ترتفع أصوات الكلاكسات، تشعر برجفة خفيفة في يديها بينما تُمسك بعجلة القيادة، تُردد في سرها: “أعود إلى الخلف بعد أن أحسب زاويتي بدقة، أُوازي الرصيف ثم خطوتين إلى الأمام، بسيطة اهي.. الدريكسيون في الاتجاه المُعاكس.. الفتيس على R.. خطوتين إلى الأمام.. D مرة أخرى وخطوة إلى الخلف، بينجو..”.
“لا تُحكمي قبضتِك على التارة، لن تهرب، امسكي بيدٍ واحدة فقط كلما استطعت، لتكون الحركة سلِسة”.
نعم، كانت التعليمات كثيرة، لكنها بدت سهلة في بدايتها، وإن كانت لا تتزال تتذكر التعليمات التي لم تخلو من تعليقات مثل: “بس متعمليش زي الستات!!”. لا تزال تتذكر أيضًا هذا الصديق الذي علمّها القيادة وكان يُردد: “الستات بتسوق كده.. الستات بتغلط كده.. الستات بتفكر كده.. الستات مبتعرفش تركِن”.
تذكرت كم أصابها التوتر من كل هذه التعليقات، لكنها لم ترد.
تكره ذلك الحديث الذي يبدأ بالتعميم المطلق، لكونها امرأة ومادة شيقة لإصدار الأحكام المطلقة. النساء في العقل الجمعي لمجتمعها، أقل منطقية في التفكير من الرجال.
لم تتسبب في تعطيل حركة السير، إلا أن أبواق السيارات ظلت تعلو وتعلو، حتى شكت أنها غير قادرة على صف سيارتها.
تعميمهم خاطئ؛ صفت السيارة رغم الضغط، فتحت بابها وترجلت وفي نفسها أشياء من ضيق.
العلم بيقول إيه؟
أثبتت دراسة أجراها معهد أبحاث النقل بجامعة ميشيجان، أن مخاطر التورط بالحوادث لكل ميل تتم قيادته أعلى لدى الرجال مقارنةً بالنساء، وذلك في جميع أنواع الحوادث وشروط الإضاءة المدروسة.
وعلى الرغم من أن البيانات الأصلية تظهر أن النساء يتورطن بشكل أكبر في الحوادث غير القاتلة مقارنة بالرجال، إلا أن الدراسة تثبت أن النساء يقدن السيارات لمسافات أقل سنويًا مقارنة بالرجال، وهذا سبب رئيسي في زيادة معدلات تورطهن في الحوادث غير القاتلة.
التفاوت لصالح النساء في معدلات الآمان أثناء القيادة، تؤكده أيضًا دراسة أجراها قسم الطوارئ في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، استخدم فيها أسلوب تحليل بيانات فحص الاختلافات بين الجنسين بما يشمل العمر في معدلات المشاركة في حوادث السيارات المميتة، حيث كان معدل المشاركة في الحوادث المميتة لكل 10 آلاف سائق، يظهر أن الرجال يشاركون في حوادث السيارات المميتة بمعدل ثلاثة أضعاف مقارنة بالنساء “5.3 مقابل 1.7″، بينما تزداد هذه النسب بين المراهقين. فمن أين جاءت أسطورة “الستات مبتعرفش تسوق”؟!
اقرأ أيضًا:حقوق المرأة في “استراتيجية حقوق الإنسان”.. كلام نظري يفتقد التطبيق

أينما كنتِ تُدركك الميسوجينية
“الميسوجينية” أو ما يُعرف بـ “كراهية واحتقار النساء” هي نظرة متأصلة في الثقافة المجتمعية السائدة، وليست مقتصرة على المجتمعات الشرقية فقط.
في مدونتها “المرأة المُفكرة“، تشير محترفة تسويق العلامات التجارية الهندية شيريا بوترا -Shreya Bothra، إلى واحدة من القصص الطريفة التي تعرضت لها مع صديقها أثناء وجودهما داخل سيارة “أوبر”، حين بدأ السائق في الحديث عن حادث شهير حدث على الطريق السريع، وأن المشكلة الحقيقية هي أن صاحب السيارة سمح لامرأة بالقيادة على الطريق السريع. ثم استفاض السائق في ذكر كثير من الآراء حول قدرة النساء على القيادة، خاصة في التعامل مع الطرق السريعة.
هنا، انفجرت “شيريا” -كما تقول- في وجه السائق غاضبةً، وبنبرة حادة قالت: “تقود والدتي على الطريق السريع، وببراعة”، ورد السائق: “يا سيدتي، لا تستطيع أي امرأة القيادة بهذه السرعة بشكل صحيح. مهما كانت مهارتها”.
بعيدًا عن “شيريا”، وأنا هنا أتحدث عن تجربتي الخاصة، هناك نساء يقدن بحذر وحرفية عالية، وهناك من الرجال عديد يقود بتهور، ولا مقياس قائم على النوع ولا مجال للتعميم.
نظرة تاريخية
بالنظر للأمر تاريخيًا، لا شك أن حظر أو تقييد حقوق المرأة في القيادة ممارسة اجتماعية وثقافية سائدة في العديد من المجتمعات على مر العصور.
كانت هذه الوصمة تتجذر في المعتقدات الثقافية والأعراف الراسخة، وهي ذات آثار بعيدة المدى على استقلالية المرأة ومشاركتها الاقتصادية ومكانتها الاجتماعية بشكل عام.
ولعل أقرب هذه المشاهد للذاكرة، ما حدث في المملكة العربية السعودية التي كان مشايخها يخرجون على الشاشات يُعددون أسباب منع النساء من القيادة، وما يترتب على ذلك من مفسدة تقود الأمة للهاوية والمرأة للابتذال والمهانة، حتى جاء عام 2018 وصدر قرار ملكي بإصدار أول رخصة قيادة والسماح للنساء أخيرًا بالقيادة.
لماذا يعتقدون أن النساء أسوأ في القيادة؟
يُمكن تفسير انتشار الفكر السائد بعدم قدرة النساء على القيادة بالتنميط المجتمعي، الذي يمكن اختصاره في عدد من الأسباب، سمحت بهذا الانتشار، نحصرها في النقاط التالية:
– التحيزات الثقافية والاجتماعية، وهي غالبًا ما ترتبط بأدوار الجنسين التقليدية، حيث يُنظر إلى الرجال على أنهم أكثر قدرة على القيادة بسبب قوة بدنية أكبر أو ثقة أكبر بالنفس.
– الحوادث المرورية الفردية في بعض الأحياة يتم استخدامها كـ”ستيريوتايب” للتعميم على جميع السائقات من النساء.
– الإعلام والدراما والسوشيال ميديا، وما تلعبه من أدوار في تشكيل الرأي العام وتعزيز الأفكار النمطية من خلال النكات أو الإعلانات التي تصور النساء بطريقة سلبية أثناء القيادة.
عمليًا، تتأثر مهارات القيادة بعدة عوامل فردية، بغض النظر عن الجنس، ومنها الخبرة، التي كلما زادت، بغض النظر عن رجل وامرأة، كلما تحسنت المهاراة، وفي كل شيء بغض النظر أيضًا عن قيادة السيارات.
كذلك، فإن القدرة على التركيز والانتباه أثناء القيادة هي عامل حاسم للجميع، ومن الطبيعي أنه كلما زادت الأعباء والضغوط، كلما قل التركيز، والنساء في مصر بالإضافة إلى أعباء الحياة الاجتماعية والاقتصادية، يواجهن أعباءً إضافية يُسببها التنميط.
ومن البديهي أن تلقي التدريب المناسب على القيادة يمكن أن يحسن أداء أي سائق، بغض النظر عن نوعه، كما هو بديهي أيضًا أن التوتر، والتعب، والانفعال، كلها عوامل يمكن أن يؤثر سلبًا على أداء أي سائق.
وهذا كله يفرض ضرورة التخلص من التنميط في الحكم على قيادة المرأة للسيارات، والتركيز على مهارات السائق الفردية بدلًا من تعميمها على أساس الجنس.

عباسية أحمد فرغلي، مصرية حصلت على أول رخصة قيادة لامرأة عربية منذ 100 عام، وقد حصلت عليها في ففي يوليو 1920 بفرنسا، ثم حصلت على رخصة أخرى في مصر عام 1928.
الـ”Stigma”
Stigma أو الوصمة هي العلامة غير المرئية التي تربط الشخص بظروف أو صفات بعينها وتساعد في تنميطه.
رغم ما أُحرز من تقدم في العقود الأخيرة لتحدي وتفكيك هذه الممارسات التمييزية، فإن الوصمة التي تلحق بقيادة المرأة للسيارة لا تزال قائمة، ومن الأسباب الرئيسية لذلك هو الاعتقاد السائد بأن المرأة غير قادرة بطبيعتها على تشغيل المركبات الآلية.
اقرأ أيضًا:الـ “مانسبريدنج”.. رجال يتمددون ونساء ينكمشن
وكثيرًا ما يتم تعزيز هذه الصورة النمطية من خلال المعايير الثقافية التي تُملي الأدوار والتوقعات الجنسانية. حيث تسند الأدوار الجنسانية التقليدية إلى المرأة كالمسؤوليات المنزلية، في حين يُنظر إلى الرجل باعتباره المعيل الرئيسي وحامي الأسرة.
وحيث أن القيادة مهارة مرتبطة بالقدرة على الحركة والاستقلال، يُنظر إليها غالبًا على أنها نشاط ذكوري لا تمتلك النساء المؤهلات الكافية للتعامل معه.
وعلاوة على ذلك، يمكن ربط هذه الستيجما التي تلحق بالمرأة أثناء القيادة بمخاوف تتعلق بأخلاقها مثلًا واحترامها. ففي بعض المجتمعات، يُنظر إلى المرأة التي تقود السيارة على أنها تنحرف عن الأدوار الجنسانية التقليدية وتتحدى التوقعات المجتمعية.
وقد تُوصَم بأنها مستقلة للغاية أو غربية للغاية، ما يؤدي إلى عواقب اجتماعية سلبية “كما كان الحديث في السعودية على سبيل المثال”، ويمكن أن يثبط هذا الخوف من النبذ الاجتماعي عزيمة المرأة عن تعلم القيادة، حتى لو كانت لديها الرغبة في ذلك.

وتمتد عواقب الستيجما التي تلحق بالمرأة أثناء القيادة، إلى مشكلات أعمق بعيدة المدى، فهي تحد من قدرة المرأة على الحركة والاستقلال، ما قد يجعل من الصعب عليها الوصول إلى التعليم وفرص العمل والرعاية الصحية.
هذا بالاضافة إلى تعزيز الأدوار الجنسانية التقليدية والحد من الفرص الاقتصادية للمرأة، الأمر الذي يمكن أن يجعل من وصمة قيادة المرأة للسيارة تأثير سلبي على سلامتها، ما قد تجعلها أكثر عُرضة للتحرش والعنف.
رحلة النساء.. بدايتها خوف
القيادة ما هي إلا مثال آخر لكيفية تمجيد كل ما هو ذكوري، والتأكيد على التقليل من مهارة النساء، وليس هناك ما يؤكد إذا كانت النساء لسن جيدات حقًا في القيادة، إنه أمر تقديري لا يمكن إثباته.
وحيث لا توجد دراسات مُثبتة فعلًا، وإن كُنت أوافق على أنه ربما هناك خوفًا متأصلًا لدى النساء يجعلهن سائقات مترددات في العديد من المواقف.
لكن من أين جاء هذا الخوف؟ هل هو الخوف الناشئ عن كسر القواعد، باعتبارها مهارة سيطر عليها الذكور كثيرًا؟ أم عدم وجود نماذج يُحتذى بها لإظهار مدى سهولة القيادة؟ قد يكون الأمر كذلك.
ولمعالجة هذه القضية، من الضروري تعزيز المساواة بين الجنسين وتحدي الصور النمطية الضارة حول قدرات المرأة.
ومن الممكن أن تساعد حملات التعليم والتوعية في تبديد الأساطير والأحكام المسبقة المحيطة بقيادة المرأة للسيارة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن السياسات والمبادرات التي تدعم وصول المرأة إلى تعليم القيادة ووسائل النقل من الممكن أن تلعب دورًا حاسمًا في تمكين المرأة وتعزيز المساواة بين الجنسين.
اقرأ أيضًا:صحفيات السودان.. صمود في زمن الحرب
أمر أخير يجب أن نُفكر فيه -هل الخوف موجود أيضًا كحاجة يائسة لتجنب جعل “عدم قدرة النساء على القيادة” نبوءة تُحقق ذاتها؟ فإذا كنا نسمع هذا طوال حياتنا. فهذا يجعلنا نتوقع بشكل مفرط أننا سوف نرتكب الأخطاء.
فإذا تعرضت سيارة للخدش، وكان قائدها رجل فسوف يناقش الناس ما حدث بموضوعية. أما إذا حدث نفس الخدش مع امرأة، فسوف يتمحور النقاش عمن كان يقود السيارة!! تمامًا كما فعل سائق الأوبر.
