في مثل هذا اليوم من كل عام، تستيقظ سارة مبكرًا، تُسرع في مغادرة سريرها. توقظ والدها أحمد، تشجعه على اصطحابه بكل أساليب التوسل والاستجداء لاصطحابها إلى السيدة زينب، أحد أبرز أماكن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
هذا التقليد العائلي يلتزم به أحمد منذ طفولته، حيث كان يصحبه والده لشراء حصان المولد والحلوى بأبسط الأسعار.
يسير أحمد الآن مع ابنته في المكان نفسه، بينما عبق رائحة الحلوى الطازجة يسري في الهواء، معلنًا عن رائحة السكر المحترق والمكسرات. الألوان الزاهية والأصوات المتداخلة تعكس روح المولد. يركض الأطفال، ويتجمع الأهالي لشراء الهدايا والحلويات.
هنا تتشكل لوحة حية متحركة. أماكن بيع الحلوى تمتد على طول الشارع، وكل زاوية تحكي قصة خاصة. الابتسامات والضحكات وأصوات الاحتفالات تتدفق بين المارة، وكأن المولد النبوي يُعيد إحياء الروح الجماعية في الحي.
اقرأ أيضًا: المصريون وبقايا الطعام.. الموت في وجبة منخفضة التكلفة
عروسة المولد.. تخلت عن بساطتها
يتذكر الأب كيف كانت عروسة المولد تتألق في الماضي على عربات الباعة، ترتدي الفساتين الملونة البسيطة المصنوعة من الورق أو الساتان الرخيص، على عكس ما هي عليه الآن من بُهرج البلاستيك والقماش، تحمل تصاميم أكثر تعقيدًا.
فقدت عروسة المولد روح البساطة، بات مهرها غالي، بينما المصريون "فقرا أوي".

بدأ تقليد "عروسة وحصان المولد" في مصر مع عصر الدولة الفاطمية (969 -1171 ميلاديًا)، الذين اشتهروا بالاحتفالات الدينية كوسيلة لتعزيز مكانتهم في المجتمع وكسب تأييد المصريين، وفقًا لما يذكره المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، المعروف بـ"خطط المقريزي"، وهو أحد المصادر الرئيسية التي توثق هذه الحقبة وتصف الاحتفالات الفاطمية خاصة بالمناسبات الدينية.
يتذكر "أحمد" تلك الأيام، حين كانت الأمور أكثر بساطة، وكانت الظروف الاقتصادية مستقرة إلى حدٍ ما، وكان بالإمكان شراء الحلوى دون الشعور بالضغوط المالية الكبيرة.
يذكر كيف كان يحرص والده على شراء الحلاوة بجميع أنواعها: السمسمية، والفولية، والملبن المزخرف بالمكسرات، الذي كان له نصيب من قلوب الكبار والصغار على حد السواء.
يتذكر أيضًا كيف كانت عروسة المولد تُصنع من السكر، مزينة بالألوان الزاهية، وتباع بأسعار مناسبة للجميع. كانت تلك العروسة تحمل معها فرحة لا توصف، فهي ليست مجرد لعبة، بل رمز للاحتفال.
اقرأ أيضًا:الفلاح المصري.. عيد مؤجل بإهمال حكومي
وفي الأحياء الأكثر فقرًا، كان الاحتفال بالمولد يأخذ شكلًا أكثر تواضعًا، لكن لا يخلو من الفرح. الأطفال يصنعون عرائسهم الخاصة من الورق أو القماش، ويتشاركون فيما لديهم من حلوى بسيطة.
عروسة المولد.. مهرها غالي
قبل أن يفقد الجنيه المصري قيمته، كانت حلوى المولد تُباع بأسعار رمزية، وكانت أغلب السلع الأساسية متوفرة بسهولة، ما كان يتيح للعائلات من مختلف الطبقات أن تشارك في الاحتفال دون قلق بشأن التكاليف.
ولكن في السنوات الأخيرة، ومع ما شهدته مصر من زيادات متتالية في الأسعار، تأثرت قدرة الأسر المتوسطة والبسيطة على تلبية احتياجاتها من الحلوى ومظاهر الاحتفال، ناهيك عن شراء الحلوى والعروسة التي أصبحت أسعارها تفوق التوقعات.
وفق نشرة الأرقام القياسية لأسعار المستهلكين الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لشهر يوليو 2024، فإن الأسعار ارتفعت بنسبة 28.6% لمجموعة الطعام والشراب بين يوليو 2023 ويوليو 2024. كما ارتفعت أسعار مجموعة السكر والأغذية السكرية بنسبة 22.2% مقارنة بالعام الماضي.
وقد بلغ سعر السكر في السوق المصرية في يوليو العام الماضي حوالي 21 جنيهًا للكيلو، لكنه ارتفع هذا العام ليصل إلى 36 جنيهًا للكيلو "الدولار الأميركي يعادل 48.5 جنيه مصري"، ما ساهم في زيادة أسعار حلوى المولد.

كان أحمد يتفحص الحلوى المتراصة بعناية، يشتري بعضًا من الفولية والملبن، كما فعل في سنوات طفولته. لا يريد أن يعود خالي الوفاض فتحزن ابنته، حتى ولو كانت الأسعار تبدو وكأنها في مهمة شراء جهاز عروس.
تلك الحلوى التي كانت في الماضي تُباع بأسعار زهيدة، أصبحت الآن ترفًا. يُدرك الأب هذا الفارق، لكن الفرح في عيون ابنته يُخفف من وطأة الغلا.
توجه أحمد إلى أحد الباعة ليسأله عن سعر عروسة المولد التي كانت تشد انتباه سارة، وهي مزينة بفستان ملون وتاج صغير على رأسها.
"دي بـ 500 جنيه"؛ قال البائع مبتسمًا، ورد أحمد بنظرة ذهول، كادت أن تفيض بسؤال شق رأسه جدلًا: كيف لمجرد عروسة مولد كانت تباع سابقًا بجنيهات قليلة أن تصل إلى هذا السعر؟ حاول أن يتفاوض مع البائع، لكن الأخير أخبره بأن الارتفاع في أسعار المواد الخام هو السبب الرئيسي في هذه الزيادة.
اتجه أحمد إلى بائع آخر لشراء حلوى المولد.. الحلاوة نفسها التي كان يشتريها بجنيهات معدودة لا تتعدى العشرة جنيهات في السنوات الماضية، أصبحت اليوم بين 150 و500 جنيه، حسب النوع والحجم.
اقرأ أيضًا:التعليم والصحة في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. 3 سنوات بلا أثر ملموس

التضخم وارتفاع الأسعار
مصر، مثل العديد من الدول الأخرى، تعرضت لموجات من التضخم والزيادات في أسعار السلع والخدمات نتيجة للعديد من العوامل، منها التغيرات الاقتصادية العالمية، وارتفاع تكلفة المواد الخام، وتأثير تقلبات أسعار الطاقة والنقل.
ومع زيادة أسعار الدولار أمام الجنيه المصري، تأثرت العديد من السلع المستوردة والمحلية على حد السواء، وأصبح من الصعب تحمل تكلفة المعيشة المتزايدة. كما باتت الاحتفالات في الوقت الحالي تعكس مزيجًا من الحنين إلى الماضي والواقع المرير الذي فرضته الظروف الاقتصادية الصعبة.
وفي حين أن الأنوار والزينة ما تزال تُعلق في الشوارع، تغيرت روح الاحتفال كثيرًا. فالأسواق تكتظ لكن بالهموم أكثر من الضحكات. الأسعار ارتفعت بشكل كبير، وأصبح شراء الحلوى والعرائس الفاخرة عبئًا على الأسر ذات الدخل المتوسط.
تحدث أحمد مع بعض الباعة في السوق لمعرفة أسباب هذه الزيادات، فأخبروه أن المواد الخام المستخدمة في صناعة الحلوى، مثل السكر والمكسرات، ارتفعت أسعارها بشكل كبير في السنوات الأخيرة. كما أن تكاليف النقل والشحن زادت نتيجة ارتفاع أسعار الوقود. وأضافوا أن حتى العمالة أصبحت تتطلب أجورًا أعلى لتغطية تكاليف الحياة المتزايدة.
بوكس المولد.. الاحتفال في صندوق باهظ الثمن
أثناء سيرهما، لفت انتباه الأب بإحدي الشوادر "بوكس المولد"، وهو مفهوم جديد للاحتفال وسط كل هذه التغيرات. ظهرت فكرة جديدة أحدثت تحولًا في طريقة تقديم حلوى المولد.. "بوكس المولد"، وهو عبارة عن عُلبة أنيقة تُعبأ بتشكيلة مُختارة من الحلوى، وتُقدم كهدايا للعائلة والأصدقاء أو حتى للعاملين في الشركات.
هذه الفكرة لم تكن موجودة في الماضي، لكنها اكتسبت شعبية كبيرة في السنوات الأخيرة، خاصةً مع تزايد الاتجاه نحو التغليف الفاخر والاهتمام بالتفاصيل.

في بوكس المولد، يجد المُشتري مجموعة متنوعة من الحلوى، تتراوح بين الأنواع التقليدية مثل السمسمية والملبن، إلى الحلويات الفاخرة الجديدة، كما يتم تغليف الحلوى بعناية داخل الصندوق، الذي يُزين بتصاميم فنية تعكس روح المناسبة، وتُضيف بعض المتاجر لمسات شخصية، حيث يمكن للزبون اختيار نوع الحلوى وتخصيص الرسالة الموجودة داخل البوكس.
بوكس المولد، فكرة جديدة تُلبي احتياجات المجتمع الحديث، حيث يتجه الناس نحو الهدايا الجاهزة التي توفر الوقت والجهد. كما أنها تُمثل تحولًا في شكل وطبيعة الاحتفال بالمولد النبوي.
اقرأ أيضًا: “بواقي زيت السمك والفراخ”.. معدة المصريين مهددة بعمليات “بير السلم”
التحولات الثقافية والاجتماعية
هذا التغير في الأسعار وما تلاه من تغير مظاهر الاحتفال يعكس تحولًا أكبر في الثقافة الاجتماعية المصرية، ففي الماضي، كان المولد مناسبة تجمع الناس على البساطة والمشاركة الاجتماعية. كان المصريون قادرين على المشاركة في الاحتفال، سواء بشراء الحلوى أو حضور الفعاليات الدينية التي كانت تُقام في المساجد وفي الأحياء الشعبية.
أم اليوم، ومع ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، أصبحت بعض مظاهر الاحتفال، مثل "بوكس المولد"، مرتبطة أكثر بالطبقات المتوسطة والعليا.
يُظهر هذا التباين كيف أن أثر الاقتصاد والتحولات الاجتماعية على طبيعة الحياة في مصر، وبالرغم من الصدمة التي عاشها أحمد بسبب هذه الزيادة في الأسعار، إلا أنه لم يستطع أن يترك السوق دون أن يشتري شيئًا لابنته.
في النهاية، وبعد التفاوض مع البائعين ومحاولة البحث عن أفضل الأسعار، تمكن أحمد من شراء عروس المولد وحلوى متنوعة، ليبقى المولد النبوي مناسبة تجمع الناس حول قيم المحبة والفرح.
وبينما قد تتغير مظاهر الاحتفال، فإن الروح التي تحملها هذه المناسبة تُذكرنا بأهمية الحفاظ على التراث والتقاليد، حتى في ظل التحولات التي تفرضها التغيرات الاقتصادية.
