رولا عادل رشوان: التقليل من شأن الأعمال النسائية سببًا في غياب ترجماتها من الروسية.. الذكاء الاصطناعي بعيد عن الإبداع (حوار)

  • الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الإبداع والنعومة والتناسق البشري
  • هناك كثير من أوجه الشبه الكبيرة بين الثقافة الشرقية والروسية
  • الترجمة تلعب دورًا جوهريًا في ربط الشعوب وتعزيز التفاهم بين الثقافات المختلفة
  • الجيل الحالي متعطش لاستكشاف تنوع أكبر من الأدب الروسي
  • الأدب يلعب دورًا أساسيًا في التعبير عن الواقع الاجتماعي لكنه ليس ملزمًا بمعالجته 
  • لا أفكر في كتابة عمل خاص بي لأن أفكاري لم تتبلور بعد
  • البعض يصنف الأدب النسائي باعتباره أقل أهمية

رولا عادل رشوان، مترجمة مصرية تخرجت في كلية الألسن، قسم اللغة الروسية، عام 2005. بدأت مسيرتها المهنية بالتدريب في وزارة الخارجية المصرية، ثم انتقلت إلى العمل في مجال السياحة، ما أتاح لها الفرصة للتفاعل مع ثقافات متنوعة وتطوير مهاراتها اللغوية.

نُشر لها العديد من المقالات الأدبية والترجمات في منصات ثقافية مختلفة داخل مصر وخارجها، ما يعزز من حضورها الثقافي والأدبي. 

في بداية عام 2019، حصلت على جائزة أفضل كتاب مترجم للطفل من المركز القومي المصري للترجمة عن ترجمتها لمجموعة القصص الروسية "بابا ياجا"، التي حققت نجاحًا لافتًا في الوسط الأدبي. تعمل رولا حاليًا في مجالات الترجمة وكتابة المحتوى بثلاث لغات: العربية، والإنجليزية، والروسية، مركزةً على نقل الأعمال الأدبية العالمية إلى العربية، بما يسهم في إثراء المكتبة العربية وتقديم تجارب أدبية مميزة للقراء.

الترجمة ورحلة الاختيار

كيف بدأت مسيرتكِ المهنية وما سبب اختياركِ للترجمة؟

قبل أن أقرر التخصص في ترجمة الأدب الروسي، عملت في شركة سياحة، وفي تلك الفترة، كنت أتعامل مع الوكالات التي تعمل مع السائحين/ات الروس، وترجمت العروض التي قدمتها الشركة للوفود الأجنبية. لكني، لم أجد نفسي في هذا المجال ولم أكن أستمتع به، لذا، قررت الاستقالة وبدأت في الترجمة العامة بشكل مستقل، سواء في مصر أو خارجها. 

المترجمة رولا عادل في حوارها مع فكّر تاني
المترجمة رولا عادل في حوارها مع فكّر تاني

وفي عام 2019، أثناء قراءتي لكتاب مترجم من القصص الشعبية الألمانية للأخوين غريم، تساءلت لماذا لا توجد ترجمات مشابهة للقصص الشعبية الروسية، خاصة وأنني كنت قد تخرجت في قسم اللغة الروسية. 

وبعد بحث طويل، اكتشفت أن الترجمات الموجودة كانت قليلة جدًا، وبعضها كان محرفًا بشكل يُغير في معاني القصص الأصلية، ما دفعني إلى اتخاذ قرار بترجمة مجموعة من القصص الشعبية الروسية، واخترت حوالي 30 قصة، وكان هناك شبه اتفاق مع الهيئة العامة للكتاب لترجمتها، ولكن قبل توقيع العقد توقفت المراسلات فجأة.

كنت قد أعلنت عبر صفحات التواصل الاجتماعي عن قرب نشر كتيب لي، وأوضحت ما حدث من توقف للاتفاق مع الهيئة، وقرأ صديق لي هذا المنشور ومكنني من التواصل مع دار نشر كانت ترغب في البدء في ترجمة الأدب الروسي. تواصلت معهم، وبالفعل تم نشر الكتاب الذي كان أول محاولة لهم في نشر الترجمة، وكان أيضًا أولى محاولاتي في الترجمة الأدبية.

هذا الكتاب كان "بابا ياجا"، الذي حصل على جائزة أفضل كتاب للأطفال مع دار نشر "كتوبيا".

منذ ذلك الحين، بدأت مشروعي في ترجمة الأدب الروسي، وركزت على ترجمة الأعمال للمؤلفين الذين لم يكونوا مشهورين بعد ولم يسمع عنهم أحد، وقررت أن لا أقصر عملي على الروايات فقط، رغم ميولي للروايات؛ لأنها قصيرة نسبيًا مقارنة بالأعمال الروسية الكبيرة، التي غالبًا ما يفضلها القارئ ودور النشر.

لكل مهنة صعابها والنشر في مصر يعاني في الفترة الأخيرة. ما التحديات التي واجهتك مع الترجمة والتوزيع؟

في الفترة الأخيرة، أصبح الأدب المترجم يحظى باهتمام أكبر من قبل دور النشر والقراء على حد سواء، ما يمثل خطوة إيجابية نحو زيادة التنوع الأدبي، لكن هذا الاهتمام يأتي مصحوبًا ببعض التحديات. على سبيل المثال، مع تزايد المنح والمساعدات المالية للترجمة، أصبح هناك عدد كبير من الذين يدخلون هذا المجال دون تأهيل كاف أو خبرة مقنعة، وهو أمر ينعكس بالضرورة على جودة الترجمة. للأسف، هذا الأمر يؤدي إلى تراجع ثقة بعض القراء في الكتب المترجمة، ويدفعهم للابتعاد عنها.

أرى أنه من المهم أن يكون هناك اهتمام أكبر بالحفاظ على سمعة المترجم باعتباره حلقة وصل بين النص الأصلي والجمهور، فالقراء غالبًا ما يختارون الكتاب بناءً على ثقتهم في المترجم، إذ لا تقتصر عملية الترجمة على نقل الكلمات فقط، بل تشمل أيضًا الحفاظ على نغمة النص وروحه، والتي إذا فقدها القارئ فقد ثقته في الترجمة شوك في جودتها، وقد يتجنب الكتب المترجمة تمامًا، مما يؤثر سلبًا على الصناعة بشكل عام.

مع تزايد تأثير الذكاء الاصطناعي في الترجمة، هل تظنين أن التكنولوجيا يمكن أن تحل مكان المترجم الأدبي في المستقبل؟

في الحقيقة، أنا لا أعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في عملي، لكنني أتابع تطورها بين الحين والآخر لأبقى على اطلاع بآخر التحديثات وأرى إلى أين وصلت هذه التقنية. إلى الآن، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي لم يصل إلى المستوى الذي يسمح بالاستغناء عن المترجم البشري، خاصة في مجال الترجمة الأدبية، التي تتطلب حسًا لغويًا وثقافيًا، لا تزال هذه الأدوات تفتقر إليه.

أما على مستوى الترجمة العامة، من الواضح أن الذكاء الاصطناعي أثر على مهنة الترجمة، وأحيانًا سلبًا.

خضتُ تجاربًا عديدة وسجلت النتائج، ومن خلالها أستطيع التمييز بسهولة بين الترجمة الآلية، كتلك التي تقدمها أدوات مثل "جوجل" والترجمات البشرية. وأود أن أقول إن الترجمات الآلية غالبًا ما تفتقر إلى النعومة والتناسق، وتبدو واضحة للمتمرسين في الترجمة.

ورغم أنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيواصل التطور ويصبح أكثر دقة بمرور الوقت، إلا أنني أرى أنه ما يزال بعيدًا عن القدرة على تقديم ترجمات أدبية متكاملة، حيث يتطلب الأدب مستوى مغاير من الإبداع والمرونة في إعادة الصياغة، بالإضافة إلى فهم دقيق للسياق الثقافي، وهي عناصر أراها صعبة التحقيق للذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب.

حدثينا عن تجربتك مع مجلة "راكوتيس"

"راكوتيس" مجلة ثقافية فريدة، تُقدم محتوى كأنه صادر في العصر البطلمي، تعاون المؤلفون والرسامون لتصوير الشخصيات والأحداث كما لو كانوا يعيشون في تلك الحقبة. 

شاركت في "راكوتيس" بنصين من كتابتي؛ النص الأول بعنوان "مراسم تنصيب بطليموس"، ويتناول انتقال بطليموس من حاكم للإسكندرية إلى ملكها، بعد وفاة الإسكندر الأكبر. واستندت في هذا المقال إلى الأبحاث التاريخية والتفاصيل المعروفة حول تلك الحقبة، وتخيلتُ المراسم والخطاب الذي ألقاه بطليموس.

وخلال البحث، اكتشفت معلومة مهمة: أن بطليموس الأول كان يمنع المصريين من الالتحاق بالجيش، مُقتصرًا دورهم على حفظ الأمن الداخلي فقط، بينما فتح باب الهجرة لليونانيين وجعل الجيش مكونًا بالكامل منهم.

أما النص الثاني، فهو رسالة خيالية ضمن قسم "بريد القراء" من شخص مصري مجهول يعبّر فيها عن حلمه بالانضمام للجيش والدفاع عن حدود البلاد، إلا أن أمر بطليموس الأول كان حاجزًا أمامه. 

المجلة مليئة بالتفاصيل التي تُعيدنا إلى ذلك العصر، من إعلانات للعطور وأخبار الحوادث وصيدليات، إلى تغطية أحداث شعرية.

فريق عمل "راكوتيس" الذي عرض للإسكندرية البطلمية
فريق عمل "راكوتيس" التي عرضت للإسكندرية البطلمية

كيف تتعاملين مع خصوصية لغة النص أثناء ترجمته، خاصة وأن الحس اللغوي يختلف من لغة لأخرى؟

أعمل جاهدة على أن تكون ترجماتي على أعلى مستوى من الاحترافية. أكثر ما يسعدني حيث أسمع من القراء أنهم لا يشعرون أن الكتاب مترجم، وأنهم يقرؤون النص كما لو كان بلغته الأم. 

هذا بالطبع يعود إلى سلاسة اللغة التي أحاول أن أحققها، ولكن مع الحفاظ على أصالة النص، دون أن أتدخل في خلفيته أو صوت الكاتب، فكما نعرف "المترجم ليس مؤلفًا"، بل هو جسرًا بين لغتين وثقافتين، وهو مُطالب بأكبر قدر ممكن من الأمانة في نقل المعنى والفكرة.

لعل ما يُميز المترجم عن غيره هو الأسلوب والطريقة التي يتعامل بها مع النص، واستخدامه المفردات المناسبة التي تعكس جوهر النص الأصلي، وهو ما أسعى لتطويره باستمرار في عملي. 

أعتقد أن الأمر لا يتعلق فقط بإتقان اللغة، بل يتطلب مهارات أخرى مثل فهم ثقافة النص والسياق الذي تمت كتابته فيه، وقدرة المترجم على تقديمه بشكل يليق بالجمهور المستهدف.

أتمنى أن يُعامل مجال الترجمة بنفس الجدية التي تُعامل بها أي مهنة أخرى تحتاج إلى تخصص واحتراف، فالكثيرون يعتقدون أن الترجمة هي مجرد إلمام باللغة المترجم منها، ولكن الحقيقة أن الأمر أكبر بكثير؛ فالترجمة مهنة تتطلب معرفة عميقة باللغة وثقافتها، وفهم دقيق للنصوص وأسلوب الكتابة. ويظهر هذا جليًا في تجربتي المهنية، حيث أن أول كتاب ترجمته يختلف تمامًا عن آخر كتاب، من حيث المفردات ومستوى الاحترافية، ما يعكس التطور الذي حققته حتى الآن.

هناك اهتمام متزايد بترجمة المصطلحات الثقافية بدقة للحفاظ على روح النص، كيف توازنين بين الحفاظ على النص الأصلي وتقديمه بشكل مفهوم ومحبب للقارئ العربي؟

أرى أن تقديم النص بشكل محبب قد يكون تدخلًا غير مبرر في النص الأصلي، فعلى سبيل المثال، عند ترجمتي لأعمال إدجار آلان بو، لاحظت أن بعض الفقرات قد تتكون من اثنى عشر سطرًا لكنها في الواقع جملة واحدة مترجمة. 

إذا كان القارئ العربي غير مطلع على أسلوب بو، فقد يعتقد أن هناك مشكلة في الترجمة نفسها، في حين أنني التزمت بأسلوب الكاتب كما هو.

من المهم أن يدرك القارئ أن لكل كاتب أسلوبه الفريد، وأرى أن دوري كمترجمة ليس في تغيير أسلوب الكاتب ليبدو أكثر وضوحًا أو مناسبةً للذوق العام، بل في نقله بأمانة، حتى لو كان ذلك يتطلب جهدًا أكبر لفهمه. 

على سبيل المثال، في كتاب "أوليسيا"، تتنوع القصص بين الرومانسية والفانتازيا والفلسفة، وقد لا تلقى كل القصص استحسان الجميع، حيث وجدتُ أن بعض القراء أعجبوا بالقصة الأولى بينما شعروا بالغموض في القصص التالية، وذلك لأن تلك هي طبيعة أسلوب الكاتب، ولا أرى من المناسب تغييره ليصبح أكثر وضوحًا أو توافقًا مع توقعات القارئ.

التقارب بين التراث الشعبي المصري والروسي

كيف يرى الجمهور المصري أعمالك التي تتناول التراث والتاريخ الروسي؟

يتفاعل الجمهور المصري بشكل إيجابي مع أعمالي التي تتناول التراث والتاريخ الروسي، لأن هناك كثير من أوجه الشبه الكبيرة بين الثقافة الشرقية والروسية، خصوصًا في الحكايات الشعبية التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتتغير أحداثها مع مرور الزمن دون أن تفقد روحها الأساسية. 

هذا التشابه يعزز من قدرة الجمهور على الارتباط بهذه القصص، مثل شخصية "بابا ياجا" الروسية التي تتشابه مع "أمنا الغولة" في التراث العربي، ما يجعل القصة قريبة من خيالهم الشعبي.

كذلك، هناك حكاية الملك الروسي الذي جمع بناته وسألهن عن مقدار حبهن له؛ إحداهن قالت إنها تحبه "بمقدار الذهب"، والأخرى "بمقدار الياقوت"، أما الثالثة فأجابت "بمقدار الملح"، مما أغضب الملك الذي اعتبر الملح غير ذي قيمة. لكن، مع مرور الوقت وفقدان الملح من البلاد، يجد الملك نفسه في موقف محرج عندما يرفض ضيوفه دعوته بسبب عدم وجود الملح في قصره، فيدرك مغزى كلام ابنته التي عبرت عن حبها البسيط والعميق. 

هذا الدرس الشعبي يتقاطع مع الثقافة الشرقية التي تعطي "العيش والملح" رمزية للعلاقات المتينة والصادقة.

في ضوء التشابهات الثقافية، كيف ترين أهمية الترجمات التي تربط بين الشعوب؟ وهل يمكن أن تسهم الترجمة في تعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة؟

تلعب الترجمة دورًا جوهريًا في ربط الشعوب وتعزيز التفاهم بين الثقافات المختلفة، لذلك من المهم أن يكون المترجم على دراية عميقة بثقافة اللغة المستهدفة.

في تجربتي مع ترجمة كتاب "بابا ياجا"، أضفت هامشًا يوضح للقارئ المصري رمزية "الملح" في الثقافة الروسية، حيث يمثل قيمة عالية ويرتبط بالكرم والضيافة، وهو ما يفسر غضب الضيوف عند فقدان الملح. يسهم هذا الشرح في توصيل المعنى الثقافي للنص بشكل دقيق.

كذلك في ترجمتي لكتاب "عائلة روسية"، وجدت أن هناك عادة روسية تقضي بأن يتم تجهيز مهر الفتاة منذ طفولتها، حيث تعتبر هذه العادة دليلًا على الاستعداد للزواج وتنعكس على مكانة الفتاة واحتمال تقدم الخطاب لها. 

لم تكن هذه التفاصيل واضحة من دون الشرح، لذا أضفت توضيحات تسهم في فهم القارئ المصري لهذه التقاليد الروسية وأبعادها الاجتماعية.

المترجمة رولا عادل في حوارها مع فكّر تاني
المترجمة رولا عادل في حوارها مع فكّر تاني

رغم مرور سنوات على ارتباط القارئ المصري بالأدب الروسي، هل ترين اهتمامًا من الجيل الجديد بهذه الأعمال؟ وكيف يمكن إبقاء الأدب الروسي حاضرًا في المشهد الأدبي المصري؟

أرى أن الجيل الجديد يبدي اهتمامًا بالأدب الروسي، وقد أصبح لديهم فضول لاكتشاف أعمال لم تترجم بعد.

على الرغم من أن الترجمات للأدب الروسي كانت وفيرة في الماضي، إلا أن توقفها لفترة طويلة جعل القراء الشباب يشعرون بغياب جديد الأدب الروسي، وذلك أورثهم شغفًا بالاطلاع على أعمالنا.

العديد من دور النشر اختارت ترجمة أهم الأعمال فقط لأشهر الكتّاب، دون التعمق في نشر تنوع الإنتاج الأدبي الروسي بالكامل، مما أدى إلى انحصار نظرة القارئ للأدب الروسي في نوع معين، بينما الأدب الروسي يزخر بأشكال وأصناف مختلفة يمكن أن تجذب الجيل الجديد.

هذا الجيل متعطش لاستكشاف تنوع أكبر من الأدب الروسي، ولديّ خطط لترجمة أنواع أدبية جديدة من روسيا لتوسيع أفق القارئ المصري وإطلاعه على جوانب مختلفة.

من أجل إبقاء الأدب الروسي حاضرًا في المشهد الأدبي المصري، أؤمن بدور الفعاليات الثقافية والندوات في تحقيق ذلك، إلى جانب إقامة حفلات توقيع وجلسات نقاش مفتوحة تجمع بين المهتمين بالأدب المترجم. أيضًا، يُمكن الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى جمهور أوسع، وتقديم مقتطفات أدبية ونقاشات حول الشخصيات والأحداث التي يتميز بها الأدب الروسي.

كيف تقيمين الدور الذي يلعبه الأدب في مواجهة القضايا الاجتماعية، سواء في مصر أو روسيا، وهل هناك قضايا معينة تتطلب اهتمامًا أكبر من الأدباء؟

يلعب الأدب دورًا أساسيًا في التعبير عن الواقع الاجتماعي، لكنه ليس ملزمًا بأن يكون وسيلة مباشرة لمعالجة قضايا المجتمع. 

ومن خلال تجربتي في ترجمة الأدب الروسي الكلاسيكي، ألاحظ أن العديد من القضايا التي تناولها الأدب قد تتجدد، أو تظهر بصيغ جديدة تعكس تطورات المجتمع، ومع ذلك، أعتقد أن الأدب لا يجب أن يُحمَّل وظيفة توجيهية أو علاجية لحل مشاكل المجتمع.

الأدب قد يتطرق إلى قضايا معينة بشكل ضمني أو عابر كجزء من سياق حياتي أوسع، وليس بالضرورة كتركيز رئيسي؛ فقد يعبر عن قضية اجتماعية كخلفية أو مكون ضمن حبكة القصة، فيتفاعل معها القارئ بشكل طبيعي دون أن يُفرض عليه توجيه أو حلول محددة. هذا النوع من الأدب يشبه الحياة الواقعية التي تجمع بين مشاهد متعة وتسلية وأحيانًا فكر عميق، ويخلق تنوعًا في التجربة الأدبية.

هناك قيمة كبيرة في الأدب لأسباب تتجاوز كونه وسيلة لمعالجة المشاكل الاجتماعية، فالتجربة الأدبية قد تكون مزيجًا من المتعة الفكرية، أو التسلية، أو حتى الفكاهة التي تجعلها مقربة إلى الجمهور. فعلى سبيل المثال، هناك العديد من الأفلام والأعمال الأدبية التي يحبها الجمهور المصري بسبب قدرتها على تقديم حكايات شعبية وأحداث عادية، لكن عندما نحاول سبر عمقها من منظور فكري، قد لا نجد قضية واضحة أو رسالة معينة. 

ومع ذلك، تظل هذه الأعمال محببة وذات تأثير، وهو ما يدل على أن تأثير الأدب لا يحتاج دائمًا أن يرتبط برسالة أو هدف معين، بل يُمكنه أن يحتفي بتجارب الحياة دون قيود أو أهداف محددة.

المرأة في الأدب الروسي

هل ترين أن الأدب الروسي المعاصر يعكس قضايا المرأة بشكل أعمق من الأدب الكلاسيكي؟ وما مدى حاجة الأدب العربي لترجمة مثل هذه الأعمال التي تقدّم رؤى جديدة عن المرأة؟

في الواقع، الأدب الروسي المعاصر المترجم يشمل أقلامًا نسائية أكثر مقارنةً بالكلاسيكي، وهذا ما أعمل عليه في مشروعي لترجمة أعمال كاتبات روسيات لم تُترجم أعمالهن من قبل، ولم يتعرف الجمهور العربي عليهن، رغم أهميتهن على الساحة الأدبية الروسية.

أرى أن الأدب المعاصر يتناول قضايا المرأة كجزء من المشهد المجتمعي العام، ولكنه يعكس رؤى أكثر حداثة وعمقًا حول تحديات المرأة ودورها في الحياة المعاصرة، وما يجذبني بشكل خاص هو ظهور كاتبات روسيات ملهمات وشاعرات تمت ترجمة بعض أعمالهن مؤخرًا. 

لكن للأسف، غالبًا ما يتم إغفال مثل هذه الأعمال ضمن الترجمات الأدبية إلى العربية، ربما لأن البعض يصنف الأدب النسائي باعتباره أقل أهمية.

في رأيي، الأدب بنوعيه الكلاسيكي والمعاصر يحمل قيمة ثقافية وفكرية عالية؛ فالأدب لا يُصنَّف على أساس الأهمية، وكل نص يمكنه أن يُضيء جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية، ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه الاجتماعي والثقافي الخاص.

هل تعملين على كتاباتك الخاصة إلى جانب الترجمة؟

حاليًا، لا أفكر في كتابة عمل خاص بي، لكن من الممكن أن أشرع في ذلك يومًا ما.

أفكاري لم تتبلور بعد، فأنا أؤمن أن بعض الأفكار تحتاج وقتًا للنضج حتى تتحول إلى عمل واضح.

في الوقت الحالي، ليس لدي النية للكتابة. ما زلت مستمتعة بعالم الترجمة وتحقيق مشاريعي الأدبية من خلاله.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة