"مش هازرعه تاني"، يردد أحمد الشافعي، وهو واحد من مزارعي القطن في الشرقية، في كل لقاء مع جيرانه، بعد الموسم الحالي الذي شهد ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف زراعة الفدان إلى 45 ألف جنيه، و65 ألف جنيه في حال استئجار الأرض، هذا فضلًا عن أجرة العمالة.
تواجه زراعة القطن صعوبات إضافية تتمثل في تأخر تسليم مستحقات المزارعين من مقابل توريد المحصول للمحالج، حيث تصل مدة التأخير إلى قرابة الشهرين. هذا في الوقت الذي يضطر فيه المزارعون لشراء الأسمدة والتقاوي والمبيدات بالأجل على أمل السداد بعد توريد المحصول.
يشدد الشافعي على أن زراعة فدان القطن هذا العام كانت مكلفة للغاية، حيث استخدم في زراعته 6 أجولة من السماد الكيماوي، وجوال سماد بوتاسيوم بقيمة 1200 جنيه، بالإضافة إلى 2000 جنيه للمبيدات، ليصل إجمالي التكاليف إلى 9000 جنيه.
كما بلغت تكاليف الحرت والعزيق والبذور 1500 جنيه، لينتهي المحصول عند 3 قناطير ونصف فقط.
ويواجه محصول القطن أزمة تسويقية حادة، حيث تراجعت أسعاره عالميًا عن الأسعار المحددة في منظومة تداول الأقطان التي وضعتها الحكومة، والبالغة 10 آلاف جنيه للقنطار في الوجه القبلي، و12 ألف جنيه في الوجه البحري.
منظومة تداول الأقطان: تحديات وآمال
بدأت الدولة في 2019 تنفيذ منظومة جديدة لتداول الأقطان، تعتمد على دمج التسويق التعاوني والحر عبر المزايدات. حيث يقوم المزارع بتوريد محصوله لحلقات التسويق التابعة للدولة التي تدير المزايدات تحت رقابة لضمان ربط الأسعار بالسوق العالمي.
ومع ذلك، امتنعت الشركات عن شراء المحصول، بينما لم تتمكن شركات الغزل الحكومية من شراء كامل الإنتاج. ورغم قرار الحكومة بتحمل فرق الأسعار، إلا أنها لم تصرف مستحقات العديد من المزارعين حتى الآن.
من جانبه، اشتكى محمد أبو مختار، مزارع من الشرقية، من تأخر تسليم ثمن المحصول رغم توريده في 26 أكتوبر الماضي، بينما قال محمد سامي، مزارع آخر، إن المنظومة لم تُسدد للمزارعين رغم حاجتهم الملحة لتغطية تكاليف الموسم الجديد، مؤكدًا أن المزارعين يعتمدون على سداد المستحقات لتغطية نفقات الري والأسمدة.
تدهور الإنتاجية وأسبابها
تدخل النائب محمد عبدالعليم داود، عضو مجلس النواب، في الأزمة، مشيرًا إلى تدهور الإنتاجية في منظومة القطن وضياع حقوق الفلاحين. وذكر أن هناك نحو 400 ألف قنطار من القطن مفروزة في كافة محافظات الوجه البحري، إلا أن الجهات المختصة لم تقم بإجراءات المزايدات بعد الانتهاء من عملية الفرز، ما يهدد بتعرض المحصول للتلف بسبب موسم الأمطار.
وانتقد عبدالعليم اللوم استخدام أنظمة الوزن التقليدية مثل "السبية والكلة"، التي تحتوي على هامش خطأ كبير، مؤكداً على ضرورة استخدام ميزان رقمي حديث ودقيق لضمان العدالة.
شبهة تلاعب في بذور القطن
أضاف النائب داود أن هناك شبهة تلاعب في بذور القطن في الوجه البحري، ما أدى إلى انخفاض إنتاجية الفدان بنسبة تزيد عن 60٪، مما أثر سلبًا على أسعار القطن رغم زيادة سعر الدولار هذا الموسم مقارنة بالعام السابق.
وأعرب عن معاناة الفلاح المصري بسبب تجاوزات الحكومة تجاه محصول القطن، الذي يعد من أهم المحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها في توفير احتياجاته، بالإضافة إلى تحمله أعباء ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج.
الدولة ملزمة بدعم الفلاح
وفي سياق متصل، طالب فؤاد ليلة، المسؤول السابق في شركة النيل الحديثة للأقطان، بعقد مؤتمر عام للقطن المصري لوضع سياسة واضحة ودائمة من حيث الإنتاج والتسويق والتسعير.
وأكد ليلة أن سعر الضمان الذي حددته الحكومة للفلاح يعد حقًا دستوريًا وفقًا للمادة 29 من الدستور، التي تلتزم الدولة من خلالها بتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي وشراء المحاصيل الأساسية بسعر مناسب يحقق ربحًا للمزارعين.
وشدد ليلة على ضرورة إصدار قانون لصندوق موازنة أسعار القطن، يحدد كيفية وآليات تحديد سعر الضمان وضمان تسهيل إجراءات شراء المحصول بسعر عادل يحقق للمزارعين هامش ربح مناسب.
من جانبه، قال الدكتور مصطفى عطية، المتحدث باسم معهد القطن، إن سعر الضمان الذي أعلنته الحكومة كان أعلى من السعر العالمي، ويهدف إلى حماية حقوق المزارعين. ولكنه أشار إلى أن المشكلة تكمن في امتناع التجار عن الشراء، وأن الدولة تدخلت في أول 4 مزادات لشراء 300 ألف قنطار من القطن.


