“تشريعية النواب” تتخبط.. “الصحفيين” تواصل المواجهة.. ونادي القضاة ينضم لرافضي “الإجراءات الجنائية”

حالة من التخبط والارتباك، تشهدها أروقة اللجنة التشريعية والدستورية في مجلس النواب في الفترة الأخيرة، بعد إصدارها بيان هجومي غير مسبوق ضد نقيب الصحفيين الكاتب الصحفي خالد البلشي، على خلفية رفض النقابة وتصديها لمشروع اللجنة الخاص بقانون الإجراءات الجنائية “المعيب”، ما أشعل الغضب في أوساط الصحفيين/ات، والنخب الحقوقية والقانونية في مصر.

بالتزامن، تلقت اللجنة البرلمانية، ضربة جديدة، بإعلان نادي القضاة موقفه الرسمي الرافض لبعض مواد مشروع القانون، الأمر الذي وضع اللجنة وسط موجة غضب متصاعد ضدها من مختلف طوائف النخب المصرية، التي اتهمتها بالاستعجال في تمرير مشروع القانون، وأخيرًا، تحويل الانتقادات الواسعة لمشروع القانون إلى خلافات وتجاوزات شخصية في حق الصحفيين ونقيبهم.

وكانت اللجنة البرلمانية وافقت بشكل نهائي، على مسودة مشروع قانون الإجراءات الجنائية، تمهيدًا لرفعه إلى المستشار حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب، ومن ثم عرضه بالجلسات العامة للمجلس مع بداية دور الانعقاد العادي الخامس المقبل. وهو ما يأتي وسط اتصالات مكثفة داخل دوائر اتخاذ القرار بشأن دراسة مآلات تصاعد الأمور على هذا النحو.

اقرأ أيضًا: “الصحفيين” تكسب جولة.. “الإجراءات الجنائية” لا يزال في مرمى غضب “عبد الخالق ثروت”

مشروع “معيب” وخطر كبير

في مؤتمر النقابة أمس، وصف “البلشي” مشروع اللجنة بـ “أنه خطر، ليس فقط على نظام العدالة في مصر بل على جميع المواطنين”. وأوضح أن هناك تعجل من جانب بعض الأطراف وداخل البرلمان في إقرار هذا المشروع، دون سبب معلن ومقبول، رغم المطالبات المتكررة من عدة جهات معنية بتأجيل النظر فيه وطرحه لحوار مجتمعي حقيقي تشارك فيه جميع الأطراف.

خالد البلشي - تصوير فكر تاني
خالد البلشي – تصوير فكر تاني

وفق “البلشي”، فإن النقابة لديها مطالب مهنية في هذا القانون، تتعلق بالمادتين (15 و266)، رغم الاستجابة لمطلب إلغاء المادة (267). وهذه المطالب لا يمكن أن تأتي بمعزل عن الموقف من القانون ككل، حتى لو تمت الاستجابة لها، دون تغيير الفلسفة التي يقوم عليها هذا القانون “الضار”.

وقد ندد نقيب الصحفيين بـ”الاستعجال المريب” من قبل اللجنة التشريعية، فقال: “نؤكد أن مهنتنا ستكون أيضًا في مقدمة الخاسرين؛ فالصحافة مهنة تعيش بالحرية، وتزدهر من خلال توسيع مساحات الحقوق والحريات في المجتمع، وأي تضييق لها حتى لو جاءت نصوص الصحافة بهية براقة يعزل الصحافة عن سياقها ويفقدها سلاحها الأهم، وهو المناخ الذي تتحرك فيه، ونتحرك فيه جميعًا، وهو تكريس إضافي للوضع المأساوي، الذي تعانيه المهنة”.

بينما طالب بضرورة وقف مناقشة هذا المشروع “الكارثي”، والبدء في حوار مجتمعي حقيقي؛ لوضع قانون جديد يستجيب لتطلعات المجتمع، ويراعي مطالب مختلف الأطراف، ويحافظ على ثقة المواطنين في نظام العدالة، ويكرس لحقوقهم وحرياتهم، أو الاستجابة للمطالب المرفوعة في المشروع الحالي.

مشروع “سري” قاتل للحقوق

في مؤتمر النقابة، كان المحامي الحقوقي نجاد البرعي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، أحد أبرز رافضي مشروع قانون الإجراءات الجنائية وتمريره بهذا الشكل الذي يصفه بـ”قتل لفكرة الحقوق الوطنية، وإنهاء حقيقي لفكرة دولة القانون”.

نجاد البرعي - تصوير فكر تاني
نجاد البرعي – تصوير فكر تاني

“البرعي” أكد أيضًا أن لا أحد ينازع البرلمان سلطته في التشريع، إلا أن هذه السلطة دومًا مشروطة بأن ما يشرعه البرلمان لابد أن يتوافق والدستور، ومن هنا، فإنه في حال استخدم البرلمان سلطته على وجه يناقض الدستور -على سبيل الخطأ أو السهو- وجب تنبيهه، مشيرًا إلى أن الحديث عن الانتظار لحين إقرار النص ثم الطعن عليه أمام المحكمة الدستورية العليا إنما هو “غير قانوني”.

ووفق “البرعي”، فإن “هذا أسرع المشروعات مناقشة وأكثرها سرية، إذ استغرقت النقاشات حوله 14 شهرًا فقط دون إطلاع المعنين والرأي العام، ولم تخرج طوال هذه الفترة ورقة واحدة بما تم من مناقشات، وعندما أُرسل المشروع إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان تمت مناقشته في أربع جلسات فقط”.

اقرأ أيضًا: ناصر أمين: قانون الإجراءات الجنائية يهدد أمن المصريين في بيوتهم.. ويفتح الباب لولاية “الجنائية الدولية” (حوار)

استعجال غير مبرر

أحمد راغب
أحمد راغب

أحمد راغب المحامي ومقرر مساعد لجنة حقوق الإنسان في الحوار الوطني أثنى على الدور الذي تقوم به نقابة الصحفيين في مواجهة مشروع قانون اللجنة التشريعية بمجلس النواب.

“راغب” يرى مشروع القانون “مخالفًا للدستور”، ويقول إنه لا يجد أي فلسفة فيه إلا إعادة إنتاج وترسيخ كل التعديلات والتشوهات بقانون الإجراءات الجنائية الحالي، موضحًا أن توصيات الحوار الوطني ليس لها علاقة بمشروع القانون المقترح.

محمد الباقر
محمد الباقر

في كلمته بمؤتمر الصحفيين حول مشروع القانون، قال محمد الباقر المحامي الحقوقي: “نحن أمام قانون يؤسس لتقنين كل الممارسات المخالفة دستوريًا والمتناقضة مع العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية التي تمت خلال السنوات العشر الماضية”.

أضاف الباقر أن قانون الإجراءات هو دستور الحريات، وهو الضمان الأول للمواطنين كافة، ولا يختص بالقضايا السياسية التي تمثل 1% من اختصاص القانون فقط، بل يمس 99% من تعاملات المواطنين فيما بينهم. ومن هنا، فإن أي خلل في الثقة به سيتحول إلى خلل في الوصول إلى مرفق العدالة.

يشير “الباقر” إلى باب الحبس الاحتياطي باعتباره أكثر باب به عوار دستوري، تليه مواد المنع من السفر، مضيفًا أن القانون أعطى 16 صلاحية للنيابة العامة، في ظل غياب آلية الرقابة من قبل المواطنين أو الدفاع، وهو تحصين غير مبرر يحول دون الوصول للعدالة في حال حدوث أي إشكالية مع أي قرارات تصدر عن النيابة طبقا لهذه الصلاحيت.

ورقة قانونية شاملة

حصلت “فكر تاني” على نسخة من ورقة ملاحظات نقابة الصحفيين حول مشروع قانون الإجراءات الجنائية، والتي شارك في كتابتها الحقوقيون: نجاد البرعي وأحمد راغب ومحمد الباقر.

وأوضحت الورقة أن مشروع القانون المقترح أخل بالعديد من القواعد والمعايير والمبادئ الدستورية والقانونية والدولية المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة، ما يشكل خطرًا على منظومة العدالة الجنائية وسيادة القانون ويؤثر في ثقة المواطنين في اللجوء لإجراءات الأنصاف والحماية.

للاطلاع على نص ورقة الصحفيين.. اضغط هنا

رفض نادي القضاة

نادي قضاة مصر كان آخر وأقوى المنضمين حديثًا لرفض مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وهو ما مثّل صدمة كبيرة للجنة التشريعية بمجلس النواب، وفق مراقبين، قالوا إن اللجنة وجدت نفسها فجأة أمام اعتراضات متتالية، بدأت بنقابتي المحامين والصحفيين، وصولًا إلى نادي قضاة مصر، ومجموعة واسعة من الحقوقيين ورموز المحاماة الرافضين للمشروع.

في بيانه، أوضح نادي القضاة أن بعض المقترحات الحالية في مشروع قانون الإجراءات الجنائية تخل بنظام الجلسات داخل المحاكم، وتغل يد القاضي عن فرض النظام داخل الجلسة في حالة الإخلال بنظامها. وقد تبنى مجلس القضاء الأعلى، والنيابة العامة، ووزارة العدل، هذا الرأي خلال جلسات المناقشة المتتالية.

اقرأ أيضًا: جندرة التشريع ودسترة نصوصه أولاً.. مطالب بتأجيل قانون الإجراءات الجنائية

أشار نادي القضاة إلى أنه وعقب تصويت اللجنة التشريعية بالموافقة على تلك المقترحات، رغم رفض النادي ومجلس القضاء الأعلى، فإن النادي سيواصل طرح وجهة نظره أمام الجهات المعنية، قبل إصدار القانون بشكله النهائي من مجلس النواب.

حضور واسع في مؤتمر نقابة الصحفيين ضد مشروع قانون الاجراءات الجنائية
حضور واسع في مؤتمر نقابة الصحفيين ضد مشروع قانون الاجراءات الجنائية

وأعلن نادي القضاة عن عزمه توجيه الدعوة لجميع رؤساء الدوائر بمحكمة النقض ومحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، للاجتماع بالنادي لمناقشة آثار تلك المقترحات، وتحديد كل المشكلات العملية الناتجة عن تطبيقها والتي تعوق تحقيق العدالة، وعرض تلك المقترحات على مجلس النواب.

كما أكد أن النادي أن بيانه يأتي في سياق إعلاء مصلحة الوطن، والتمسك بصميم حقه في الدفاع عن حسن سير العدالة، واستقلال القضاء، ومنها الحفاظ على البيئة والمناخ التشريعي اللازم لتمكين القاضي من أداء رسالته بكل تجرد وعدل، بما يحفظ للمواطنين حقهم في العدالة،

وشدد على أن السلطة القضائية هي إحدى سلطات الدولة، ومصدرها الشعب، وتصدر أحكامها باسمه، وأنها صمام أمان المجتمع، فهي السلطة التي يلجأ إليها المواطن، احترامًا لنظام الدولة، واثقًا في عدلها، وهي في كل المجتمعات، إذا قويت زاد تحضر المجتمع وإذا ضعفت فقد المجتمع ثقته فيها، وأحجم عن اللجوء إليها في استرداد حقه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة