تقول الروايات المحلية إن عدد الجنود الذين قُتلوا في هذا الموقع، أثناء محاولتهم الانسحاب غربًا نحو قناة السويس، يصل إلى "700" جندي على الأقل. ولذلك، فإن هذا الموقع معروف بالعثور على الكثير من عظام وملابس عسكرية مصرية، تم العثور عليها خلال العقود الماضية، بينما لا تلتفت السلطات الحكومية ولا تأخذ أي خطوات نحو التعامل مع هذا الملف المؤلم تاريخيًا وحاضرًا.
السؤال هنا: هل بدفن الشهيد في مقابر العائلة في جنازة عسكرية يحقق العدل كاملًا؟ ماذا عن معرفة ما حدث وكيف استشهد؟ ماذا عن معرفة ما حدث لباقي الجنود الذين لم يحالفهم الحظ في العثور عليهم، وأهلهم لا يزالون في انتظار جثامينهم؟ ماذا عن محاكمة القاتل ومعاقبته؟ هل هناك سبيل لتحقيق العدل بعد مرور قرابة 60 عامًا على الجريمة؟
العدالة الانتقالية
ربما تقدم لنا منظومة العدالة الدولية مبدأ قد يكون هو المدخل للرد على مثل هذه الأسئلة، وهو مبدأ العدالة الانتقالية.
بحسب الأمم المتحدة، فإن العدالة الانتقالية هي النطاق الكامل للعمليات والآليات المرتبطة بمحاولة التصالح مع إرث الصراعات واسعة النطاق والقمع والانتهاكات والتجاوزات في الماضي، من أجل ضمان المساءلة وخدمة العدالة وتحقيق المصالحة.
وقد تشمل هذه العمليات آليات قضائية وغير قضائية، بما في ذلك البحث عن الحقيقة، ومبادرات المقاضاة، والتعويضات، والتدابير المختلفة لمنع تكرار الانتهاكات الجديدة.
تلعب العدالة الانتقالية في الحروب دورًا محوريًا في تحقيق السلام والمصالحة بعد النزاعات المسلحة، حيث تواجه المجتمعات التي شهدت حروبًا عنيفة تحديات كبيرة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، والدمار الاجتماعي والاقتصادي، والشرخ بين مختلف الأطراف المتنازعة.
تهدف العدالة الانتقالية في هذا السياق إلى معالجة إرث تلك الانتهاكات وبناء مجتمع جديد قائم على سيادة القانون والعدالة.

وقد تقدم آليات العدالة الانتقالية بعض الخطوات التي يمكن أن تطالب بها السلطات المصرية، في حالة وجود الإرادة السياسية، بشأن ملف شهداء حرب 1967، مثل المطالبة بلجان الحقيقة والمصالحة، التي تعمل على توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها، كما في تجربة جنوب أفريقيا بعد انتهاء الفصل العنصري، حيث كانت لجنة الحقيقة والمصالحة جزءًا أساسيًا من الانتقال إلى السلام. وقد تقود مثل هذه اللجان إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم، فمن خلال العدالة الانتقالية، يُحاكم القادة والمسؤولون عن هذه الجرائم لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وهناك بعض الأمثلة على تطبيق العدالة الانتقالية بعد الحروب، مثل رواندا بعد الإبادة الجماعية في 1994، حيث اعتمدت رواندا على محاكم محلية ودولية، بما في ذلك المحاكم التقليدية، لتحقيق العدالة والمصالحة.
وفي البوسنة والهرسك بعد الحرب الأهلية في يوغوسلافيا، تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
وفي جنوب أفريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، كانت لجنة الحقيقة والمصالحة وسيلة حاسمة لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
كما تم تطبيق العدالة الانتقالية أيضًا في محاكمات في بريطانيا لتعويض ضحايا التعذيب في كينيا تحت الاحتلال البريطاني. وهناك أيضًا العديد من الدراسات والمحاولات لتضمين مفهوم العدالة الانتقالية في قضية ضحايا الانتهاكات من الأرمن تحت الاحتلال العثماني التركي.
محاولة فاشلة
للأسف، فإن تطبيق العدالة الانتقالية، حتى في الجبهة الداخلية، فشل في مصر. بعد الهزيمة في حرب 1967، كان هناك اعتراف داخلي في مصر بالحاجة إلى إصلاح الجيش وتحسين الأداء العسكري. قدم الرئيس جمال عبد الناصر استقالته في محاولة لتحمل المسؤولية عن الهزيمة، ولكن تم رفض استقالته من الشعب.

رغم ذلك، لم تُجرَ محاكمات أو عمليات محاسبة مباشرة للمسؤولين عن الانهيار العسكري الكبير، مما يُشير إلى غياب تام للعدالة الانتقالية من حيث محاسبة الأفراد المسؤولين عن القرارات الاستراتيجية التي أدت إلى الهزيمة.
لم يكن هناك نظام رسمي للعدالة الانتقالية بعد حرب 1967، إذ تم التعامل مع تداعيات الحرب بشكل رئيسي من خلال الإصلاحات العسكرية والسياسية الداخلية، واللجوء إلى المفاوضات لاستعادة الأراضي المحتلة. وقد أدى هذا التوجه إلى الانشغال عن محاسبة العدو الإسرائيلي على جرائمه في الحرب أيضًا.
وأخيرًا، هل تسقط جرائم الحرب بالتقادم؟ الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، لا تسقط بالتقادم وفقًا للقوانين الدولية. هذا يعني أن المسؤولين عن هذه الجرائم يمكن محاسبتهم ومحاكمتهم في أي وقت، بغض النظر عن مرور الزمن.
تنص اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لعام 1968 على أنه لا يمكن أن تسقط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم، سواء من الناحية القانونية أو الجنائية.
تم تبني هذه الاتفاقية كرد فعل على الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية، مثل المحرقة (الهولوكوست) والجرائم النازية ضد الإنسانية.
وهناك أيضًا المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بمحاكمة الأفراد المسؤولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان. وفقًا لنظام روما الأساسي، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، فإن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.
بينما يعتبر القانون الدولي العرفي أيضًا أن الجرائم الدولية الكبرى، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا تخضع للتقادم بسبب خطورتها وتأثيرها العميق على الإنسانية.
تبقى في النهاية الإرادة السياسية للحكومة المصرية في اتخاذ خطوات لاستخدام آليات العدالة الانتقالية لتحقيق العدالة لآلاف الشهداء من حرب 1967.
الإرادة السياسية
رغم وجود اتهامات متعددة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب خلال حرب 1967، إلا أنها لم تُحاكم بشكل رسمي على تلك الجرائم.
حال غياب الإرادة السياسية، والحماية السياسية الدولية، والنفوذ السياسي لإسرائيل، والتحديات القانونية والزمانية دون محاكمتها. ومع ذلك، تبقى مسألة العدالة والمحاسبة جزءًا من النقاشات الدولية المستمرة حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والمنطقة ككل.

ربما يكون ظهور جثمان الشهيد فوزي محمد عبد المولى ليس بالمصادفة في هذا التوقيت، ولكنه علامة على أن الظلم والطغيان الإسرائيلي مستمران منذ 1967 وحتى الآن، وأن العدالة لم تتحقق، وبقي المجرم بلا عقاب، مستمرًا في ارتكاب جرائمه.
في غياب العدالة، تظل جرائم الماضي شبحًا يطارد الحاضر والمستقبل، ويمهد الطريق لاستمرار المجرم في جريمته.
ربما حان الوقت أن تدرك الحكومة المصرية والحكومات العربية أهمية محاسبة جرائم الماضي كجزء من مواجهة جرائم الحاضر التي ترتكبها إسرائيل، والتي ستستمر في ارتكابها طالما أمنت تطبيق العدل وضمنت الإفلات من العقاب.