقتصاد القومي. وكان هناك ما يسمى بلجان مقاومة الخصخصة والدفاع عن القطاع العام.

للأسف، الآن نفتقد وجود نخبة قانونية لمساندة العمال في قضاياهم. صحيح أن لدينا خالد علي ورحمة رفعت، لكنهما ليسا متحدين في جبهة للعمل سويًا.

في مرحلة التراجع، يحدث إفساد للقيادات ويكون هناك مساحة أكبر للتدخلات الأمنية. وهذا ما حدث معي عندما حاولت الترشح، وتم إبلاغي بأننا لا نرغب في وجودك الآن، وكان هذا في بداية التسعينيات.

وكان القرار: "مش عايزينك وهناخد فوزي محمدين المرة دي". حدث هذا قبل أن ينتهي فرز الأصوات، وكانت النتيجة تُكتب على مكتب مباحث أمن الدولة. ووصل الأمر أن العمال كانوا يشكون للأمن بدلًا من النقابة، ويتدخل الأمن للحل.

حركة كفاية والحركة العمالية

هل أثر ظهور حركة كفاية في شكل الحركة العمالية ودورها المألوف؟

نعم، كان لحركة كفاية دور كبير في خروج الاحتجاجات خارج المصانع، بعد أن نظمت عددًا من الوقفات على سلم نقابة الصحفيين في سنة 2004.

مظاهرات قديمة لحركة كفاية - مواقع الكترونية
مظاهرات قديمة لحركة كفاية - مواقع الكترونية

كان لهذا بعض الإيجابيات وبعض السلبيات. من الإيجابيات تنبيه الجمهور إلى أن هناك من يقف لأجلهم، أما السلبي فهو خروج العمال خارج المصنع، وبالتالي فقدوا آلية الضغط على صاحب المصنع لتحقيق المطالب.

إحدى الفوائد المهمة التي أظهرها إضراب المحلة أنه عطل قانون العمل فعليًا

عندما اعتصم عمال طنطا للكتان أكثر من 57 يومًا في شارع حسين حجازي بشارع القصر العيني، كان اعتصامًا خارج المصنع. ورغم أنه استدعى من الحركة السياسية في القاهرة تأييدها، ودفع السياسيين في محافظة الإسكندرية إلى تنظيم سلاسل بشرية للتضامن معهم، إلا أن هذا كله، بالرغم من أهميته، ليس عماليًا؛ لأنهم خرجوا عن المشهد الذي كان يمكن أن يؤثروا فيه بتعطيلهم الإنتاج والضغط للجلوس على طاولة التفاوض من أجل الحل.

إضراب غزل المحلة

كيف رأيت إضراب غزل المحلة سنة 2006؟

قدم هذا الإضراب العديد من الدروس، بدايةً من ضرورة عدم خروجه عن نطاق المصنع والمدينة التي كانت تؤازر العمال المضربين وتدعمهم، مما عزز قوتهم وقدرتهم على الضغط.

وابتكر العمال خلال هذا الإضراب أسلوبًا مختلفًا من الاحتجاج، حيث "أحضروا جرادل البويا والدهان وظلوا يقرعونها ليصل صوتهم إلى الإدارة والأهالي في المحلة، مؤكدين أنهم مستيقظون ومستمرون في الإضراب. كما كانت أسر المضربين تحضر الطعام إلى داخل المصنع، لتشارك العمال وجباتهم أثناء الاعتصام".

ولا أنسى ظهور أمل ووداد كعنصر نسائي مضرب ومعتصم داخل المصنع بجانب زملائهما الرجال، في مشهد جديد يحدث لأول مرة، وكان ذلك مثالًا نموذجيًا وتعليميًا لكيفية ممارسة الإضراب.

إحدى الفوائد المهمة التي أظهرها إضراب المحلة أنه عطل قانون العمل فعليًا، فالقانون ينص على أن الإضراب يوقف عقد العمل دون أن يلغيه، مما يعني أن العمال ليس لهم حقوق أثناء الإضراب، لكن في الواقع، كنا نحصل على أجورنا، وكان الوزير يأتي ويقول: "خدوا فلوس"، إلى أن بدأوا لاحقًا في عدم احتساب أيام الإضراب كأيام مدفوعة الأجر.

أما الآن، فالمشكلة أن رد الوزير أصبح: "فضوا الإضراب أولًا، ثم نتحدث"، كما أن التهم باتت جاهزة، حيث يُتهم المضربون بأنهم أعضاء في "جماعة محظورة" أو "جماعة إرهابية".

ضرر التقسيم المسيس

كيف ترى مشاركة الحركات السياسية في قلب إضراب 2006؟ هل كان دعمًا أم إضرارًا؟

النقطة السلبية من وجهة نظري كانت دخول اليسار إلى المصنع أثناء الإضراب، تحديدًا الاشتراكيين الثوريين، حيث تسببوا في تقسيم الحركة العمالية في المحلة، وأصبح لكل فريق سبعة مطالب مختلفة.

أنا لست ضد وجود اليسار، فقد كنت شخصيًا من أدخل هشام فؤاد ومصطفى بسيوني إلى اعتصام الحديد والصلب، لكن التدخل الذي يؤدي إلى الانقسام، ويؤدي إلى تعدد المطالب بين العمال، هو أمر مرفوض. الدعم شيء، والتدخل لتحويل مسار الإضراب شيء آخر.

كما أن هذا النوع من التدخل يضر بالحركة العمالية ويفقدها وحدتها، بل ويشوه صورتها.

السلطة والإضرابات

كيف تقيم تعامل السلطة مع الاحتجاجات والإضرابات العمالية؟

في عهد مبارك، كان التعامل مع الإضرابات يتم باعتبارها ملفات سياسية أكثر من كونها أمنية، أما اليوم، فالمناخ الأمني بات أكثر إحكامًا، مما جعل العمال يعيشون في حالة من الخوف من القبض عليهم، أو الحبس، أو الفصل، كما حدث مع عمال وبريات سمنود.

في أواخر عهد السادات، كان هناك ما يسمى بـ"الحبسات"، حيث كان العمال يُحتجزون لمدة 45 يومًا ثم يُفرج عنهم، ليُعاد القبض على مجموعات جديدة، وكان متوسط فترات الاحتجاز لا يتجاوز شهرين أو ثلاثة، أما اليوم، فالمعتقلون قد يبقون في السجون لسنوات.

اضراب عمال "تي آند سي" - خاص فكر تاني
اضراب عمال "تي آند سي" - خاص فكر تاني

أتذكر عند فض إضراب المحلة، كان التدخل سياسيًا وليس أمنيًا، حيث توجه رئيس الوزراء أحمد نظيف، ووزير الاستثمار محمود محيي الدين، ووزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي إلى المدينة، وقرروا صرف شهر منحة لعمال المحلة، و15 يومًا لعمال مصر، في محاولة لاحتواء الإضراب الذي أطلق موجة من الاحتجاجات استمرت حتى 2011.

لاحقًا، أخبرتني عائشة عبد الهادي أنها تلقت تحذيرًا من اللواء حسن عبد الرحمن، الذي قال لها: "رايحة إضراب المحلة تعملي إيه؟ ما تروحيش"، لكنها أصرت على الذهاب قائلة: "هؤلاء زملائي، ويجب أن أستمع إلى مطالبهم". هذا يعكس مدى التأثير الذي وصل إليه الإضراب، حتى أن جهاز أمن الدولة تدخل لمحاولة منعه.

وبالمناسبة، عائشة عبد الهادي، رغم كونها وزيرة سابقة وعضوة في الحزب الوطني، راجعت مواقفها لاحقًا، وعادت إلى جذورها العمالية والنقابية، وشاركت في تقديم واحدة من أفضل المداخلات حول تصفية الحديد والصلب مع مصطفى بكري.

الدور النقابي

أين الدور النقابي من حركة العمال؟

أحيانًا، يكون وجودنا خارج النقابة أكثر فاعلية، إذ يمنحنا مساحة أوسع للتحرك والتأثير مقارنة بالعمل داخلها.

على سبيل المثال، سبق أن أصدرنا نشرة باسم "الصنايعية" بينما كنا خارج النقابة، وكانت تُباع بـ25 قرشًا. أتذكر أن عم يوسف درويش نصحنا فقال: "لما تعملوا حاجة، بيعوها وما توزعوهاش مجانًا، علشان العامل يحترمها ويحطها في جيبه."

كنا نطبع المجلة في أحد الأماكن بشارع عبد الخالق ثروت وسط القاهرة، ونتواصل مع رؤساء القطاعات والمهندسين للحصول على تبرعات تُمكّننا من إصدار أعداد جديدة. ورغم ذلك، لم يمنعنا الأمن من النشر. لاحقًا، أطلقنا نشرات أخرى مثل صوت العامل، والفجر، وغيرها، مما ساهم في تعزيز التواصل بين العمال وتنظيم مطالبهم.

النقابات المستقلة

كيف تقيّم تجربة النقابات المستقلة وتحديدًا الاتحاد المصري للنقابات المستقلة؟

صلاح الانصاري يرى أن الحركة العمالية تفتقد لمؤرخين
صلاح الأنصاري يرى أن الحركة العمالية تفتقد لمؤرخين

جاءت النقابات المستقلة بعد إعلان الحريات النقابية الذي أصدره وزير القوى العاملة والهجرة الأسبق أحمد حسن البرعي في مارس 2011، وكان الهدف الأساسي رفع اسم مصر من القائمة السوداء لمنظمة العمل الدولية. لكن عمليًا، سبق هذا الإعلان إنشاء الاتحاد المصري للنقابات المستقلة في 30 يناير 2011، فيما كانت نقابة الضرائب العقارية قد تأسست وسُجلت بالفعل في عهد حسني مبارك.

أردنا استغلال فرصة وجود وفد من منظمة العمل الدولية في وزارة القوى العاملة أثناء لقاء الوزيرة عائشة عبد الهادي، وقدمنا أوراق تأسيس أول نقابة عامة مستقلة. يُحسب لكمال أبو عيطة أنه قاد هذه النقابة في ظل المناخ السياسي السائد حينها، رغم محاولات حسين مجاور، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر آنذاك، ضمها للاتحاد الرسمي، وهو ما رفضته نقابة الضرائب العقارية. وفي يناير 2011، تم الإعلان عن أول نقابة مستقلة خلال مؤتمر صحفي بنقابة الصحفيين.

أما الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، فقد كان كيانًا ناشئًا، أعضاؤه يخوضون التجربة النقابية لأول مرة، وسط حملة شرسة من الأمن والاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي لجأ إلى المشير طنطاوي لمقاومة النقابات المستقلة والتضييق عليها، وهو نفس الموقف الذي تكرر في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي.

في تلك الفترة، برز مصطلح المطالب الفئوية، في إشارة إلى من يُتهمون بالسعي وراء مصالحهم الخاصة على حساب الوطن. هذا المصطلح روجه المجلس العسكري، وجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الوفد، رغم أن الأخير كان داعمًا لإضراب الحديد والصلب في عهد فؤاد سراج الدين.

الإخوان، الذين سيطروا على الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وقتها، حاربوا النقابات المستقلة للحفاظ على هيمنة الاتحاد الرسمي، حيث لم يكن المجلس الأعلى للأجور أو اللجان المشتركة يعترف إلا به.

ورغم أن النقابات المستقلة كانت تجربة وليدة، فقد واجهت انقسامات واستقطابات، سواء من الاتحاد الرسمي عبر الترهيب الأمني أو الإغراءات المالية، مما أدى إلى خروج بعض النقابات الكبرى المؤسسة للاتحاد المصري للنقابات المستقلة، مثل نقابتي الفنيين الصحيين والنقل العام، اللتين انضمتا للاتحاد الرسمي طمعًا في الامتيازات. لكن على الجانب الآخر، أدى ذلك إلى تراجع دورهم كحركة نقابية فاعلة وسط أعضائهم.

انقسامات النقابات المستقلة

كيف تفسر الانقسامات المبكرة إلى إضعاف الكيانات النقابية المستقلة؟

عدم الخبرة، إلى جانب الطبيعة الجنينية للحركة النقابية المستقلة، كانا عاملين رئيسيين في انقسامها وإضعافها.

المئات من عمال شركة كيما أسوان لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، يحتجون على تخفيض الأرباح - خاص فكر تاني
المئات من عمال شركة كيما أسوان لإنتاج الأسمدة النيتروجينية، يحتجون على تخفيض الأرباح - خاص فكر تاني

كذلك، ساهمت منظمة العمل الدولية في جزء من هذا الانقسام من خلال عقد تدريبات في أفخم فنادق القاهرة، حيث جذبت بدلات الانتقالات المغرية بعض القيادات، مما أدى إلى انحراف الحركة النقابية المستقلة عن دورها الأساسي، وأحدث فجوة بينها وبين الطبقة العاملة التي شعرت بحالة من الاغتراب.

في تلك الفترة، ظهرت مبادرة مهمة تحت اسم اللجنة التنسيقية للعمال، أطلقها مركز هشام مبارك للقانون، وشارك في إدارتها عدد من القيادات العمالية والحقوقية، مثل أحمد سيف الإسلام، صابر بركات، محمود مرتضى، وآخرون. كانت اللجنة تعقد اجتماعات شهرية، في أول جمعة من كل شهر، لمناقشة القضايا العمالية، مما وفر مساحة لتبادل الخبرات والتجارب، وتعزيز التضامن بين العمال من مختلف القطاعات.

أتذكر أننا كنا نجمع اشتراكات بسيطة من بعضنا البعض لشراء علبة كشري لكل فرد، يليها "كوباية شاي وخلاص"، وكان ذلك نموذجًا لبناء تضامن حقيقي دون إفساد العمال أو إغرائهم. كما كنا نغطي تكاليف انتقال العمال من خارج القاهرة لضمان مشاركتهم، اعتمادًا على المساهمات الجماعية.

أما بعض المؤسسات الأخرى، فقد أفسدت العمال والنقابيين عبر تقديم الإغراءات المادية. على سبيل المثال، في المؤسسة الثقافية العمالية، كان البعض يحضر التدريبات فقط للحصول على الحقيبة وبدل الانتقال، ثم يعود إلى بيته دون اهتمام حقيقي بالتنظيم النقابي، وهو ما كان له أثر سلبي على الحركة العمالية.

إضعاف الطبقة العاملة

ما أسباب تراجع دور الحركة العمالية وإضعافها؟

يعود التراجع في المقام الأول إلى تراجع دور اليسار، إذ توجد علاقة طردية بين قوة الحركة العمالية ووجود تيار يساري داعم لها.

على مدار التاريخ، كان اليسار محركًا أساسيًا للحركة العمالية، بدءًا من إضراب الترام عام 1908، حيث تمكن العمال رغم سوء المعاملة من انتزاع حقوقهم، وصولًا إلى تأسيس اتحاد عمالي في العشرينيات، الذي ألغاه سعد زغلول، ثم أعاد السادات حلّه مجددًا، ما يعكس التحديات التي واجهتها الحركات النقابية مع كل تغيير سياسي.

كذلك، يلعب المناخ السياسي دورًا حاسمًا، فكلما كان أكثر انفتاحًا، زادت مساحة الحريات والقدرة على الحشد والمطالبة بالحقوق، والعكس صحيح. في الماضي، كان الهتاف ضد السادات ومبارك أمرًا مألوفًا، أما اليوم، فإن القيود السياسية تجعل ذلك مستحيلًا، مما يحدّ من حرية الحركة العمالية ويضعف تأثيرها.

التضامن العمالي تراجع أيضًا، ففي السابق، كان المعتقل العمالي يعود ليجد دعمًا واسعًا من زملائه وأهله، أما اليوم، فقد أصبح الخوف والتعفف سائدين، كما حدث مع عمال وبريات سمنود الذين امتنعوا عن تلقي المساعدات رغم أزماتهم المالية.

وأخيرًا، أدت هذه التغيرات إلى غياب الفاعلية السياسية، إذ لم تعد هناك حركة سياسية قادرة على دعم الحراك العمالي، وأصبحت حالات فردية مثل ليلى سويف، التي تخوض إضرابًا عن الطعام للمطالبة بالإفراج عن ابنها، أكثر وضوحًا في المشهد، في ظل غياب حراك جماعي مؤثر.

مشهد ملتبس

كيف تقرأ المشهد السياسي الراهن؟

المشهد ملتبس وغريب، ولا أفهم ما يحدث.

لدينا أحزاب فقيرة تجمع من أعضائها المال لدفع إيجار المقر، وأحزاب أخرى تمتلك مقرات أشبه بالقصور، مثل حزب المحافظين ومستقبل وطن. وهناك أحزاب أشبه بالثكنات، يسيطر عليها لواءات سابقون. هذه هي الحياة السياسية التي نعيشها اليوم.

هناك خلل واضح وانعدام للانسجام في الحركة السياسية.

في عامي 1978 و1986، كانت هناك تحالفات سياسية، وعُقدت مؤتمرات في الحلمية بحضور قيادات مثل خالد محيي الدين، وفؤاد سراج الدين، وإبراهيم شكري. قد تختلف معهم أو تتفق، لكن كان لهم حيثية وتأثير وجمهور. أما اليوم، فنحن أمام أسماء بلا ثقل سياسي أو تأثير يُذكر.

من هو أكمل قرطام؟ ومن هم "حماة وطن"؟ ومن هؤلاء أصلًا؟

حملة نحو قانون عمل عادل

نذهب إلى قانون العمل الجديد.. ما رأيك في المقترح الذي يناقشه مجلس النواب حاليًا؟

أشارك في الحملة التي أطلقتها دار الخدمات النقابية، والتي تتابع النصوص المقترحة من الحكومة، كما تتواصل الدار مع النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة في المجلس.

لقاء موسع بمقر دار الخدمات النقابية والعمالية تحت عنوان "لأجل حقوق النساء العاملات شاركوا في الحوار حول قانون العمل وحماية النساء"- فيس بوك
لقاء موسع بمقر دار الخدمات النقابية والعمالية تحت عنوان "لأجل حقوق النساء العاملات شاركوا في الحوار حول قانون العمل وحماية النساء"- فيس بوك

المشكلة ليست في إصدار القانون، إذ يمكن تعديل أي قانون لاحقًا، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب التوازن لصالح العمال، مما يجعل تحقيق مكاسب جوهرية أمرًا صعبًا.

في أفضل الأحوال، إذا استطعنا انتزاع خمس أو ست مواد جوهرية، فسيكون ذلك إنجازًا.

ناقشنا مسألة إنهاء الخدمة، وفكرة "سلطان الإرادة"، حيث لا يمكن مساواة إرادة صاحب العمل بإرادة العامل. كما طرحنا قضية حقوق العاملين بالخدمة المنزلية، الذين لم يشملهم القانون، رغم أن مصر لم تصدق بعد على اتفاقية العمل المنزلي واتفاقية مكافحة التحرش. في حين أن القانون المدني لا يمكن أن يكون بديلاً عن قانون خاص ينظم أوضاع العمال، أو عن الاتفاقيات الدولية التي تضمن حقوقهم.

غياب القيادات القانونية

ما رأيك في مسألة التجاهل الرسمي للعمال في مناقشة القوانين التي تخصهم؟

تم تعييني في شركة الحديد والصلب عام 1968، وتقاعدت عام 2008. وخلال تلك السنوات، لم يظهر جيل آخر "لقط" و"عشق" مع جيلي، والذي خرج بالكامل إلى المعاش، مما أدى إلى غياب صف ثانٍ قادر على استكمال المسيرة.

بعد تقاعدنا، انشغل أغلبنا بالتدريب والتثقيف العمالي، لكن من يترشحون حاليًا للانتخابات النقابية غالبًا ما يكونون أبناء شخصيات نافذة أو ممثلين عن مناطق بعينها، وليسوا ممن لديهم خبرة أو التزام حقيقي تجاه قضايا العمال.

للأسف، نفتقد اليوم جيلًا من المحامين الذين يحملون هموم العمال ويدافعون عن حقوقهم كما كان الحال في الماضي. في إضرابي السكك الحديدية عامي 1978 و1986، ترافع نخبة من المحامين الشباب آنذاك، مثل نبيل الهلالي، أمير سالم، وأميرة بهي الدين، إلى جانب قامات قانونية مثل عصمت سيف الدولة، عبد الله الزغبي، وزكي مراد، وتمكنوا من انتزاع حكم لصالح العمال، رغم أن قانون العقوبات حينها كان يجرّم الإضراب.

القانون 137 لسنة 1981 لم يتطرق إلى مسألة الإضراب، لكن نبيل الهلالي استند إلى تصديق مصر على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حيث تنص المادة الثامنة منه على إباحة حق الإضراب، ليصدر القاضي أمين الرفاعي حكمًا باعتبار الإضراب حقًا مشروعًا، رغم أنه كان في مرفق عام حيوي مثل السكك الحديدية.

اليوم، نشهد تراجعًا تشريعيًا وقانونيًا متعمدًا، حيث أصبحت القوانين تجرّم الإضراب في المرافق العامة والحيوية، ويرجع ذلك إلى غياب جيل جديد من المحامين والقانونيين الذين يتبنون الدفاع عن حقوق العمال، بعد خروج القيادات القانونية السابقة على المعاش أو رحيلها.

وزارة العمل متهمة

حوادث تتكرر بين حين وآخر بسبب غياب السلامة المهنية في القطاعات الصناعية.. من المسؤول؟

دربت مفتشي السلامة والصحة المهنية في وزارة العمل، وكان من بينهم جمال سرور الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للعمل. وكانت الشكوى الرئيسية التي واجهها المفتشون هي قلة أعدادهم، ما يعيق قدرتهم على الرقابة الفعالة.

على سبيل المثال، تضم مدينة العاشر من رمضان نحو 3000 مصنع، في حين لا يتجاوز عدد موظفي مكتب العمل هناك 60 شخصًا، مما يجعل من المستحيل تغطية جميع المنشآت بالتفتيش والمتابعة والمراقبة.

عمال البناء أبرز من يعانون من العمل في ظروف الحرارة الشديدة - صورة خاصة
عمال البناء أبرز من يعانون من العمل في ظروف الحرارة الشديدة - صورة خاصة

إلى جانب ذلك، يعاني المفتشون من تدني الأجور، رغم أن جميعهم من ذوي المؤهلات العليا، ما يدفع الكثير منهم إلى الاستقالة. كما أن مكافآتهم على ضبط المخالفات تُوزَّع بشكل غير عادل، حيث تذهب قيمة الغرامات إلى موظفي ديوان الوزارة، بينما يحصل المفتشون الذين قاموا بالمهمة على الفتات.

أما في قطاع المحاجر، فشروط السلامة المهنية تكاد تكون معدومة، فلا توجد كمامات أو أي وسائل وقاية، بل إن بعض أصحاب المحاجر يقدمون عقار الترامادول للعمال في الشاي ليتمكنوا من العمل لساعات طويلة. كما أن الإصابات هناك جسيمة، وأبسطها قطع أحد الأطراف بسبب آلات قطع الحجر الجيري.

توجد علاقة طردية بين قوتي اليسار والحركة النقابية ونفتقد المفكرين العماليين

كذلك، تنتشر عمالة الأطفال في المحاجر، حيث يعمل الأطفال بدلًا من آبائهم الذين أصيبوا أو تُوفوا جراء ظروف العمل القاسية. وعندما طالب العمال في المنيا بمتابعة التفتيش، طلبت منهم القوى العاملة توفير سيارة لنقل المفتشين!

حتى العمال أنفسهم أحيانًا يكونون جزءًا من المشكلة، فقد شهدتُ في شركة الحديد والصلب قيام بعض العمال ببيع ملابس وأحذية السلامة التي تصرفها الشركة، ليتم إعادة بيعها للمتعهد الذي يعيد بيعها للمصنع مرة أخرى.

الحل يكمن في إعادة هيكلة المنظومة وفقًا لمعايير منظمة العمل الدولية، لكن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق وزارة العمل، فهي الجهة المعنية ببيئة العمل وضمان سلامة العمال.

تعمد تغيير شكل الطبقة العاملة

لماذا غابت حركة التضامن العمالي؟

شهدت الطبقة العاملة الصناعية إزاحة ممنهجة، رافقها تغييب متعمد لوعيها، ما أدى إلى اختفاء الحركة التضامنية التي كانت قائمة في مناطق مثل حلوان، شبرا، والمحلة الكبرى. هذه المناطق لم تعد تلعب الدور الذي كانت عليه سابقًا.

اجتماع لعمال "مصر للألومنيوم" أثناء إضراب سابق - خاص فكر تاني
اجتماع لعمال "مصر للألومنيوم" أثناء إضراب سابق - خاص فكر تاني

الإزاحة بدأت مع سياسة المعاش المبكر، التي أدت إلى خروج آلاف العمال من المصانع، إضافة إلى تصفية شركات قطاع الأعمال العام، ما أدى إلى تفكيك الطبقة العاملة الصناعية التي نشأت في عهد عبد الناصر. وبدلًا منها، ظهرت طبقة جديدة تفتقد إلى الترابط والوعي النقابي.

اليوم، أصبحت العمالة غير المنتظمة تمثل 40% من قوة العمل في مصر، بينما لا يتجاوز عدد العاملين في القطاع الحكومي 6 ملايين، ما يعني أن الطبقة العاملة الصناعية المؤهلة، التي كانت تدرك قيمة المصنع وتعتبره جزءًا منها، قد تآكلت. هذه الطبقة كانت مرتبطة بوعي وطني، خاضت مواجهات ضد إسرائيل، واشتبكت فكريًا مع حركة يسارية منظمة، لكن هذا الوعي لم يعد موجودًا لدى الجيل الحالي.

هناك فجوة معرفية بين الأجيال؛ فجيلنا كان يعتمد على الورقة والقلم، بينما الجيل الجديد مميكن وغير متصل بتاريخ الحركة العمالية. تغير سوق العمل ولم يعد العمال يعلمون من يُنتج المنتج أو أين يُنتج.

في الماضي، كان التضامن العمالي يتحقق بسبب قرب المصانع من بعضها، فلو حقق مصنع مكسبًا اليوم، كان المصنع المجاور يسعى لتحقيقه غدًا. أما الآن، فالمناطق الصناعية متباعدة، والمصانع قائمة في أماكن منفصلة عن التجمعات السكنية؛ فعمال العاشر من رمضان من سكان الشرقية، وعمال السادات من سكان المنوفية، ما يعني أن العامل ينفصل عن بيئة العمل بعد انتهاء دوامه، وهذا يقلل من الروابط بين العمال.

في السابق، كان هناك أندية للعمال، وسينما داخل المناطق الصناعية، كما كان الحال في التبين بجوار مصنع الحديد والصلب. حتى الخبراء الروس الذين عملوا في المصنع كانت لهم مساكن ونوادٍ خاصة بهم، ولكن بعد طردهم في عهد السادات، تم تفكيك تلك المنظومة التي عززت الانتماء العمالي.

قانون العمل يتجاهل العمالة المنزلية.. والوزارة تتحمل غياب الصحة المهنية

هناك خلل ممنهج

إلى أين تذهب مصانع مصر وطبقتها العاملة؟

عندما نتحدث عن نهضة عمرانية، فإن ذلك يعني بناء وتشييد. ومع إنشاء عاصمة إدارية جديدة والمشروعات في المدن الجديدة، تظل هناك مفارقة كبيرة في تصفية مصانع الحديد والصلب و القومية للأسمنت، التي تُعتبر أساسًا للبناء. فكيف يُمكن تصفية الصناعات التي تشكل العمود الفقري للبناء وتوقع التقدم؟!

مثال آخر على هذا التناقض هو مصنع ملوى في المنيا، الذي تم تصفيته بينما الدولة تواجه أزمة في إنتاج السكر. هذه التصفية تشير إلى خلل ممنهج في السياسة الصناعية، وهناك توجهات غير واضحة لتصفية صناعات كبيرة دون أن نعرف السبب أو الجهة المستفيدة.

إذا كانت التصفية لصالح المستثمر الخاص، فحتى هذا المنظور لم يكن في مصلحته، إذ تضرر القطاع الخاص الذي أصبح مضطرًا للاستيراد بعد تقليص الإنتاج المحلي من الحديد والصلب. هذا يقود إلى فتح الباب للاستيراد الذي يرفع التكاليف ويؤثر على الميزان التجاري، مما يؤدي بدوره إلى ارتفاع العملة و زيادة التضخم في الاقتصاد المصري، وبالتالي غلاء الأسعار في الأسواق.

إذا كان هناك طرف يريد استغلال هذا الخلل، فلا يزال السؤال قائمًا: من هو هذا الطرف؟ ولماذا يتم تنفيذ هذه السياسات؟ إن معرفة الإجابة على هذه التساؤلات هي التي ستمكننا من تحديد مستقبل مصر وعمالها واقتصادها.

 

 

 

 

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة