أجلس في سيارة نقل ذكي في الصباح ذاهبة للعمل، بملامح باهتة وعيون منتفخة من بكاء ليلة أمس، أمنع بكاءً آخر، أشعر بالخجل.. ربما.
أذكر سذاجتي الأخيرة، والسابقة.. وجميعها.
أذكر تحذيرات الصديقات، والـ"red flags" التي تجاهلتها منذ اليوم الأول.
حمقاء، ساذجة، لستِ مقدرة لقيمتكِ، أظهرت نقاط ضعفكِ وهو استطاع استغلالها، ليس ذكاءً منه ولكن حماقة منكِ.
أفكار.. أفكار.. أفكار
"من بعد شوقي في قلبي ما زاد بتسبني ليه ياحبيبي.. إيه إيه؟ وأنا يعني غصبت عليك ما إنت اللي شغلتني بيك!".
صوت شيرين يصدح من كاسيت السيارة ليقطع وصلة جلد الذات، أنتبه قليلًا :"عمو ممكن لو سمحت تعلي الصوت شوية".
"حاضر".
اقرأ أيضًا:نسوية “البيض” والسود.. هادية غالب VS ماما دهب
"ولاعمري جيتلك إنت اللي جيتني".. ثم أقف عند جملة "لما إنت قادر على البعاد قربت ليه يا حبيبي؟". أبتسم قليلا، أعتدل، أدندن مع شيرين، أستمع إلى عتابها بتلك القسوة وهذا الجرح، أنا أيضًا يا شيرين، أنا أيضًا عاتبته بكل ما أخفيه، أغلقت الباب الـ"موارب".
أقسمت بـ حبي واهتمامي الذي أغرقته بهما ألا يراني مجددًا.
لن يسمع صوتي ولن أجلس بالساعات لأسمع شكواه، لن أحتوي ألمه مجددًا، وبكيت! أنا أيضًا يا شيرين كنت أنتظر نهاية أخرى، سماع كلام آخر، تمسكت به أكثر مما تمسك بي.
أعطيت بسخاء ساذج، وعدت له مرات بعد قسمي ألا أفعل.
شيرين عبدالوهاب، شريكة الـ "moving on"
في كل المرات التي كنت أخرج من علاقة عاطفية، منهكة، حزينة، أتلوى بنار الشوق وأجلد ذاتي لنفس السبب، كانت يدي لا إراديًا تذهب "لليوتيوب" لتبحث عن صوت شيرين.
أنظر إلى "كليباتها" القديمة، تلك الملامح، شقاوتها وحركات يدها، طريقتها في تقسيم الجمل. تارة تعاتب بقسوة وتارة تأمره بالذهاب وتارة تستجديه بوجع أن يبقى.
لم أُريد الاستماع لأغاني عن جرح الانفصال لتزيد حزني، بل كنت أريد صوت امرأة تؤازرني، امرأة مثلي، نتشارك نفس الجرح و"نضع خيبتنا على خيبة بعض".
اقرأ أيضًا:كُله بتمنه.. وهم الأمان المجاني للنساء في مصر
في كل مرة أستمع فيها لصوت شيرين أشعر بالمواساة. هي أيضًا اختبرت هذا الألم.
هي أيضًا عاندت وعاتبت وهجرت وعادت ونجت من علاقات مسيئة وغرقت بأخرى. نحن الاثنتين أعطينا بسخاء، ببساطة امرأة أحبت رجل كأنه آخر رجل على كوكب الأرض.
نحن الاثنتين خرجنا من بيئة شعبية، محملتين بأفكار عن الرجل والأمان والحب واحتواء المرأة لرجلها ولزوم التحمل، كنا ضحايا أفكار خاطئة تربينا عليها. أعطينا بلا حساب وحصدنا جفاء واستغلال وهجران.
تشعرني شيرين بالألفة.. كأن أجلس مع صديقتي على مقهى شعبي أشكو لها أنني أريد العودة للشريك السابق، فتخبرني بلوم خفيف ألا أفعل وإنها تتفهم مشاعري جيدًا، وأن هذا الألم مفهوم، نحن بنات نفس الطبقة والجندر والوجع.
هكذا هي شيرين، أشعر أنها تغني من مكان قريب جدًا مني، لا أشعر أنها تنظر لي من برج عاجي أو أنتظر تنظيرًا نسويًا عن وجوب التحلي بالقوة والنظر لحياتي القادمة، وألا أشتاق لشريك مؤذي، هذا كلام منطقي وصحيح، ولكن أحيانًا نحتاج لتربيتة على الكتف.. وحضن مؤازر.. وتفهم لمرحلة الحنين والرغبة في العودة دون الوصم بانعدام الكرامة.
لسنا محملتين بنفس الأفكار النسوية، لكننا نتشارك نفس الألم الأنثوي.
شيرين تغني بس
لطالما سمعت نقد موجه لشيرين لقولها -عبارات ذكورية- سواءً في حفلة من حفلاتها، أو في أحد اللقاءات التلفزيونية.
تتحدث شيرين دومًا بعفوية مطلقة بلا رقابة على ما تقوله، دفعت الكثيرين إلى قول "شيرين متتكلمش، شيرين تغني بس".
كنت أُنكر تلك العبارات، من الذي يحدد ما نقوله وما لا نقول؟ حتى وإن كانت قناعات شيرين التي تعبر عنها مضادة تمامًا لما أعتقده، لكن تلك هي شيرين، لا تؤمن بمبادئ نسوية، ولا تدعي أنها تقدمية، بل دائمًا تقدم نفسها كامرأة من منطقة شعبية، حتى من خلال أغانيها، شيرين لا يهمها أن "تردح" لزميله أو زميل أهانها، بدلًا من كتابة تدوينة منمقة لترد عليه على منصة تويتر مثلًا، مثل أغلب الفنانات.
ربما هذا ما جعلني أحب هذا الطبع رغم مساوئه. نحن دائمًا مقيدات بما يجب ولا يجب قوله أو ما نسكت عنه.
اقرأ أيضًا:جدو عبده الثمانينات .. بابا عبده السبعينات
"اتكلمي باحترام عشان متضيعيش حقك" ونكتشف فيما بعد إنه كان "حق ضايع".
في أغاني شيرين، كانت هي من تضع النهاية التي تناسبها، فتعاتبه مرة برفق: "حاول تبين لو حتى كدب انك حنين ولو مجامله عشان بجد انا محتاج لها"، أو تستجديه بتعلق أن يبقى "خليك حبيبتك هنا أولى بيك تظلمها ذنب عليك هتيجي اللي تاخد بيه".
أو تختار أن تحرق الأخضر واليابس وتهدد، فتقول في أغنية كتر خيري : "خليه يشوف بعنيه.. إيه اللي ناوي عليه.. خليه يخاف من خياله.. لما أغيب يوم عن عنيه".
على عكس المتعارف عليه، فإن شيرين عبد الوهاب لم تكن تكترث أن يقال عنها "قليلة أدب" أو تحاول إثبات عكس ذلك، كانت تغني وتتحدث فقط، تنظر بندية وتمضي.
عزيزتي شيرين، كلتانا كانت تستحق حكاية أفضل.
أخيرًا إتجرأت
أنهيت للتو قصتي مع شريك لم يكن مُقِدرًا لقيمتي، استهلك مشاعري حتى آخر نفس، واخترت أنا النهاية بعد عناء.
لم أعد أريد هذا الحب.. احتاج الأمر مني الكثير من الوقت والمجهود حتى تجرأت أخيرًا.
أواجه حزني ومشاعري بمؤانستك يا شيرين، أجلس في غرفتي، أمسح عيني من آثار الدموع، أحاول ألا أتذكر حجم خسارتي وأن أُركز على كيفية خروجي من هذه العلاقة.
أتذكرك وأتذكر حكاياتك، تجاربك، لا أحاول أن أُسقطها على تجربتي، لكن رغمًا عني أقول "كلتانا كانت تستحق حكاية تليق بها، أن تجد الرجل المناسب، أن يحبها بنفس القدر وأن يعطيها المشاعر والاهتمام والحب الذي تستحقه.
كلتانا لم تكن تستحق رجل يبخس حقها وألا يُقلل من قيمتها".
أضع السماعات وأدير أغنيتك ليملأ صوتك رأسي "أخيرًا اتجرأت، أخيرًا أنا دلوقت، هعلي صوتي عليك هقول له إن أنا فوقت، وإن أنا ما صدقت، أخلص من حبي ليك".
اقرأ أيضًا:الختان.. في تاريخ مكافحة تشويه الأعضاء التناسلية للنساء